الثلاثاء 13 ربيع الثاني 1441 - 10 ديسمبر 2019

البعد التربوي في فكر الإمام النووي

الثلاثاء 2 ربيع الأول 1431 - 16 فبراير 2010 1816

د. خير الدين خوجة

لقد اهتم أئمتنا من السلف الصالح رضوان الله عليهم بشأن القرآن الكريم، حفظاً وتعليماً وتفسيراً، كما أنهم اهتموا بذكر آداب طلبة العلم وحاملي القرآن اهتماماً كبيراً، فصنفوا في ذلك المصنفات، نذكر منهم على سبيل المثال: الإمام العلامة أبو بكر محمد بن الحسين الآجُرّي المتوفى سنة 360 ه، فقد ألف كتاباً بعنوان: "أخلاق حملة القرآن"، والإمام العلامة أبو زكريا بن شرف النووي المتوفى سنة 676 ه أيضاً ألف كتاباً سماه: "التبيان في آداب حملة القرآن"، والذي هو موضوع دراستنا، وغير هؤلاء كثيرون لا يسمح المقام بسرد أسمائهم.
ولقد استوقفني هذا الكتاب العظيم للإمام النووي كثيراً، وكان له الأثر البالغ في نفسي وفي تكوين فكري الشخصي.
ولقد ساعد على نبوغ الإمام النووي في مجال التربية والتعليم، صحبته الطويلة للقرآن الكريم، يتضح ذلك بجلاء ووضوح لكل من طالع كتابه بإنعام وتدبر. وحول تأثير القرآن الكريم في فكر ونفوس قارئيه، يقول الشهيد سيد قطب: "لقد كان هذا الكتاب مصدر المعرفة والتربية والتوجيه والتكوين الوحيد لجيل من البشر فريد.. جيل لم يتكرر بعد في تاريخ البشرية، لا من قبل ولا من بعد، جيل الصحابة الكرام الذين أحدثوا في تاريخ البشرية ذلك الحدث الهائل العميق الممتد، الذي لم يُدرَس حق دراسته حتى الآن".


ولقد كان فضل الله علينا عظيماً إذ اختارنا لحمل رسالته إلى الناس وتربية الأجيال في هذه البقعة المباركة، مدينة المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فقد كان لزاماً علينا أن نُجلي بعض الحقائق والمعالم التربوية من تجربة ذلك الإمام الجليل من خلال هذا الكتاب.


ضوابط تربوية
إن الآداب والمعالم التربوية المذكورة في ذلك الكتاب، وإن كانت قد وضعت في الأصل للمعلمين والمتعلمين في مجال حفظ القرآن الكريم وتدريسه، إلا أنها يمكن أن تكون عامة وصالحة لكل العلوم والتخصصات ولكل المعلمين والمتعلمين. والعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.


إن كثيراً من المعلمين وإن كانوا يحملون ألقاباً أكاديمية عليا، إلا أنهم في أعمالهم ووظائفهم التربوية، بعيدون كل البعد عن مراعاة تلك المثل والضوابط والمعالم الإنسانية، التربوية والدينية، والتي أشار إليها الإمام النووي في كتابه المذكور. فترى منهم العابس والمقطِّب جبينه، والضارب والمعنِّف، والشاتم والحاسد لتلاميذه وطلابه! وما كثرة الشكاوى الواردة من أولياء الأمور إلى المسؤولين في وزارة التربية والتعليم في حق هؤلاء المربين عنا ببعيد. وإن الكتاب الذي بين أيدينا سيكون بإذن الله تعالى نبراساً يضيء لنا الطريق لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكوراً.


رضا الله تعالى

لنعش مع بعض فقرات هذا الكتاب القيم. قال الإمام النووي رحمه الله:


آداب معلم القرآن: أول ما ينبغي للمقرئ والقارئ أن يقصدا بذلك رضا الله تعالى.. عن الفضيل بن عياض قال: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من تعلم علماً يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة...". ثم تحدث الإمام النووي عن إخلاص المعلم للمتعلم، مبيناً بعض الهفوات التي يقع فيها كثير من المعلمين والأساتذة أو الشيوخ، ونحن نقتبس فقرات من كلامه.


هفوات المعلمين
"إخلاص المعلم": وليحذر كل الحذر من قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه، وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله بتعليمه، لما كره ذلك.. عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: يا حملة القرآن، أو قال: يا حملة العلم اعملوا به، فإنما العلم من عمل بما علم ووافق علمُه عملَه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملُهُم علمَهم وتخالف سريرتُهم علانيتَهم يجلسون حلقاً يباهي بعضهم بعضاً، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره...

أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى.
ويستحب للمعلم أن يكون حريصاً على تعليمهم، مؤثراً ذلك على مصالح نفسه الدنيوية التي ليست بضرورية، وأن يُفرِغَ قلبَه في حال جلوسه لإقرائهم من الأسباب الشاغلة كلها، وهي كثيرة معروفة، وأن يكون حريصاً على تفهيمهم، وأن يعطي كلَّ إنسان منهم ما يليق به، فلا يكثر على من لا يحتمل الإكثار، ولا يقصر لمن يحتمل الزيادة، ويأخذهم بإعادة محفوظاتهم، ويثني على من ظهرت نجابته ما لم يَخشَ عليه فتنة بإعجاب.. ومن قصّر، عنّفه تعنيفاً لطيفاً فيما لم يخش عليه تنفيره، ولا يحسد أحداَ منهم لبراعة تظهر منه.. فإن الحسد للأجانب حرام شديد التحريم، فكيف للمتعلم الذي هو بمنزلة الولد! ويعود من فضيلته إلى معلمه في الآخرة الثواب الجزيل، وفي الدنيا الثناء الجميل.


وينبغي أن يظهر لهم البِشْر وطلاقة الوجه ويتفقد أحوالهم ويسأل عمن غاب منهم. قال العلماء رضي الله عنهم: ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية... فقد قالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله".


حديثنا لا يزال عن أخلاق وصفات المعلم المثالي، وفي المقال القادم بإذن الله تعالى سنرى ماذا قال الإمام النووي عن الطريقة التي يجب على المعلم اتباعها مع المتعلمين في أثناء التدريس، كما أنه سيتطرق إلى بيان أهمية الأسوة الحسنة لدى المعلم، وهو يمارس عملية التربية والتعليم


المصدر : مجمع علماء الشريعة

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا