الثلاثاء 24 محرم 1441 - 24 سبتمبر 2019

واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى

الثلاثاء 2 ربيع الأول 1431 - 16 فبراير 2010 1527

 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامة


إن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من الممارسات والتشريعات ـ عن دينها، وشرعة ربها، وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم.

وإذا أردت معرفة هذه الحقيقة عن قرب ما عليك إلا أن تطوف في بلاد المسلمين وعواصمها، لترى وتسمع وتحس، صدى وصدق هذه الأمر.


أهذه هي الأمة التي بنت أعظم حضارة في مجال الرقي الإيماني والحضاري والثقافي والعلمي والمادي بشعبه كلها،؟ وهكذا تبدأ حساباته بكل صورها وأشكالها لتوصله إلى الحقيقة الحتمية التي لابدَ منها، أَلا وهي ضرورة الدَعوة إلى الله تعالى، والعمل على إيقاظ هذه الأمة، وإيجاد الوسائل والطرق والمناهج التي تؤدي إلى إحداث النهضة.

ومن ضرورات حدوث هذه النهضة، ما نرى من هجمة شرسة على هذه الأُمة، في المجال العسكري، وعلى انسحابات واسعة، من رقعة العالم الإسلامي هنا وهناك


حيث أن هؤلاء الأعداء، ما إن شعروا بخطورة النهضة الإسلامية واليقظة الإسلامية، والحضور الإسلامي، والعودة الإسلامية، إلا وفلتت لوحوشها الكاسرة الجائعة الزمام، فتنطلق مخربة ومدمرة ومهلك الحرث والنسل، وزاحفة ملؤٌها الحقد والضغينة، على هذه الأمة.

أنظر إلى ما حدث في البوسنة والهرسك، وما حدث في الشيشان، وما يحدث  في الأفغان والعراق، وما كان في كوسوفو، وما يعاني المسلمون في بلاد الهند، والكشمير، والفلبين، وفلسطين( القضية المركزية للمسلمين )، من قتل وتخريب، وهدم للبيوت على أصحابها، وسجن وتعذيب، وقهر ومعاناة، بصورة ظلمية منقطعة النظير. فالهجمة شرسة، والعدو متربص، والحقد شديد عظيم، يخلو خلواً كاملاً من أي معنى من المعاني الإنسانية، ولا مجال في هذه العجالة أن نستعرض بعض صور الإبادة الجماعية للمسلمين، أَو أَن نذكر طرفاً من أطراف ما يجري في بلد من بلدان العالم الإسلامي المنكوبة، لتكون شاهداً حياً على حقيقة الحقد الذي امتلك قلوب أُولائك الوحوش بهجومهم السام على الإسلام والمسلمين.

والحقيقة المائلة أمام أنظارنا جميعا، وحتى باتت من المسلمات التي تأخذ طابع التواتر.... هذه الحقيقة هي: إن أعداء الله تعالى، يحملون في قلوبهم حقداً على الإسلام والمسلمين، منقطع النظير، ولا يحدُه وصف، ولا يحيط به حدٌ، وقادتهم يؤكدون مقولة: دمروا الإسلام، أبيدوا أهله. وهذا ما ترجموه فعلاً بواقع ممارساتهم، ولن يألوا جهداً في تطبيقه بأقسى من الممارسات السابقة إذا ما أتيحت لهم الفرصة، وسنحت لهم سائحة، وهم الذين يتربصون بنا، والحريصون على قهرنا وتدمير كل ما نملك.

أليس هذا لازم حتمي، يوجب علينا الدعوة إلى الله تعالى، لأجل وحدتنا، ولمزيد من نشر الوعي بين المسلمين، ولإيجاد آلية صالحة تكون أداة خير لأجل الوقوف بوجه هذا المدّ العدواني الحاقد.

إن الذي بات واضحاً، وضوح الشمس في رابعة النهار، وهو وجوب الدعوة، والعمل الإسلامي، لأجل تحقيق التوازن الذي يرتقي بنا وبأمتنا، فلابدَ من مواجهة الخطة بالخطة، والمنهج بالمنهج، والقوة بالقوة، والعلم بالعلم، ونتميز عنهم بعد ذلك الذي يحب أن نأخذ به بطاعة الله سبحانه وتعالى ولزوم أوامره، واجتناب نواهيه.

بدءاً من العقيدة الصافية الصحيحة، عقيدة القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم  ومنهم السلف الصالح لهما.

ومروراً بأي كلية أو جزئية من إطار العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وانتهاء بكل اجتهاد من الاجتهادات البشرية الفاعلة التي تعمل على إيجاد حالة النهوض.

ومن الأمور التي تجعل الدعوة إلى الله تعالى، واجباً وضرورة، وجود ظاهرة الغزو الفكري، التي عملت ولا تزال تعمل عملها الخطير في جسم هذه الأمة، تشتيتاً وتخريباً، تحطيماً ونسفاً، تغييراً منحرفاً وحرفاً، انتهاباً وسيطرة، إباحة وتحللاً، تشويهاً وتزييناً خداعاً وتمويهاً.

يقول الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح ) :إن هناك (غزو فكري) مقصود، يعمل لإذابة الشعوب وانسلاخها عن عقائدها، ومذاهبها، وحضاراتها، لتصبح مسخاً شانها تابعاً لغيره، يؤمر فيطيع...ولقد عمل هذا الغزو على تضليل المجتمعات الإنسانية، وخداعها، والتمويه عليها، وقلب الحقائق، وتشويه الحقيقة، عن طريق تصنيع الكلمة، وزخرفة القول، والدخول إلى المخاطب، من نقطة الضعف، والاستغفال لإغرائه، والإيقاع به،

والإيحاء إليه بسلامة الفكرة، وصحة المفهوم المزيف الذي تحمله كلمات الغزو.

ولكم تهاوت أمم وشعوب وأجيال، وتساقطت في هاوية الضلال والانحراف، والفساد الخلقي، والعقدي، والاجتماعي، بسبب تصورات( الغزو) المزخرف الخداعة، التي يرقص السذج، والجهال، على نفح إيقاعها، ويقتنون بسماعها وأناقة ظهرها)([1])

ولا ريب أن أكثر دين واجه أكبر هجمة على عقائده ونظمه وتاريخه وفلسفته، وفقهه وقانونه، ومبادئه وتصورته، وكل شيء فيه، هو دين الإسلام، الذي واجه_لا أقول هجمة واحدة_ بل عدة هجمات، انقضت عليه بصورة شرسة وقاسية، ما عرف دين، ولا منهج، لها مثيلاً في تاريخ الصراع الفكري، بين الفكرة وخصمها.

بدأ هذا الغزو ببعض مظاهره، بمشركي مكة الذين بذلوا قصارى جهدهم على تشويه هذا الدين، والعمل على تزيف حقائقه، وطمس معالم مهجه الصحيح، ثم اليهود في المدينة، وذلك الدور الخطير الذي لعبوه في هذا الشأن، ثم حملات الزنادقة الذين شنو حربهم الضروس على عقيدة الإسلام، وكذلك تلك الحملة متنوعة الأغراض التي بدأت بحركة

الوضع والكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم  ثم الحملات الصليبية الحاقدة، قبل وبعد ( توماس الاكويني).

والدور الذي قام به القديس!!؟(لويس التاسع ) من وضع الخطط، ولفت الأنظار إلى ضرورة تغيير منهج الحرب ضد الإسلام والمسلمين، لتكون الخطوة خطرة في تاريخ الغزو الفكري على هذا الدين وهكذا إلى إن جاءت الحملات المنظمة في العصر الحديث لحرب الإسلام والمسلمين وساعد في كل ذلك ما يلي:

1_ الاستعمار الغربي للمجتمعات الإسلامية.

2_ تقدم الغرب العلمي.

3_ الضعف الفكري، والتفكك الاجتماعي.

4_ تخلف الشعوب الإسلامية عن ركب الحضارة.

5_ الفراغ العقدي([2]).

وهذا التوجه الخطير في الغزو الفكري لهذه الأمة، تحقيقاً للذين أرادوا في أسباب الغزو الفكري، وكان أهم مظاهر هذا الغزو الفكري ما يلي:

1_ حملات التشيع.

2_ إحياء النزعات الجاهلية.

3_ إبعاد العلماء عن مراكز التوجيه والسلطة.

4_ التعليم والثقافة.

5_ الخدمات الاجتماعية([3]).

ومن خلال هذه المظاهر الخمسة، بدا هؤلاء الحاقدون، هجومهم على هذا الدين، عقيدة وشريعة، تاريخاً ومنهجاً، فقهاً وقانوناً، وكانت هجمة، يا لها من هجمة، وكان تخريب يا له من تخريب، وكانت نتيجته الظلم والكذب والتزييف والتحرير والتحوير، وتحميل النص ما لا يحتمل... إنها حرب، ولكن سلاحها (الكلمة)، وما أخطر هذا السلاح، وكم عمل هذا السلاح على تخريب جسم هذه الأمة وهدم معالمه، وتغير أفراده والسيطرة عليهم، وتوجيههم.. بالتالي بم يريدون ويدبرون.

وتتأكد خطوات الغزو الفكري، عندما نتعرف على أهداف هذا الغزو والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

1_ أن تظل الشعوب الإسلامية خاضعة لنفوذ القوى المعادية لها.

2_ أن تظل بلدان الإسلامي خصوصاً، والعالم والنامي عموماً تابعة لتلك الدول الكبيرة   المتقدمة، تبعية غير منظورة، وفي هذه التبعية يكمن دهاء تلك الدول المتبوعة وذكائها.

3_ أن تتبنى الأمة الإسلامية، أفكار أُمة أُخرى من الأمم الكبيرة دون نظر فاحص، وتأمل دقيق، مما يؤدي إلى ضياع حاضر الأمة الإسلامية في أي قطر من أقطارها، وتبديد لمستقبلها فضلاً عما في ذلك من صرف عن منهجها وكتاب ربها، وسنة نبيها.

4_ أن تتخذ الأمة الإسلامية مناهج التربية والتعليم، لدولة من هذه الدول الكبيرة فتطبقها على أجيالها، فتشوه عقولهم، وتمسخ فكرهم، وتخرج بهم إلى الحياة، وقد أجادوا بتطبيق هذه المناهج عليهم شيئاً واحداً، وهو تبعيتهم لأصحاب تلك المناهج الغازية أولاً، ثم يلتبس الأمر عليهم  بعد ذلك، فيحسبون أنهم بذلك على الصواب، ثم يجادلون عما حسبوه صواباً، ويدعون إليه، وهم بذلك يؤكدون تبعيتهم من جانب آخر، فيعشون الحياة، وليس لهم منها إلا حظ الأتباع والأذناب.

5_ أن يحول العدو بين الأمة الإسلامية، وبين تاريخها وما ضيها، وسير الصالحين من أسلافها، ليحل محل ذلك تاريخ تلك الدول الكبيرة الغازية.

6_ أن تزاحم لغة الغالب لغة المغلوب، وإحلال محلها اللهجات العامية، أو لغة الغازي.

7_ أن تسود الأمة المغزوة أخلاق الأمة الغازية، وعاداتها وتقاليدها.

8_ تصوير تراث الأُمة الإسلامية بصورة التخلف.

9_ إحياء الجوانب الضعيفة في التراث الإسلامي، خاصة فيما يتعلق بالخلافات السياسية التي وقعت بين المسلمين أنفسهم، والتركيز على دعوات الحركات الباطنية، وإخراجها بصورة جميلة مضيئة، ووصف هذه الدعوات بأنها كانت تحمل فكراً عالياً، وفلسفة عميقة.

10_ إضعاف مثل الإسلام وقيمه العليا من جانب، وإثبات تفوق المثل الغربية وعظمتها من جانب آخر، وإظهار أي دعوة للتمسك بالإسلام بمظهر الرجعية والتأخر.

11_ تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضاري، بدعوى أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان، ولم يكن العرب والمسلمون إلا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها.

12_ إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم، عن طريق إحياء القوميات الـتي كانت لهم قبل الإسلام، وإثارة الخلافات والنعرات بين شعوبهم.

13_ اقتلاع العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين، وصرفهم عن التمسك بالإسلام نظاماً وسلوكاً.

14_ تفريغ العقل والقلب من القيم الإسلامية، المستمدة من الإيمان بالله، ودفع هذه القلوب عارية أمام عاصفة هوجاء تحمل معها السموم عن طريق الصحافة والمسرح والفيلم والأزياء والملابس.([4])

بعد هذا العرض الوجيز، لمسالة الغزو الفكري، يتبين لنا بكل جلاء، خطر هذا الغزو، وأثره السيّء في واقع الأمة، ولعل التخريب الذي أحدثه الغزو الفكري، أخطر بكثير من التخريب الذي يحدث عن طريق الغزو العسكري كيف لا والغزو الفكري يحمل المغزو لعبة بيد الغازي، أداة يتصرف بها كيف يشاء، وذبيحة تنقاد لذبحها عن رضى وطواعية واقتناع.

فما الأفكار الضالة التي تظهر هنا وهناك، إلا ثمرة من ثمار هذا الغزو، وما الانحراف المفرط الذي نلمسه ونعيش وقائعه في حاضرنا إلا نتيجة من نتائج ذلك الغزو، وما الأحزاب الضالة المنحرفة التي يتشيع لها كثير من أبناء المسلمين إلا أثر من أثاره، وما الأندية المخربة إلا صدى لصوته.

وهكذا فإن كثيراً من مظاهر الزيغ والضلال، سببها ذلك السلاح الخبيث الذي استخدم في حربنا عن طريق (الكلمة)، بما يعرف بالغزو الفكري.

أليست هذه الهجمة التي يشنها أصحاب الغزو الفكري على عقائدنا وشريعتنا وتاريخنا، مستهدفاً أمتنا وأجيالنا، تستحق منا أن نتصدى لها، ونواجهها، ونحاربها، ونقف في وجهها،؟ وما غزي قوم في عقر دارهم إلاّ ذلوا.

أليس من الواجب الشرعي، أن نعمل ليل نهار_ والله سائلنا_ على الوقوف في وجه هذا المد الغازي.

أليس من الضرورة التي تفرضها تحديات الواقع بالغزو الفكري، أن لا يهنأ لنا عيش، ولا يقرر لنا قرار، ونحن نرى التخريب والإفساد يسري في جسم هذه الأمة، سريان النار وسط الهشيم.!!؟

إلاَّ وقد قمنا بالواجب الذي يمليه علينا ديننا.

إذن من ضرورات وجوب الدعوة إلى الله تعالى، وجود الغزو الفكري، فبدون الدعوة إلى الله تعالى، لا يمكن لنا أن نوقف هذا الغزو، وصدق من قال: إن العالم الإسلامي يحترق، فعلى كل واحد منا أن يطفئ من هذا الحريق ما استطاع.

فالأَمر خطير، والخطب عظيم، والحدث مثير، والقضية جد لا هزل فيها، لذا لا يجوز التردد، أو التخاذل، أو الفرار والانعزال.

وما عليك أخي المسلم، إلاَّ أن تكون في سلك الداعين إلى الله تعالى، وما ينبغي لك أن تتخلف لحظة واحدة، عن ركب الدعوة، والصيرورة إلى صفوف حملتها، وإلا فلا ينفع الندم، ولات ساعة مندم.

  ومن مقتضيات ضرورة وفرضية الدعوة إلى الله تعالى، ذلكم الوضع الذي تعيشه أمتنا في واقعها الراهن، ولعل أبرز مظهر من مظاهر السلب الذي تعيشه بلادنا في حاضرنا، هو ذلك الشتات، والتمزق والتشرذم، الذي ما عرفت الأمة له مثيلاً، ويكفي من باب الإشارة أن نعرف أن أكثر بلاد المسلمين أصبحت حكراً على نفسها، ومستأثرة بما فيه إيجابياً، ومتحملة مآسيه سلباً، لأن عنصر الوحدة الإسلامية نفتقده اليوم تماماً بالمستوى الذي ذكرناه.

بل إن من أوليات فهمنا لواقعنا المعاصر، معرفة طبيعة علاقات العالم الإسلامي مع بعضه، فإنه رغم سلبية الشتات التي ذكرنا آنفا، نجد سوء علاقات بين الدول الإسلامية بصورة مزرية ومؤسفة، تتمثل في شكل أحقاد وحرب إعلامية أحياناً، وفي أحايين أخر تأخذ طابع الصراع والقتال، والحرب العسكرية، فتكون إراقة الدماء الإسلامية بأيد إسلامية، ويكون تخريب وتدمير بلاد المسلمين، بسلاح إسلامي، واقتصاد إسلامي، فتظهر حالة تآكل، اقتصادي وسياسي وعسكري واجتماعي، تتمثل حالة ضياع، تنذر بخطر مرعب.

هذا علاوة على ما تعاني بلاد المسلمين، من أزمات رهيبة، أزمة في الاقتصاد، أزمة في السياسة، أزمة في الاجتماع، نعاني من حالات التخلف العلمي، والتراجع الحضاري، في كثير من بقاع المسلمين.

ولا شك أن وراء ذلك كله أيادٍ خطيرة، خطط وتكيد وتتآمر.

إذن إن العالم الإسلامي، يعيش حالة صراع داخلي وخارجي، وهو في حالة تأكل رهيبة، ويعاني من كثير من الأزمات، ويشهد حالة من فقدان الذات والذاكرة، بفعل الذات أو الآخر.

فالواجب الشرعي يقتضي منا الدعوة إلى الله تعالى، لأنه_ وهذه تجارب التاريخ الواقعية والعملية_ لا يمكن أن نتوحد إلاَّ في ظلا المنهج الإلهي، فما أحوجنا إلى أُخوة الإسلام، كي نواجه بها_ كقوة_ كل المشاكل والأزمات التي تعاني منها الأمة.

ولا سبيل إلى ذلك إلا بالدعوة إلى الله، والقيام بواجب النهوض.

ثم لابد لنا من معرفة (واقعنا المعاصر) داخلياً، في كثير من مفردات حياتنا التي لها مساس في الفكرة التي نريد.

ولو أردنا الآن أَن نقلب صفحات سفر ديوان أمراضنا التي تتطلب منا بذل المزيد من أجل الدعوة إلى الله، نجد منها:

أ_ فساد في إطار الأفكار والعقائد، حيث إننا غزينا في عقر دارنا، فمن عجب أن تجد في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، من يدين_ حزبياً_ بعقائد تتنافى مع مبادئ ديننا، وقرآن ربنا، وهدي نبينا صلى الله عليه وسلم ، والأمثلة على هذا كثيرة معروفة، ولا داعي للإطالة بذكرها.

ب_ الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى، حيث حلت القوانين الوضعية_ في أكثر بلاد المسلمين_ محل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، حتى صرنا نسمع ونرى، تطبيق القانون الروماني أو الفرنسي أو غير ذلك من قوانين وضعية.

ج_ فساد الأخلاق، وشيوع الأخلاق الدخيلة، بدلاً عن الأخلاق الإسلامية، فصرنا نشاهد الميوعة، والتحلل، والإباحية، والزنا، والخمور، والرقص، والغناء الفاحش، وإقامة الليالي الحمراء، والرشوة، والفساد الإداري، والسينما الخليعة، وغيرها من مظاهر الأخلاق الفاسدة، في بعض أجزاء هذه الأمة.

د_ شيوع الضلال في إطار الاقتصاد، فالربا يؤكل علناً، ومن غير حياء لا من الله ولا من الناس.

·        إغراق بلدان العالم الإسلامي، بالديون، التي تجعله رهين قرارات الدول المدينة، (تحقيق نظرية التبعية الظالمة).

·        افتعال الأزمات الاقتصادية، وعلى رأسها توفير لقمة العيش، وصعوبة ذلك، على مبدأ (جوع كلبك يتبعك).

·        التآمر على العملات الإسلامية المحلية، وتحطيم بنيتها الأساسية، حتى تكون ورقاً لا يسد حاجة، ولو بصورتها الأدنى.

والبنوك الإسلامية، حالة من حالات النهوض، وهذا يحتاج إلى عمل ودأب.

هـ _ تطرف بعض وسائل الإعلام، واستخدام وسائله، في قتل قيم الفضيلة، والعمل على إلهاء الجماهير، وتحذيرها، عن أن تؤدي دورها الريادي المرسوم لها، وبث روح الفساد، وتشجيع كل أصناف الفساد الخلقي.

والإعلام سلاح ذو حدين، لكنة في غالب الأحيان، وفي أكثر البلدان، يستخدم حده التخريبي المفسد.

وآثاره الضالة، تضع بصماتها على كل مفردات التأثير، الفردي والجماعي، والأسري والدولي، والعشوائي والمؤسسي.

وهذا يتطلب النصح والتربية، وإيجاد البدائل التي تباشيرها بفعل الدعوة إلى الله تلوح في الآفاق ونحتاج إلى المزيد.

و_ وفي مجال الاجتماع، نرى المفاسد ظاهرة بينة، ولعل أخطر ما يواجهنا في إطار المرأة، تلك الحملة المنظمة التي تقوم بها جهات مشبوهة، ودخيلة على أمتنا وفكرنا وعقيدتنا ومبادئنا وتعاليمنا الربانية.

فرفعوا شعار تحرير المرأة وأنها حبيسة مظلومة، ففتنوها بهذه الشعارات البراقة المخادعة، فخرجت عن حجابها، وأعلنت السُفور بصورة وقحة، وتحدت حشمتها، وحاربت عفتها، وتركت بيتها وزوجها وأولادها، فلا عاد يضبطها شرع، ولا يردعها دين، حتى صارت مسخاً مشوهاً، وغير ذلك من الصور التي ليس مجال بحثها هذه المقالة.

ز_ أما الفساد السياسي، فحدث ولا حرج يبدأ من القضية المركزية في هذا الشأن، ألا وهي( قضية الحاكمية لله تعالى ).

وقد ذكرنا ذلك مفرداً قبل قليل لأهمية

ذلك.                                                                                                                                                       

 

ثم يتفرع هذا الفساد إلى عدة شعب أهمها:

1_ انتشار روح ( الديكتاتورية) والتسلط الفردي، والاستبداد.

2_ انتشار الظلم بكل صوره وأشكاله وألوانه وطعومه وروائحه .

3_ انحسار مبدأ الشورى الحقيقية، بحكم شيوع الاستبداد.

4_ القضاء على الحريات، وتكميم الأفواه وممارسة الإقصاء.

وغير ذلك مما هو موجود في كثير من بلدان العالم الإسلامي، وسيتثنى من هذا بعض الدول الإسلامية الملتزمة أو المحافظة.([5]).

وبعد: أليس هذا الواقع بكل مآسيه ومشاكله ومصائبه، يحتاج إلى الجهد لإعادة النصاب إلى وضعه الطبيعي؟

الجواب بكل تأكيد، نعم، لذا كانت الدعوة إلى الله تعالى واجبة، حتى يحدث هذا التغير، ولا سبيل إلى التغير إلاَّ بالدعوة إلى الله تعالى، بفقه صحيح، ووسطية ربانية، وعمل دؤوب، وتخطيط دقيق، وثقافة متينة مؤصلة، وانفتاح على العصر، واستيعاب لمعطياته، والعمل على إيجاد الصيغ الملائمة التي تغطي جوانب الاحتياج لكل مرفق من مرافق الحياة.

مع بعد كامل، عن العواطف الجوفاء، والعجلة التي كلفت الأمة كثيراً من الأثمان الباهظة، والتخلي عن عقلية الارتجال التي تسوقنا نحو الحفر المعرقلة.

والحذر كل الحذر من لغة الطيش التي تدفع إلى ارتكاب حماقات تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباَها.

كما لا يفوتني قبل أن أضع القلم، أن أذكر بواجب العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وأثرهم في هذا العمل الدعوي الإصلاحي النهضوي، فهم ملح البلاد، وعليهم المعول في إحداث التغير الرباني.

وما من حركة من حركات البناء والتجديد، إلا والعلماء هم رأس الحرية_ إن صح التعبير_ ووقود الحركة في الاندفاع نحو المجد والصلاح. 

 



شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا