الأربعاء 6 شوال 1439 - 20 يونيو 2018

من رحم المحن يولد التمكين

الخميس 29 جمادى الأولى 1439 - 15 فبراير 2018 181 رابطة خطباء الشام
من رحم المحن يولد التمكين

عناصر المادة

1- بالصبر واليقين يكون التمكين 

2- صور مماثلة في حياة النبي والصحابة 

3- إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 

4- عظم مسؤولية القادة ومن تولى شيئا من أمور المسلمين

مقدمة:

إن الحياة صراعٌ بين الحق والباطل، ويفوزُ في هذا الصراعِ الأطولُ نفساً والأكثرُ تحمُّلاً، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان:20].

1- بالصبر واليقين يكون التمكين

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24].

تلك هي القاعدة الشرعية التي يؤمن بها أهل الإيمان والإسلام، وهي قاعدة ربانية لا مجال للأخذ والرد فيها، فخالق الوجود هو الذي وضعها، فبالصبر مع اليقين تنال الإمامة في الدين.

إن الصبر هو أس من أسس النصر وسبب من أسبابه، ولكنه لا يكفي حتى ينضم إليه اليقين، اليقين بما يؤول إليه الصبر، واليقين بما يؤول إليه الابتلاء، فإذا كان المسلم صابرا على ما نزل به والقلب موقن بالفرج واللسان لا ينطق إلا بالرضا عن الله وأقداره، إذا كان هذا حال الناس أذن الله للفرج بالحلول، وللنصر بالنزول.

إخوتي الأفاضل: إن الكلام عن الصبر سهل، وترتيب الكلمات والخُطب يسير، وقد يقول قائل: أنتم تتكلمون ولم تعيشوا لحظات الألم والمآسي التي نعيشها كل لحظة، قد تكونوا لم تشعروا بخوف الأطفال الأبرياء، ولا بحال البنات والأمهات الضعيفات، ولا بصيحات الشيوخ ونحيبهم، قد تكونوا ممن لم يسقط عليه سقف بيته مع الجدران، قد تكونوا ممن لم ير أمه تحت الأنقاض تئن ولا جدوى لإنقاضها، قد تكونوا ممن لم ير بناته أخرجن من تحت الركام ومن بين النيران يحملن لُعبَهنَّ وهن بلا أرواح كلعبهن.

يا الله.. تنتهي الصفحات وتنفد الأحبار والمداد ولا تنتهي مآسي أهل الشام..

نقول لإخوتنا هؤلاء: يا إخوتاه، هذا حال الدنيا، أليست هي دار الابتلاء والاختبار، أليس هذا البلاء هو ثمن الجنة التي وعد الله الصابرينَ؟ 

هاكم قولَ ربكم الذي لم تغيبوا عن سمعه وبصره لحظة يقول: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:142].

ويقول: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ} [التوبة:16].

ويقول أيضا: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214].

أتظنون وتحسبون يا عبادي أن الجنة تأتي بالأماني والراحة؟!

إنها سلعة الله غالية جدُّ غالية، ثمنها بذل النفس والنفيس لله، كما أخبر الله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162].

وفي النهاية ستمضي هذه الحياة وسننتقل إلى دار القرار، سحرة فرعون بعدما آمنوا وهددهم فرعون بالصلب والتقطيع ماذا قالوا له؟ {قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} [الشعراء:50].

{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه:71-72].

فيا أيها المبتلون: {إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [غافر: 39].

إن الله يريد من الابتلاء أن يبلو الناس ويختبرهم ليعلم الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق، وصبركم لأنفسكم لا ينفعُ اللهَ تعالى، قال سبحانه: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [ العنكبوت:1-6].

ولو لم يكن من نعمةِ الصبرِ إلا أنه يُمَيِّزُ الصفوفَ ويكشفُ معادنَ الرجالِ في مواطنِ النِزَالِ لكفى به من نعمة، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31].

2- صور مماثلة في حياة النبي والصحابة

في بداية الدعوة وعندما اشتد أذى المشركين للمسلمين ووصل إلى القتل بأبشع الصور لم يكن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ملموساً يصبرهم به إلا ما يعلمه من أصحابه من إيمانهم بالغيب، فكان لا يملك إلا أن يذكرهم بما وعدهم الله عز وجل، فعندما مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام على سمية وزوجها ياسر وهم يعذبون لم يجد إلا أن يقول لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).

نعم هكذا فقط، وأي شيء أعظم من أن ينال المسلم الجنة؟!

أليست هي التي يعيش من أجلها ويعمل من أجلها ويموت من أجلها؟!

إذن قد حصل المقصود من حياتك وأديت الثمن.

وفي حصار الشعب يبقى المسلمون ثلاث سنين يعانون الحصار والمقاطعة والألم والجوع حتى كان الناس يمرون فيسمعون صياح الصبية من شدة الجوع، يروي لنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه معاناته من شدة الجوع -وكان أحد المحاصرين بالشِّعْبِ-، فيقول: "كُنَّا قَوْمًا يُصِيبُنَا ظَلَفُ الْعَيْشِ بِمَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشِدَّتُهُ، فَلَمَّا أَصَابَنَا الْبَلَاءُ اعْتَرَفْنَا لِذَلِكَ وَمَرَنَّا عَلَيْهِ وَصَبَرْنَا لَهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ بِمَكَّةَ خَرَجْتُ مِنَ اللَّيْلِ أَبُولُ، وَإِذَا أَنَا أَسْمَعُ بِقَعْقَعَةِ شَيْءٍ تَحْتَ بَوْلِي، فَإِذَا قِطْعَةُ جِلْدِ بَعِيرٍ، فَأَخَذْتُهَا فَغَسَلْتُهَا ثُمَّ أَحْرَقْتُهَا فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ اسْتَفَفْتُهَا وَشَرِبْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَقَوِيتُ عَلَيْهَا ثَلَاثًا". [ 1 ]

وفي غزوة الخندق يحاصر الإسلام بأكمله في المدينة، وتقف جيوش الأحزاب على بعد ثلاثة كيلو مترات عن وسط المدينة، خندق صغير حفره المسلمون يعيق تقدم العدو، في الداخل خونة من اليهود والمنافقين، ظن ضعاف النفوس أنها آخر ليلة للإسلام وبعدها بعشر سنوات يسقط كسرى وينهزم قيصر وينتصر الإسلام ويهزم كل أنظمة الأرض الوضعية.

لقد مر بالنبي وصحبه من الشدة والبلاء ما مثله مر بنا، حتى وصل الأمر بالصحابة أن يكلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، روى البخاري عن خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). [ 2 ]

في غزوةِ أحدٍ فقط اسْتُشْهِدَ كثيرٌ من قادةِ الصحابةِ وخِيارِهم وممن لهم مكانةٌ عند النبي صلّى الله عليه وسلّم كأمثالِ حمزةَ بنِ عبدِ المطلبِ، ومصعبَ بن عميرٍ، وعبدِ الله بن جحشٍ، وحنظلةَ غسيلُ الملائكةِ، وعبدِ الله بن عمرو بن حرام أبو جابر الذي كلمه الله كفاحاً من غير حجابٍ، وخيثمةَ، وعمرو بن الجموح، وأبي حذيفةَ بن اليمان، ووهبٍ المزني، وابنِ أخيه، وموتُ هؤلاء كان كالكارثة حلَّت بالنبي صلّى الله عليه و سلّم والمسلمين، ومع ذلك لم يقعد صلّى الله عليه و سلّم عن القتال لحظةً، بل استطاع أن يعيدَ شتاتَ الجيشِ، ثم يئسَ المشركون من حسم المعركة نهائياً بسبب أن المسلمين استعادوا مواقعهم واستبسلوا في القتال والدفاع عن نبيهم، وكل هذا كان بعد التفاف خالدٍ عليهم بعد نزول الرماة. [ 3 ]

وفي غزوة مؤتة استشهد القادة الثلاثة، جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وأسامة بن زيد، وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام مكانة شهداء مؤتة عند الله تعالى بقوله: (ما يسرني أو قال ما يسرهم أنهم عندنا)، أي: لما نالهم من عظيم التكريم.

فأنتم الأعلون فلا تهنوا ولا تحزنوا.

3- إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

إنه من الخطأ أن نلقي باللوم دائما على العدو الخارجي ونستجدي منهم الرحمة ونرسل لهم صور المعاناة والقصف والقتل والجوع وغير ذلك، إذ كيف نسترحم المحتل؟!

بل إننا بذلك ندخل الفرح على قلوب أولئك المعتدين، أن ترسل بمشاهد القتل والتدمير ونتائج معركة عدوك معك لعدوك فهذا عمل يفرح به الأعداء.

حتى أولئك الذين نعتبرهم من بني جلدتنا ممن ملكهم الله زمام أمور المسلمين فلم نعد نرجو منهم نصرة ولا رحمة، ولقد عزَّى بعضهم بالأمس الرئيس الروسي بالقتلى الذين سقطوا في تحطم الطائرة، في حين يقتل الرئيس الروسي في كل لحظة من أبناء المسلمين في سوريا بأحدث الأسلحة ولم يحرك فيهم ذلك ساكناً!!

من الملفت للنظر أن ورثة الأنبياء من حملة الرسالة لما أصابهم ما أصابهم في سبيل الله لم يلقوا باللائمة على العدو الخارجي، بل اشتغلوا بالإقبال على الله، وتزكية النفوس بالتوبة، ليستحقوا تنزُّل النصر من عند الله، ولهذا كان شعار العصبة المؤمنة دائما أمام أقوامهم المخالفين لهم، قال تعالى: {ومَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون} [إبراهيم:12].

ويقول أيضا: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ * فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران 146 – 148]

هكذا رجعوا باللائمة على أنفسهم واعترفوا بذنوبهم فرحم الله ضعفهم وهزم عدوهم.

لا يأس يسكننا فإن كبر الأسى وطغى فإن يقين قلبي أكبر

في منهج الرحمن أمن مخاوفي وإليه في ليل الشدائد نجأر

يا أيها الناس: إن الحل اليوم في أن نرفع شكوانا إلى الله، ونتضرع إليه في رفع البلاء، وأن نتهم أنفسنا بأن ما أصابنا بسبب معاصينا، والله إنها قاعدة ربانية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11].

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165].

{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ * وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [الشورى: 30-31].

فاضرعوا إلى ربكم وبثوا الشكوى إليه في أخر الليل وبعد الصلوات وفي الخلوات والجلوات، ذكروا الناس بذلك، كونوا عوناً لبعضكم، ادعوا الله فرادى ومجتمعين، هذا ما يريده الله منا، أن نظهر فقرنا إليه وضعفنا بين يديه، قال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ* فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام: 42- 43].

النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة بدر يسقط رداءه من على كتفيه وهو يناشد ربه ويدعوه ويستنصره، ونحن من نحن حتى نكون أغنياء عن نصرة الله ورحمته؟ تعالوا بنا أيها الناس نعلنها توبة مع الله في الجهر الآن، وبيننا وبينه في البيوت والخلوة..

اللهم ارفع البلاء عنا، وارحم ضعفنا، وفك حصارنا، وعاد من عادانا، يا أرحم الرحماء.

عندما يرى الله تغييراً في نياتنا وتغييراً في أعمالنا نحو الأصلح والأفضل، عندما نعلنها توبة نصوحاً فسيتغير الحال وتكون العقبى لنا، وربما بما لا يخطر لنا على بال.

لما شاء اللطيف أن يخرج رسولنا عليه الصلاة والسلام من عذابات شعب بني هاشم لم يرسل صيحة تزلزل ظلم قريش، فقط أرسل الأرضة تأكل أطراف وثيقة الظلم وعبارات التحالف الخبيث! فيصبحون وقد تكسرت من الظلم العُرى بحشرة لا تكاد تُرى!

لغيرك ما مـددت يـــــدا وغيرك لا يفيض نـدى

وليس يضيــق بابك بي فكيف ترد من قصـــدا

وركنك لم يزل صمــــدا فكيف تــذود من وردا

ولطفك يا خفي اللطف إن عادى الشرور عدا

إنه اللطيف سبحانه بأيسر الأمور يقدر أعظم المقادير. 

وها هي رؤيا من أعظم رؤى البشرية يراها يوسف عليه السلام وهو في حالة تقول كل مؤشراتها الطبيعية باستحالة تحققها، يحكي رؤياه فيقول: {يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4].

وتأويل الرؤيا أن أباه وأمه وإخوته الأحد عشر سيسجدون له إكراما وتوقيرا، جميع المؤشرات لا تدل على تحقق مثل هذه الرؤيا، فأبوه نبي كريم، كبير في السن، جليل في القدر، ولا تفضي معهودات الامور أن يكرم الكبير الصغير، والنبي غير النبي، والأب الإبن!

وإخوته يكرهونه فكيف سيسجدون له، بل بلغ من كرههم أن خططوا لقتله، بل إن كرههم دفعهم لإلقائه في البئر، فهذه المؤشرات تقول باستحالة أن يحدث سجودهم له في يوم ما، ثم إن الأحوال تقلبت به فصار مرمياً في البئر، ثم سلعة تباع وتشترى، ثم صار عبداً في بيت عزيز مصر، وحال العبودية تلك أيضا تقضي بتأكيد معنى الاستحالة هذه.

ثم انتقل من كونه عبداً خادماً في قصر إلى عبد حبيس في سجن فبعدت المسافة أكثر بينه وبين تحقق تلك الرؤيا، ولكن اللطيف سبحانه يحقق الأقدار ويصرف الأمور ويخرجه من السجن ويجعله في منصب رفيع، ثم يقدر القحط على البلاد، ثم يأتي بإخوته في ثياب الحاجة، ولا تزال أقدار اللطيف تلتفت لتحقق تلك الرؤيا القديمة، فيعجب يوسف لسجود والديه وإخوته، ويقول: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف: 100].

وإلا فلولا إرادة ربي لما تحققت: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف: 100].

هذا اختصار لـلطف الذي سيطر على المشهد، ثم يضع التوقيع النهائي فيقول عز وجل: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 100].

4- عظم مسؤولية القادة ومن تولى شيئا من أمور المسلمين

كل ما سبق لا يعني أن نسكت على أخطاء بعضنا وأن ندفن رؤوسنا في التراب، بل لابد وأن هناك خللا فينا نحن، وليس معنى الصبر الذي تكلمنا معه أن نسلم أنفسنا لعدونا حتى يقضي على آخرنا ونحن نمتلك سلاحاً ورجالاً، إن كثيراً من المسؤولية اليوم ملقاة على كاهل قادة الفصائل ممن ملكهم الله زمام أمورنا، فليس من الصحيح أن نرى بلدة يصب العدو جام غضبه عليها ويفنيها عن آخرها ولا نفتح جبهة ولا نشاغل العدو، ومن غير المعقول أن يتعذر بعض القادة بهدن مع النظام المجرم وبمنطقة خفض التوتر، فكل سورية جسد واحد، وإذا قطع منها عضو فيسري الألم والوجع إلى باقي الأعضاء ويجعلها لا تتذوق نوماً ولا تهنأ براحة ولا مأكل ولا مشرب، هكذا علمنا ديننا، وأوصانا نبينا..

فيا أيها القادة اتقوا الله في إخوانكم وافتحوا جبهاتكم على هذا العدو المتهالك، ووالله إنكم ستقفون بين يدي الله عما قريب وسيسألكم عن الأمانة التي مللكم إياها، قال صلى الله عليه وسلم: (لَا يَسْتَرْعِي اللهُ عَبْدًا رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) [ 4 ]

يحرم عليكم أن تستأثروا بالسلاح والذخيرة لأنفسكم أو لمدنكم، وقدوتكم في ذلك أيها القادة هو حبيبكم وقائدكم محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان يضع سهامه كلها بين يدي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ويقول له: (ارم سعد فداك أبي وأمي). [ 5 ]

وقد كان النبي يأمر من يمرُّ به من الصحابة أن ينثر ذخيرته لأبي طلحة؛ لأن أبا طلحة كان رامياً ماهراً كسر يوم أحد قوسين أو ثلاثة، فعن أنيس رضي الله عنه قال: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو طلحة بين يدي النبي مجوِّبٌ عليه بحَجَفَةِ له، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد النَّزْعِ كسر يومئذِ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمرُّ معه بِجَعْبَةٍ من النَّبلِ فيقول: (انثرها لأبي طلحة)". [ 6 ]

مجوِّبٌ: مُتَرِّسٌ، حَجَفَة: الترس، شديد النزع: شديد الرمي حَسَنَه، بجّعْبّة: الآلة التي يضع فيها السهام.

إذاً لا ينبغي للمقاتلين أن يستأثروا بسلاحهم لأنفسهم، بل عليهم أن ينصروا به إخوانهم بأن يوصلوا إليهم السلاح أو يفتحوا به الجبهات ولا يتركوه حبيس المستودعات، روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن فتى من أسلم –قبيلة أسلم– قال: يا رسول الله إني أريد الغزو وليس عندي ما أتجهز، قال: (ائت فلاناً فإنه كان قد تجهز فمرض)، فأتاه فقال: إن رسول الله يقرئك السلام ويقول أعطني الذي تجهزت به، قال: يا فلانة، أعطيه الذي تجهزتُ به ولا تحبسي عنه شيئاً، فو الله لا تحبسي منه شيئاً فيُبَارك لك فيه. [ 7 ]

والله عز وجل يقول: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} [النساء: 104].

أي لا تضعفوا في طلبهم، بل لاحقوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم.

وكثير من المسؤولية أيضا يتحمله الناس الذين لا يحملون السلاح، فعلى إخواننا أولئك أن يفسحوا المجال للمجاهدين بفتح الجبهات، وعلى غيرهم ممن هم بعيدون عن مواقع القتال أن يفتحوا بيوتهم لإخوانهم ويستقبلوهم ويؤووهم، هكذا انتصر المسلمون بالهجرة والنصرة.

------------------------------

1 - حلية الأولياء 1 /93

2 - البخاري/6312

3 - انظر البداية والنهاية ج5/445 - 446 - 447، وسيرة ابن هشام ج3/72

4 - رواه مسلم/142

5 - فتح الباري ج8/4055

6 - رواه البخاري ومسلم

7 - مسلم /4901

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا