السبت 18 ذو القعدة 1440 - 20 يوليو 2019

نواقض الإيمان في ميزان الكتاب والسنة (25)

الاثنين 10 جمادى الآخرة 1439 - 26 فبراير 2018 716 د. صلاح الدين الإدلبي
نواقض الإيمان في ميزان الكتاب والسنة (25)

ـ خلاصة البحث

الإيمان هو الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخِر، ومعنى الإيمان: التصديق مع إذعان النفس وقـَبولها لما وقع التصديق به، أما مجرد التصديق بدون إذعان النفس وقبولها فليس بإيمان. 

الإسلام هو القيام بما أوجبه الله تعالى من العمل، ومنه شهادة أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدا رسول الله وإقامُ الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج، ومعنى الإسلام هو الاستسلام لله تعالى بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. 

الإيمان بالله ليس مجرد التصديق بوجود الله فحسب، بل بعظمته وجلاله وعلمه وقدرته ووحدانيته في ربوبيته وإلهيته كذلك. 

توحيد الربوبية يقتضي الإيمان بأن الله جل وعلا هو الخالق الرازق المعطي المانع الضار النافع مالك الملك، وتوحيد الإلهية يقتضي الإيمان بأن الله تعالى هو وحده المستحق للعبادة، فلا معبود بحق إلا الله، فمن لم يحقق في قلبه توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية فهو مشرك. 

من العلماء الذين بينوا توحيد الإلهية: الإمام أبو منصور الماتُريدي المتوفى سنة 333، الإمام أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة 403، والإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي المتوفى سنة 606، والإمام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام المتوفى سنة 660، والإمام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 676، والشيخ أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية المتوفى سنة 728 رحمهم الله تعالى وأجزل لهم المثوبة. 

الإيمان محله القلب، والأعمال الصالحة ثمرات الإيمان. 

الإيمان في الدرجات العليا قوي يثمر الانقياد لله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وكلما كان الإيمان في قلب العبد المؤمن أقوى كانت ثمراته أكثر وأطيب، وهي الأعمال الصالحات، وهو في هذه الدرجة اعتقاد وقول وعمل. 

وإذا كان الإيمان في الدرجات الدنيا فإن الثمرات من العمل الصالح تكون قليلة وضعيفة، ومن وقع من أهل هذه الدرجات في معصية الله تعالى فهو متوَعـَّد بالنار إلا أنه لا يُخلد فيها. 

وأما إذا كان الإيمان في أدنى الدرجات على الإطلاق فإنه لا يثمر عملا صالحا البتة، فيدخل صاحبُه النار، ويمكث فيها ما شاء الله له أن يمكث، ولا تشمله شفاعة الشافعين في مراحلها الثلاث، وإنما يخرج بعدها بشفاعة أرحم الراحمين جل وعلا. 

الكفر أمر اعتقادي، وهو نقيض الإيمان، فالكافر هو الذي ليس عنده شيء من الإيمان، أو الذي خلط إيمانه بالشرك فنقضَه وأبطلـَه. 

مسألة التكفير في غاية الخطورة، فمن قال لمسلم يا كافر فقد باء بها أحدهما، وإنما يكون ذلك القائل كافرا فيما إذا رمى أحدَ المؤمنين بالكفر قاصدا تسمية ما هو عليه من الإيمان كفرا، وإلا يكنْ كذلك بأن قال ما قاله من باب الظن والخطأ فهو غير محكوم عليه بالكفر، ولكنه ـ بتسرعه ـ مرتكب لكبيرة من الكبائر الموبقة. 

العمل لا يكون كفرا مخرجا من الملة دون أن ينضم إليه شيء من عمل القلب، أي دون أن ينضم إليه شيء من الاعتقادات المكفرة، وصدور الأقوال والأفعال الكفرية ممن ظاهره الإسلام وهي مما يستحيل صدوره من إنسان في قلبه مثقال ذرة من إيمان يعني أن ذلك الإنسان ليس بمؤمن أصلا، وأن صدور مثل تلك الأقوال أو الأفعال منه هو دليل على كفره. 

أي فعل من الأفعال لا يكون عبادة إلا إذا كان بقصد الخضوع والتقرب إلى من فـُعل لأجله مع اعتقاد ربوبيته أو إلهيته. 

مسائل التوحيد والشرك لا تختلف في الشرائع الإلهية، ولذا فإنه لا يصح أن يدخلها النسخ، ولا يمكن أن يكون عملٌ من الأعمال جائزا في شريعة من الشرائع الإلهية وشركـًا أكبر في شريعة إلهية أخرى. 

من اعتقد أن غير هدْي النبي صلى الله عليه وسلم أكملُ من هديه أو أنَّ حكـْم غيره أحسن من حكمه أو أبغضَ شيئا أو استهزأ بشيء مما جاء به فهو كافر الكفرَ الأكبر. 

الكلام في مشروعية القول أو الفعل وعدمِ مشروعيته هو غير مسألة كونه من الشرك الأكبر أوْ لا، فبين الأمرين فرق كبير جدًا أبعد مما بين المشرق والمغرب. 

دعاء الأموات والاستغاثة بهم مع اعتقاد أنهم يملكون من أنفسهم النفع والضر والإغاثة هو شرك أكبر. 

من دعا غير الله معتقدا أنه لا يملك من ذاته شيئا وأنه لا يدعوه إلا من حيث إن الله تعالى أذن له بشيء من التصرف في بعض الأشياء: فهذا لا مجال للحكم عليه بالشرك، والخلاف معه هو في المشروعية. 

قال الإمام أحمد ابن حنبل: "ضللت الطريق في حَجة وكنت ماشيًا، فجعلت أقول يا عباد الله دلونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعتُ على الطريق". وهذا كأنه يقول "يا رب أسألك بما جعلتَ في أولئك العباد من مقام إنجاد الملهوفين أن تفرج عني كربتي بإنجادهم الممنوحِ لهم من قِبَلك". 

الحَلِف يتضمن تعظيم المحلوف به، فمن أقسم بغير الله تعالى إذا كان يعتقد أن من أقسم به يستحق التعظيم الذي يؤهله للإقسام به كما يُحلف بالله تعالى فهذا كافر لا شك فيه، أما من أقسم بغير الله وهو غير معتقد لذلك فهذا ليس بكافر. ومن هذا الباب إباحة الإمام أحمد وفقهاء الحنابلة الحَلِفَ بالنبي صلى الله عليه وسلم. 

أهل الجاهلية كانوا يدْعون الموتى من الصالحين معتقدين أنهم يستحقون أن يُتقرب لهم بالسجود والخضوع والتعظيم والدعاء الذي لا يليق إلا بالله، وهذا شرك في الإلهية، ولهذا كان سجودهم لهم ودعاؤهم إياهم وحَلِفهم بهم عبادة لهم وشركا من الشرك الأكبر، وكانوا يعتقدون أن أولئك المعبودين يملكون من ذواتهم الشفاعة والضر والنفع، وهذا شرك في الربوبية. 

من يذبحُ لغير الله تعالى معتقدا جواز الذبح له تقربا إليه كما يُتقرب بذلك إلى الله فهذا شرك، وأما إذا ذبح لمن اشتهر أنه ولي لله معتقدا أن هذا قد يكون سببا في دعاء الولي وشفاعته له عند الله تعالى والوليُّ لا يملك من ذاته شيئا فهذا لا يُعد من الشرك. 

قال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله: سألت أبي عمن ذبح للزُهَرة؟. فقال: "لا يعجبني". قلت لأبي: أحرام أكله؟. قال: "لا أقول حرام، ولكن لا يعجبني". قلت لأبي: فرجل يذبح للكوكب؟. قال: "لا يعجبني، أكره كل شيء يُذبح لغير الله"]. 

من اعتقد أن أحد الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء يملك الشفاعة من ذاته فقد كفر، وإلا فلا. 

معاونة المشركين على المسلمين إذا كانت صادرة عن مودة القلب لهم ولِما هم عليه من الكفر فهذا من الشرك الأكبر، وإذا كانت عن غير ذلك ـ كأن يفعل هذا بعض المسلمين وهم كارهون للكفر وللعمل الذي يقومون هم به وعالمون أن هذا مما تسوله لهم أنفسهم الأمَّارة بالسوء وأنه فسق وعصيان ـ فهذا ليس من الشرك الأكبر. 

الصلاة ركن من أركان الإسلام، وهي أهم أركانه بعد الشهادتين. 

تارك الصلاة جحودا كافرٌ كفرا اعتقاديا مخرجا من الملة، وتاركها كسلا كافرٌ كفرا عمليا، وليس الكفرَ الاعتقاديَّ المخرجَ من الملة، من باب ما يقوله بعض السلف "هو كفر دون كفر". 

لا يجوز التساهل في شيء من ذرائع الشرك أو مما فيه تشبه بأعمال المشركين وإن لم يكن ذلك الشيء شركا مخرجا من الملة، ولا بد من الحذر والتوقي. 

لا بد من التفريق ـ في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ـ بين من يفعل ذلك معتقدا أن غير هدْي النبي صلى الله عليه وسلم أكملُ من هديه وأكثرُ تحقيقا لمصالح العباد وبين من يفعل ذلك ضعفا وعجزا، فأما الأول فهو كافر، وأما الثاني فهو عاصٍ آثمٌ وليس بكافر. 

من لم يحكم بما أنزل الله لأنه لا يمكنه أن يحكم بحكم القرآن وقومُه لا يقرونه على ذلك فلا يكلف الله نفسا إلا وُسْعها، وهو وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها فقط. 

من سعى لإقامة انتخابات نيابية من حيث هي وسيلة من وسائل تطبيق الحكم بما أنزل الله في بلد أكثر أهله مسلمون ولا يرضَون ـ في مآل الأمر ـ عن حكم الإسلام بديلا فهذا مأجور، ولا يدخل هذا في مسألة الرضا بغير حكم الله جل وعلا. 

الواجب على الحاكم المسلم ـ بعد عهود تضييع الأحكام وتعطيل الشريعة ـ هو التطبيق المتدرج، تأسيا بما اختاره الله جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم من التدرج. 

التدرج في التشريع متفق عليه ولا لـَبْس فيه، حيث كان المطلوب من المسلمين في بداية الدعوة هو تحقيقَ الإيمان والمعاني الإيمانية، ثم بدأتْ ـ بعد ذلك ـ تتنزل الأوامر والنواهي يتبع بعضها بعضا. 

التدرج في الدعوة والتطبيق أقره صلى الله عليه وسلم وأمر به معاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن لدعوة أهل الكتاب في أواخر العهد المدني، فلم يأمره ـ إذا استجابوا لكلمة التوحيد ودخلوا في دين الإسلام ـ أن يخبرهم بكل ما كان قد نزل من الأحكام من الأوامر والنواهي، واكتفى أولا بالأوامر وأجَّل موضوع النواهي، ثم إنه اكتفى بادئ ذي بدء بخصلة واحدة من الأوامر، وذلك على الرغم من أن الأحكام التشريعية في الأوامر والنواهي كان قد اكتمل نزولها وقت بعث معاذ إلى اليمن. 

ممن عمل بمبدأ التدرج في التطبيق: خامسُ الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رحمه الله. 

سن القوانين المنظمة للأحكام الشرعية لا يقوم به إلا ثلة من العلماء الأفذاذ الذين قضوا نفائس الأوقات في الدرس والبحث والاجتهاد. 

والله الموفق. 

تم مع الإضافات بيد كاتبه صلاح الدين بن أحمد الإدلبي في 24/ 8/ 1435، الموافق 22/ 6/ 2014. والحمد لله رب العالمين. وتم إلحاق بعض الإضافات في 1/ 12/ 1436 والحمد لله على إنعامه وفضله.

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا