الأحد 13 محرم 1440 - 23 سبتمبر 2018

ما المراد بالصلاح في قوله تعالى:( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)؟

الأربعاء 26 جمادى الآخرة 1439 - 14 مارس 2018 465 الشيخ إبراهيم منصور
ما المراد بالصلاح في قوله تعالى:( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)؟

 

أحد الأصدقاء أرسل إلي بفيديو الدكتور النابلسي أعلاه، يقول لي: هل من تعليق على هذا المفهوم؟

-----

فأجبته بما يأتي:

أقول بكل ثقة: لا يُسَلَّم للشيخ حفظه الله، هذا الفهم، بل أرى أن هذه منه كبوة.

ولكل جواد كبوة.

بل المراد بالصلاح في الآية المذكورة صلاح العبادة والتقوى كما تدل عليه قرينة السباق والسياق، وقرائن الآيات الأخرى.

فأما قرينة السباق ففي موضعين:

الأول: أنه تعالى قال:(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا......) فهو يتحدث عن دعوة دينية في الزبور.

ولا يُتصور أن يحرضهم في كتاب ديني سماوي على صلاح الإدارة، ويَعِد عليه ميراث الأرض، ويهمل صلاح التقوى والدين، وهي المقصود الرئيس من الرسالة السماوية.!

الثاني: في قوله: *(عِبَادِيَ* الصَّالِحُونَ)

فإنه لم يقل: ....أن الأرض يرثها الصالحون.

وانما قال: يرثها *عبادي* الصالحون...

ونسبة العباد إليه سبحانه تزكية لدينهم لا محالة، وقد تكرر مجيء نسبة العباد إليه سبحانه في سياق الثناء والتزكية، كما في قوله تعالى: (...فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)

[سورة الزمر 17 - 18]

وقوله تعالى: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)

[سورة الزخرف 68]

وقوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَ?نِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)

[سورة الفرقان 63]

وغيرها كثير.

ولو كان صلاحهم مجرد صلاح إداري لما استحقوا هذه النسبة.

وأما قرينة السياق فقوله في الآية التالية من سورة الأعراف: ( *إِنَّ فِي هَ?ذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ*)

[سورة ا?نبياء 106]

فالمقصود بالوعد والبشارة أهل الدين والعبادة، وليس أهل الصلاح الإداري ولو كانوا غير مسلمين.

وأما قرائن الآيات الأخرى، فقد تكرر في القرآن وعد الصالحين بميراث الأرض، والإخبار بتحقيق ذلك الوعد.

كما في قوله تعالى: (قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ? إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? *وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ*)

[سورة ا?عراف 128)

وقوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا *الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ* مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ? وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى? عَلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ? وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)

[سورة ا?عراف 137]

وقوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَ?لِكَ *وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ*)

[سورة الشعراء 57 - 59]

وقوله تعالى يخاطب رسوله وأصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم، في ميراث حصن قريظة: *(وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا* ? وَكَانَ اللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)

[سورة ا?حزاب 27]

وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? فَأَوْحَى? إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * *وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ? ذَ?لِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ*)

[سورة إبراهيم 13 - 14]

وقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ *الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ* وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ? يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ? وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)

[سورة النور 55]

فهل يصح بعد كل هذه القرائن أن يفسر الصالحون الموعودون بوراثة الأرض في سورة الأنبياء بأنهم الصالحون لإدارتها ولو كانوا غير صالحين دينيا؟!

معاذ الله أن يكون المعنى كذلك.

ولا أعلم أحدا سبق الشيخ إلى هذا الغلط في قدامى ولا معاصرين.

والله أعلم.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا