الثلاثاء 13 رجب 1440 - 19 مارس 2019

نور الدين الشهيد

الثلاثاء 2 ربيع الأول 1431 - 16 فبراير 2010 3286

الشيخ: مجد مكي



إن تاريخنا الإسلاميَّ ـ بحمد الله ـ مليء بالمفاخر والبطولات، ولكننا مع الأسف نجهله، مثلنا مثل رجل خلَّف له أبوه ثروة واسعة وكنزاً عظيماً فيه اللآلئ والجواهر واليواقيت وأعطاه المفتاح، ولكنه تكاسل عن فتح الصناديق وراح يفتخر بأبيه، ويتغنى بكثرة ماله، وعظيم ثروته من غير أن يستفيد منها.

وما أجدرنا نحن اليوم بأن نقرأ مثل هذه الأمثلة الرائعة من تاريخنا لنستثير النفوس الراكدة ونهزّ القلوب الخاملة، ونوقظ فيها روح الإيمان وشعلة الجهاد، فالمؤمن الصادق لا يعرف الخنوع ولا يصبر على الذل، ولا يركن إلى الراحة والنوم، وهو مأمور بالجهاد والغزو وقتال أعداء الله ومحاربتهم دون هوادة ولا تردد، وقد وصف الله سبحانه عباده المؤمنين بأنهم أشداء على الكفار وأمرهم بقوله:[ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً] {التوبة:123}.

إذا ذُكر الرجال الصالحون، والملوك العادلون، والقادة الفاتحون جاء في مقدمتهم الملك العادل نور الدين الشهيد، ولئن عرف الناس صلاح الدين الأيوبي وذاع اسمه على ألسنتهم، فقد سبقه نور الدين في خدمة الإسلام ومحاربة الصليبيين، وهو الذي مهَّد الطريق لصلاح الدين ووضع له الأساس وشرع له المنهج، وكان إمامه وقدوته في كل خير.

جاء نور الدين والزمان مدبر، والعدو الغاصب يملك أكثر من نصف الشام، والمسلمون دول وحكومات، كل بلدة دولة، وكل قرية حكومة، وكانت خلافة بغداد اسماً بلا جسم، وخلافة  القاهرة جسداً بلا روح، والدولة السلجوقية تصدعت كنجم الفجر، ففي كل جهة منه شهاب. وصار في الشام نحو من عشر دول صليبية وإسلامية، وكانت الشام كلها قديماً ولاية صغيرة من دولة الإسلام.

ولم يخل الميدان من أمراء أولي نجدة وبأس، ناوشوا الصليبيين ونازلوهم ولم يدعوهم يستريحون يوماً واحداً، أمراء السلجوقيين: ألب أرسلان، وقلج أرسلان، وابن منقذ، وآق سُنْقُر، جد نور الدين.

وآق سُنْقُر مملوك لألب أرسلان السلجوقي، بدا نبوغه وظهر فضله وسمت به مواهبه إلى محاولة جمع هذه الدويلات في دولة واحدة قوية تنازل العدوَّ الغاصب، الذي أسس في السواحل وفي فلسطين دويلات حسبت أنها ستبقى فيها إلى الأبد، ثم جاء من بعده ابن زنكي، عماد الدين الزنكي العاقل الجريء، المحارب البطَّاش، الذي قُتِل غيلة.

ثم جاء نور الدين، وكان الإفرنج قد ملكوا أكثر البلاد منذ خمسين سنة، وكانوا أعداد الرمال، تمدُّهم أوربة كلها، وحسب الناس أنها لن تزول هذه الغمَّة، فما هي إلا أن ظهر الرجل الذي نشر راية القرآن وضرب بسيف محمد، حتى عاد النصر يمشي في ركاب المسلمين.

إن راية القرآن لم تهزم قط، ومَنْ هُزِم من أمراء المسلمين في هذا التاريخ الطويل، إنما هُزموا لأنهم كانوا يستظلون برايات المطامع والأهواء والعصبيات والأحقاد، ما استظلوا براية القرآن، وكانوا يضربون بسيف البغي والإثم والعدوان، وما ضربوا بسيف محمد صلى الله عليه وسلم.

إنه ما ضرب أحدٌ بسيف محمد ونبا في يده سيف محمد صلى الله عليه وسلم.
لما مات عماد الدين تنفس الإفرنج الصعداء، وألقوا بأنفسهم في فراش الأمن، يحسبون أنه قد خلا العرين بموت الأسد، وما دروا أنه الآن قد دخل الأسد العرين، وما دروا أنه قد جاء نور الدين.

قتل عماد الدين الشهيد غدراً على أبواب جعبر فما بكى ابنه بكاء النساء، بل وقف أمام جسد أبيه وقفة الرجل، وأخذ خاتم الملك من أصبعه، وجمع الجنود وتوجه تلقاء حلب، يوطد فيها أمره، ويؤسس فيها ملكه.

وأطمع موت عماد الدين الإفرنج، وخرجوا كما تخرج الفئران من جحورها، وجاء أمير أنطاكية بجنوده يغير على أطراف حلب، وكان اليوم السابع من ولاية محمود نور الدين، فترك حفلات التتويج، وأبَّهة الملك وخرج بجيشه فضرب جيش الإفرنج ضربة أطارت من رؤوسهم الفرحة بموت عماد الدين، وفتحت عيونهم رهبة ورعباً، وأعلمهم أنَّ اليوم الذي كانوا يبكون فيه من عماد الدين سيبكون عليه من نور الدين.

كان همُّ نور الدين وغايته: توحيد المسلمين في دولة واحدة قوية، وطرد الإفرنج من بلاد الإسلام.

وتلفَّت حوله فإذا الإفرنج في كل مكان والانقسام والاختلاف والعدوان من أقرب الناس إليه: أمير دمشق.

وجاء الجيش الصليبي الضخم الذي قدَّر المؤرخون عدد جنوده بمليون،وهي الحملة الصليبية الثانية، ولم يكن جيشاًَ واحداً بل جيوش أوربة جميعها يقوده ملوك وأمراء وبارونات، وعلى رأسهم لويس السابع ملك فرنسا، وملك ألمانيا... وتوجه من وصل منهم إلى الأرض المقدسة، ونجا من سيوف السلجوقيين، إلى كنيسة القيامة، فصلَّوا صلاة الموت، وقصدوا دمشق.

وأصبح أهل دمشق، وإذا جيوش الإفرنج تحيط بهم، فهبت دمشق واستجار صاحبها بنور الدين في حلب، وأخيه سيف الدين في الموصل فأقبل الشقيقان بالجيش اللجب وقابل المسلمون أوروبة كلها وردوا جيوشها عن دمشق.

وقفل الشقيقان إلى بلادهما وتركا دمشق لصاحبها، ومات ملك دمشق، ومال القوم بعده إلى الإفرنج حسداً لنور الدين، واستعانوا بهم عليه فلم يجد بداً من حصار دمشق، فضرب عليها نطاقاً، ولكنه لم يقاتل أهلها، ولم يستحل أن يريق دم واحد من المسلمين، ولم يكن يطلب مالاً ولا حكماً بل كان كل مطلبه أن يضم جيش دمشق إلى جيشه ليحارب الصليبيين.

فقام أهل الشام على ملكهم، ونقبوا السور لنور الدين من جهة الباب الشرقي فدخل من حيث دخل خالد بن الوليد، واستقبلوه بالهتاف والأهازيج، واستسلم مجير الدين، فلم يقتله ولم يعاقبه، وإنما تركه ينفي نفسه من الشام ويرحل إلى العراق.

وكان جوسلان  بطل الإفرنج وفارس فرسانها، قد أغار غدراً على ضواحي حلب وكسر حاميتها، ورجع بالغنائم والأسلاب، وكان نور الدين قد ألَّف عصائب من أشداء التركمان، فأرسل عصابة منها إلى جوسلان، فذهبت وغامرت مغامرات المغاوير، حتى انتزعته من فراشه، وجاء به غنيمة باردة.

ألقته تحت رجل نور الدين فكان وإياه كما قال عمرو بن كلثوم:

فآبوا بالغنائم والسَّبايا         وأبنا بالملوك مصفدينا

كانت حياته ـ رحمه الله تعالى ـ متصلة الحلقات من المعارك المظفرة، فتح قلعة حارم، بعدما لبثت سبعين سنة وهي حصن الإفرنج، واستعاد الرُّها، وطهر الداخل من الإفرنج، ولما توجهوا تلقاء مصر وعلم أن الوزير فيها (شاور) قد خان أمته، بعث قائده شيركوه ( أي: أسد الجبل) فذهب هو وابن أخيه صلاح الدين، ففتحا له مصر وطردوا الإفرنج من دمياط.

أخذ البلاد وهي دول وإمارات، وتركها وهي دولة واحدة تشمل الشام ومصر وأعالي الفرات، وما ظلم أحد ولا قتل مسلماً ولا أراق الدم الحرام.

ومن قرأ تواريخ العظماء فلن يرى بعد الصحابة مثله.
قال عنه المؤرخ المعروف عز الدين ابن الأثير:« طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام، إلى يومنا هذا (يعني أواخر القرن السادس الهجري) فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسنَ سيرةً من الملك العادل نور الدين، ولا أكثر تحرياً للعدل والإنصاف منه، قصر ليله ونهاره على عدلٍ ينشره، وجهادٍ يتجهَّز له، ومظلمة يزيلها، وعبادةٍ يقوم بها، وإحسانٍ يوليه، وإنعامٍ يسديه...» ولم يكن ابن الأثير مبالغاً في قوله هذا لأن من قرأ سيرة نور الدين عرف منزلته السامية.

حقر الدنيا، وزهد في أبهة الحكم، ونذر نفسه للغايتين اللتين سعى إليهما: وحدة المسلمين، وقهر الإفرنج، وما حاد قط عن طريقهما.

رأوه يوم حارم منفرداً عند التل ساجداً يمرِّغ وجهه بالتراب، يناجي ربه يسأله النصر، ثم ارتفع صوته يتضرع ويقول: اللهم انصر دينك، لا تنصر محموداً ومن محمود حتى ينتصر؟!.

فنصره الله ذلك النصر المؤزر، وما كان معه إلا قطعة من الجيش وكان جيشه في مصر.

قال سبط ابن الجوزي: حكى لي نجم الدين بن سلام عن والده: أن الفرنج لما نزلت على دمياط، ما زال نور الدين عشرين يوماً يصوم ولا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف، وكان مهيباً ما يجسر أحدٌ يخاطبه في ذلك فقال إمام يحيى: إنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النوم يقول: يا يحيى، بشِّر نور الدين برحيل الفِرنج عن دمياط، فقلت:يا رسول الله ربما لا يصدِّقني، فقال له: قل له: بعلامة يوم حارم وابنه يحيى.

فلما صلى نور الدين الصبح، وشرع يدعو، هابه يحيى، فقال نور الدين له: يا يحيى، تحدِّثني أو أحدثك؟ فارتعد يحيى وخرِس، فقال نور الدين: أنا أحدثك، رأيتَ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الليلة وقال لك كذا وكذا، قال: نعم فبالله يا مولانا، ما معنى قوله: بعلامة يوم حارم؟

فقال: لما التقينا العدوَّ خفت على الإسلام فانفردتُ ونزلتُ ومرَّغتُ وجهي على التراب، وقلت: يا سيدي من محمودٌ في البين.

الدين دينك والجند جندك، وهذا اليوم افعل ما يليق بكرمك، قال / فنصرنا الله عليهم. ـ أعلام النبلاء 20/538.

لقد بدأ الرجل حكمه لإمارة محدودة لا تتجاوز مدينة حلب إلا قليلاً... وتوفي وهو يحكم دولة تمتد من حدود فارس حتى صحراء ليبيا، ومن جبال الأناضول حتى اليمن... أنشأ دولته هذه وسط تحديات الغزاة.

فما هي الأسباب التي صاغت الانتصار، والجواب الصحيح الذي يعتمد على المنطوق الإسلامي: إن أيَّ تغيير في الخارج لا يتحقق إلا بانقلاب في الداخل كما يقول سبحانه وتعالى:[ إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ] {الرعد:11}. وهو الأسلوب الذي اعتمده نور الدين في العمل فحقق به تلك الانتصارات الخالدة. ـ نور الدين محمود الرجل التجربة ص4 ـ.

تميَّز نور الدين بالجدية، والذكاء المتوقد، والشعور بالمسؤولية، والثقافة الواسعة، وقوة الشخصية، والشجاعة الفائقة، التي تصل إلى حد الفداء، والتجرد العظيم من إغراءات الجاه والسلطة، والتقوى العميقة التي ترتفع بالإنسان صعوداً باتجاه قمم الإحسان.

أما عن نور الدين العالم المثقف الفقيه فإن الحديث يطول... كان لتعشقه العلم يسعى وهو في قمة السلطة إلى التشبه بالعلماء والصالحين، وكان العلماء عنده في المنزلة الأولى والمحل العظيم، يدنيهم من مجلسه ويتواضع لهم، وإذا أقبل أحدهم إليه يقوم له مذ تقع عينه عليه... وكان عارفاً بمذهب أبي حنيفة النعمان، ملتزماً به من غير تعصب، فالمذاهب عنده سواء، والإنصاف سجيته.

سمع الحديث حتى حصل على الإجازة فيه وحدث وألف كتاباً في الجهاد وأوقف كتباً كثيرة، وكان كثير المطالعة رغم كثافة عمله السياسي والعسكري.

أما تجرده وتقواه وهو من أعظم مكونات شخصيته... إنه التجرد العظيم الذي يمارسه الرجل وهو في قمة السلطة والجاه والإغراء...

قلَّت على زوجة نور الدين النفقة فأرسلت تطلب المزيد من مخصصاتها المالية، فلما قيل له تنكَّر واحمرَّ وجهه ثم قال: من أين أعطيها، والله لا أخوض في نار جهنم في هواها!! إن كانت تظن أن الذي بيدي من الأموال هي لي فبئس الظن... إنما هي أموال المسلمين ومرصدة لمصالحهم، وأنا خازنهم، فلا أخونهم فيها. ثم قال: لي بحمص ثلاث دكاكين ملكاً قد وهبتها إياها فلتأخذها، فكان يحصل منها قدر قليل نحو عشرين ديناراً.

وأحضر نور الدين الفقهاء واستفتاهم في أخذ ما يحل له فأخذ ما أفتوه بحله، ولم يتعدَّه إلى غيره البتة.

وهو بتجرده يتفوق على إغراءات الجاه واللقب والسلطان... ثمة حشد زاخر من الألقاب كانت الخلافة في بغداد تمنحها لكبار القادة، وعندما تفقد قيادة ما القوة على الإسهام في حركة التاريخ يتحول همها إلى منح النياشين والألقاب من أجل أن تغطي عجزها وانكماشها.. لكن رجلاً كنور الدين يرفض هذه المنح التي في طياتها الكذب والمبالغة والزيف... خوفاً من أن تقوده إلى نوع من الاعتداد والغرور... تلقى هدية عباسية ومعها قائمة ألقابه التي كان يذكر بها على منابر بغداد «اللهم أصلح الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط... ركن الإسلام وسيفه، فخر الملة ومجدها شمس المعالي سيد ملوك الشرق والغرب...» فأسقط جميع الألقاب وطرح دعاءٌ واحد وقال:«اللهم أصلح عبدك محمود بن زنكي».

وفي ساحة الحرب... والموت على بعد خطوات... ولقاء الله قريب... كان نور الدين يذوب رقة وتواضعاً وإشفاقاً.

في حارم عندما التقت قواته بالصليبيين الذين كانوا يفوقونهم عدة وعدداً انفرد تحت تل حارم: وسجد لربه، ومرغ جبهته بالتراب وتضرع وقال: اللهم هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك فأعز أولياءك على أعدائك... اللهم انصر دينك ولا تنصر محموداً، من هو محمود حتى ينصر؟

تعرضه للشهادة وموقف قطب الدين منه:
كان يصلي الصلوات الخمس بأوقاتها وتمام شرائطها.. وكان كفار القدس يقولون إن نور الدين له مع الله سر... إن ما يظفر علينا بكثرة جنده وعسكره وإنما يظفر علينا بالدعاء وصلاة الليل... وكان يقدم أشغال المسلمين على أوراده.
وكان يأسف على أنه لم يرزق الشهادة، ويقول: تعرَّضت لها غير مرة فلم تتفق لي ولو كان فيَّ خير، ولي عند الله قيمة لرزقت الشهادة.

ترك الأذان بـ حي على خير العمل، وهي بدعة العبيديين، وعاد إلى الأذان الشرعي.

وكان يتبع السنة ويقف عند حدود الشرع، منع الخمر في بلاده، وأزال المنكرات، وقال كلمته المشهورة: نحن نحفظ الطرق من لص وقاطع طريق، أفلا نحفظ الدين وندافع عنه.

رفع الضرائب والمغارم، وكان في عدله آية الآيات، وقف مع خصمه أمام القاضي الشهرزوي.

وقد أكثر من بناء المدارس ووقف عليها وقوفاً كثيرة، وهو أول من بنى داراً للحديث بناها في دمشق، ورتب لها المدرسين ولا تزال هي وكثير من المدارس قائمة في دمشق.

لقد بنى الجوامع والمساجد والزوايا للتعبد وتربية الروح، كما بنى المدارس ودور الحديث للتعلم وتربية العقل.. وشجع أعمال الفروسية والنشاطات الربانية لكسب المهارات القتالية وتربية الجسد...
وأقام البيمارستان النوري وكان كأرقى مستشفيات الحضارة اليوم.

ولبناء المستشفى قصة طريفة: أسر مرة ملكاً من ملوك الفِرنج فسأل أن يفتدي نفسه، فقبل منه الفداء، وأخذ منه ثلاثمائة ألف دينار، خصصها للمستشفى ولدار الحديث النورية.

وكان يصلي فيطيل الصلاة، يأتي المسجد خفية فيصف قدميه مصلياً إلى الفجر، ويمضي ليالي الحرب في المناجاة والتضرع.

هذا كله إلى جانب حروبه وجهاده المتواصل، ولولا ثباته وشجاعته وإخلاصه لامتدت أيدي الصليبيين إلى بلاد الشام كلها.

وعند حصن الأكراد هاجم الصليبيين معسكره عام 588، على حين غفلة، وهو في قلة من أصحابه فانسحب بسرعة إلى حمص، وأخذ منها ما يحتاجه من تجهيزات عسكرية، وعاد فعسكر على بحيرة على قرب من مكان الهجوم، فقال له بعض أصحابه: ليس من الرأي أن نقيم ها هنا، فإن الفرج ربما حملهم الطمع على المجيء إلينا ونحن على هذه الحال، فوبخه وأسكته وقال: إذا كان معي ألف فارس لا أبالي بأعدائي قلُّوا أم كثروا والله لا أستظل بجدار حتى آخذ بثأر الإسلام وثأري.

أصيب أخوه نصر الدين بسهم خلال حصار بانياس أذهب إحدى عينيه فلما رآه نور الدين قال له: لو كشف لك من الأجر الذي أعد لك لتمنيت ذهاب الأخرى.

وكان يباشر القتال بنفسه، وما رأى الناس مجاهداً على ظهر فرس أشجع ولا أقوى ولا أثبت منه. وكان يتقدم أصحابه، ويتعرض للشهادة ويسأل الله أن يحشره في بطون السباع وحواصل الطير.

يا أيها الناس: هذا هو الرجل العظيم، الذي كان ولياً زاهداً في ثياب قائد، وكان عالماً عاملاً في ثياب ملك، وكان واحداً من الستة الذين لم يعرف مثلهم تاريخنا.

هذا الرجل الذي وحَّد البلاد، وطهرها من الفرنج، ووضع الأساس الذي قام عليه بناء صلاح الدين.

يا أيها الناس: كلما دهمكم خطب جديد أوهبت عليكم عاصفة عدو فتذكروا أنه قد حاقت بالمسلمين من قبل مصائب، ونزلت بهم نوازل، واجتمعت عليهم أوروبة كلها، وأقامت فيهم دولاً لبثت أكثر من مئة سنة، وكنا على حال من التفرق والضعف والجهل، وقد انجلت مع ذلك الغمَّة وانزاح البلاء، وصارت حكومات الفرنج التي عاشت في القدس وفي أطراف الشام قرناً كاملاً صارت خبراً ضئيلاً يتوارى خجلاً في زاية من زوايا التاريخ لا يدري به أكثر الناس.

وسيأتي يوم قريب بعون الله يقول فيه مدرس ا لتاريخ لتلاميذه: أن اليهود قد أسسوا مرة حكومة في فلسطين، وهمَّ المسلمين أمرها، ونال العرب شرُّها، ثم ذكروا أين طريق الخلاص، وظهر فيهم نور الدين جديد، ينشر راية القرآن، ويضرب بسيف محمد الذي لا ينبو أبداً.

فانشروا راية القرآن، واضربوا بسيف محمد، تطردوا يهود، وتعيدوا مجد المسلمين.
وكان نور الدين إذا حضر الحرب أخذ قوسين وجعبتين، وباشر القتال بنفسه، وكان يقول: طالما تعرضت للشهادة فلم أذقها يوماً، وسمعه الإمام قطب الدين النيسابوري الفقيه الشافعي وهو يقول ذلك فقال: بالله عليك لا تخاطر بنفسك، وبالإسلام والمسلمين، فإنك عمادهم، وإن أصبت في معركة لا يتبقى من المسلمين أحد، إلا وأخذه السيف وأخذت البلاد.

فأجابه: يا قطب الدين، ومن محمود حتى يقال له هذا؟ قبلي من حفظ البلاد والإسلام ؟ ذلك الله الذي لا إله إلا هو.

وفاته:
في أول أيام عيد الفطر من عام 569 خرج إلى الميدان الأخضر لبدء الاحتفالات فتقدم إليه أحد أمرائه وسأله: ترى هل نكون هنا في مثل هذا اليوم في العام القابل؟ أجاب نور الدين: هل نكون بعد شهر، فإن السنة بعيدة... السنة بعيدة... لو يستكمل الشهر حتى التقى مع ربه عزَّ وجل.

ولد نور الدين بحلب عند طلوع شمس السابع عشر من شوال سنة 511 ونشأ على الخير والصلاح والعبادة، كان أسمر اللون طويل القامة واسع الجبهة مهيباً متواضعاً عليه جلال ونور..

وفي صبيحة الاثنين ثاني أيام عيد الفطر المبارك من عام 569 خرج إلى الميدان الأخضر شمالي دمشق لممارسة الألعاب والفروسية، فما عاد إلى بيته إلا وتمكن منه مرض الخوانيق(الذبحة الصدرية) وراح يضيق الخناق عليه وهو معتزل في بيته الخشبي المتواضع شمالي القلعة.

وتوفي ـ رحمه الله تعالى ـ في يوم الأربعاء الحادي عشر من شوال، ودفن في بيته الذي كان يلازم الجلوس والتعبد والمبيت فيه.


شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات