كلمات في القرآن (15) الظنّ

الاثنين 9 ذو الحجة 1439 - 20 أغسطس 2018

كلمات في القرآن (15) الظنّ

الأربعاء 28 جمادى الأولى 1439 - 14 فبراير 2018 159 د. عثمان قدري مكانسي
كلمات في القرآن (15) الظنّ

في القاموس المحيط : الظَّنُّ التَّرَدُّدُ الراجِحُ بين طَرَفَي الاعْتِقَادِ الغيرِ الجازِمِ ، جمعه: ظُنونٌ وأظانينُ، وقد يوضَعُ مَوْضِعَ العِلْمِ. والظِّنَّةُ، بالكسر التُّهَمَةُ جمعها ( تِهم) كعِنَبٍ. والظَّنينُ المُتَّهَمُ. وأظَنَّهُ اتَّهَمَهُ. وأظْنَنْتُه عَرَّضْتُهُ للتُّهَمَةِ.

وفي لسان العرب : الظَّنُّ : شك ويقين إلاَّ أَنه ليس بيقينِ عِيانٍ إنما هو يقينُ تَدَبُّرٍ فأَما يقين العِيَانِ فلا يقال فيه إلاَّ علم ، وفي الحديث "إياكم والظَّنَّ فإنَّ الظَّنِّ أَكذبُ الحديث " أَراد الشكَّ يَعْرِضُ لك في الشيء فتحققه وتحكم به ، وقيل أَراد إياكم وسوء الظَّن وتحقيقَه دون مبادي الظُّنُون التي لا تُمْلَكُ، وخواطر القلوب التي لا تُدْفع . ومنه الحديث " وإِذا ظَنَنْتَ فلا تُحَقِّقْ " قال وقد يجيء الظَّن بمعنى العلم وفي حديث أُسَيْد بن حُضَيْر " وظَنَنَّا أَنْ لم يَجُدْ عليهما " : أَي عَلِمْنا.

وفي آيات القرآن الكريم معان للظنّ دقيقة تجلّي كثيراً من جليل اللَّفتات البيانية الرائعة ، منها : 

1- الاعتقاد التام : مثاله في قوله تعالى في سورة الأنبياء يصور ما فعله يونس عليه السلام حين أنذر قومه ثلاثاً " وذا النون إذ ذهب مغاضباً ، فظنّ أن لن نقدِر عليه .. " ومضى مغاضباً لِقَوْمِهِ ، فاعتقد أن الله تعالى لن يضَيِّق عَلَيْهِ فِي بَطْن الْحُوت . وهذا من جليل الإيمان بحفظ الله تعالى له . ومثله : قصة داود في سورة (ص) " وظنّ داود أنما فتنّاه ، فاستغفر ربه ، وخر راكعاً ، وأناب " وذلك حين جاءته الملائكة بأمر ربهم يختبرونه في طريقة الحكم بين المتخاصمين ، فحكم للأول دون أن يستمع لحجة الخصم الثاني ، وكان رئيسهم قد وصّاه بالحكم السديد ، فلا يشطط " فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ، واهدنا إلى سواء الصراط " . فعلم أنه أخطأ ، فسجد لله يستغفره ويُنيب إليه سبحانه . ومثاله - في سورة الأعراف - رفعُ الجبل فوق اليهود تهديداً لهم أن الجبل سوف يسقط عليهم لو أنهم لم يمتثلوا أمر نبيهم ، ورأوا الموت بأعينهم " وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظُلّة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة ... " فالظن هنا يقين واعتقاد ، فقد كان الجبل فوقهم والموت ماثلاً أمامهم . ويوم القيامة يكون الظن يقيناً ، فالمجرمون يقفون أمام النار التي كذّبوا بها في الدنيا ، وسوف يُطرحون فيها حتماً لا شك فيه ، يقول الله تعالى في سورة الكهف " ورأى المجرمون النار ، فظنّوا أنهم مواقعوها ، ولم يجدوا عنها مصرفاً " . وهذا الرجل المؤمن يحمل كتابه بيمينه يوم القيامة فرحاً مسروراً ، ويعلن على الملأ أنه كان مؤمناً باليوم الآخر ، وأنه أعد نفسه في الدنيا لهذا اليوم " فأما من أوتي كتابه بيمينه ، فيقول : هاؤم اقرؤوا كتابيه ، إني ظننت أني ملاق حسابيه " فكان الثواب رائعاً : إنه النجاة من النار ودخول الجنة ، والخلود فيها " فهو في عيشة راضية ، في جنة عالية ، قطوفها دانية ، كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية " والأمثلة كثيرة في هذا المعنى تتوارد باطّراد واضح .

2- الاعتقاد الخاطئ : ونقصد بذلك أن الكثير يعتقدون أمراً ما وينافحون عنه ، وهو غير ذلك . مثاله في القرآن كثير ، من ذلك قوله تعالى في سورة فصّلت حين يشهد على الكافر سمعه وبصره وجلدُه " ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ، وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم ، فأصبحتم من الخاسرين " فهم يعتقدون غير الحقيقة ، فوقعوا في شر اعتقادهم وسوء تقديرهم . ومثاله كذلك في سورة يونس ينعى على الكافرين سوء اعتقادهم الذي لا ينفعهم حين يجِد الجِد . " وما يتبع أكثرهم إلا ظناً ، إن الظن لا يُغني من الحق شيئاً " ثم نرى الويل والثبور وعظائم الأمور في سورة (ص) - في تهديد القرآن للذين يعتقدون أن الحياة وُجدت دون هدف – فالنار مأوى من يعتقد ذلك " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ، ذلك ظنّ الذين كفروا ، فويل للذين كفروا من النار " ونرى الاعتقاد الناقص الخاطئ – في سورة القصص - يُردي صاحبه الهلاك فهذا فرعون وجنوده استكبروا وظنوا الدنيا نهاية المطاف ، فأغرقهم الله تعالى في الدنيا ولهم في الآخرة النارمدحورين فيها أذلاء ملعونين : " وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ? فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ? وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَ?ذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ? وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) " ونرى القرآن – في سورة الفتح - يخاطب المنافقين الذين اعتقدوا أن المسلمين بقيادة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لن يعودوا إلى المدينة حين انطلقوا إلى مكة ليعتمروا ، وأن مشركي قريش سوف يبيدونهم ، فكان ظنهم سيئاً واعتقادهم مخطئاً ، نجد توبيخ القرآن لهؤلاء الذين رغبوا أن ينال السوءُ رسولَ الله والمسلمين ووصفهم بالهالكين البائرين " بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً ، وظننتم ظنّ السوء ، وكنتم قوماً بوراً " . وعودة إلى القرآن الكريم ترينا الكثير من هذا الظن ذي العاقبة الرديئة المخزية .

3- تقدير الشيء : وقد يكون الظن بمعنى التقدير والتفكير . مثا ل ذلك في سورة النور حين حض القرآن المسلمين - في فرية ابن سلول التي أطلقها على السيدة عائشة وعلى الصحابي الجليل صفوان بن المعطل إذ نفاها وبرّأهما من الفرية – على محاكمة ما يسمعونه ، هل يرضون تلك التهمة لأنفسهم ؟ وهل يمكن للطاهرة زوج أطهر الخلق أن تقع في المحظور الذي يأباه كل ذي خلق ودين ؟ " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ، وقالوا هذا إفك مبين " . ونرى هذا المعنى في مراجعة الرجل مطلقته ، أو من أرادا الطلاق لمشاكل حدثت بين الزوجين ، ثم استدركا أمرهما بعد تفكير وتمحيص ، فرأيا أن عودة أحدهما إلى الآخر خير لهما ، يقول الله تعالى في سورة البقرة " فلا جُناح عليهما أن يتراجعا إن ظنّا أن يقيما حدود الله " ونرى الفكرة نفسها في قول يوسف عليه السلام – في سورته – في الآية 42 " وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك " فعلى الرغم أنه عليه السلام أوتي التأويل فإنه ليس يقيناً ، فلا يعلم الغيب إلا الله تعالى ، هذا إذا اعتبرنا الأمر فراسة وتفكراً وحسن تقدير للأمور وهبَهُ الله ُتعالى إياها ، أما إذا كانت من باب الوحي والإلهام فإنها تندرج تحت باب الاعتقاد التام – والله أعلم .

4- قد يكون الظن " شكاً " : وله أمثلة عديدة ، منها قوله تعالى في سورة الجاثية على لسان الكفار للمؤمنين في اليوم الآخر والجنة والنار " وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قلْتُمْ : مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ ، إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا ، وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) " قالوها على سبيل الشك والتوهّم ، وأنه لا يصدقون . أما في سورة آل عمران في الحديث عن غزوة أحد فالقرآن يصف حال المنافقين الخائفين من القتال " يظنون بالله غير الحق ظنّ الجاهلية " روى أنس أَنَّ أَبَا طَلْحَة قَالَ : غَشِيَنَا النُّعَاس وَنَحْنُ فِي مَصَافّنَا يَوْم أُحُد ، فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُط مِنْ يَدِي وَآخُذهُ ،وَيَسْقُط وَآخُذهُ . قَالَ وَالطَّائِفَة الأخرى الْمُنَافِقُونَ لَيْسَ لَهُمْ هَمّ إِلا أَنْفُسهمْ ، أَجْبَن قَوْم وَأَرْعَبهُ وَأَخْذَله لِلْحَقِّ ، إِنَّمَا هُمْ أَهْل شَكّ وَرَيْب فِي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَكَذَا ، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّه فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول " ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْد الْغَمّ أَمَنَة نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَة مِنْكُمْ " يَعْنِي أَهْل الإيمَان وَالْيَقِين وَالثَّبَات وَالتَّوَكُّل الصَّادِق وَهُمْ الْجَازِمُونَ بِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ سَيَنْصُرُ رَسُوله وَيُنْجِز لَهُ مَأْمُوله وَلِهَذَا قَالَ " وَطَائِفَة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسهمْ " يَعْنِي لا يَغْشَاهُمْ النُّعَاس مِنْ الْقَلِق وَالْجَزَع وَالْخَوْف يظنون بالله ما لا ينبغي . وأكثر أهل الأرض يحيون حياة الشك ويرضون بالوهم عن الحق هذا ما يذكره القرآن الكريم مخاطباً النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في سورة الأنعام " وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (116) " . ومن عاش حياة الوهم ازداد ضلاله ، وكثر افتراؤه . 

5- وقد يكون الظن بمعنى :" العلم " ففي سورة يوسف عليه السلام يَذْكُر تَعَالَى أَنَّ نَصْره يَنْزِل عَلَى رُسُله صَلَوَات اللَّه وسلامه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ عِنْد ضِيق الْحَال وَانْتِظَار الْفَرَج مِنْ اللَّه فِي أَحْوَج الأوقات " حَتَّى? إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ? وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) " قال المفسرون وعلى رأسهم عائشة رضي الله عنها : إن الرسل حين علموا أَنَّ قَوْمهمْ كَذَّبُوهُمْ ، واِسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ لمّا طَالَ عَلَيْهِمْ البلاء وَاسْتَأْخَرَ عَنْهُمْ النَّصْر جَاءَهُمْ نَصْر اللَّه . 

6- ويكون الظن بمعنى الأمر الذي لا أصل له مثال ذلك قوله تعالى في سورة النجم " إن يتبعون إلا الظنّ وما تهوى الأنفس " وأردفها بالأصل والعلم اليقين في قوله تعالى " ولقد جاءهم من ربهم الهدى " فما تهوى أنفسهم باطل لا يرتكز على حق ، وما كان من الله ركن ركين . ومثاله كذلك في سورة النجم نفسها قولُه تعالى " إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكةَ تَسْمِيَةَ الأنثى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ? إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ ? وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) " فمن قال لهم إن الملائكة إناث ؟ وهل رأوا ذلك ؟ أم إنهم يخرصون ويدّعون . وقد قال تعالى في سورة الزخرف " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ، أشهدوا خلقهم ؟ ستكتب شهادتهم ويُسألون " وتأمل معي في هذه الآية كـُلاً من : " الذين ، هم ، عباد ، الضمير في خلقهم " وكلها للمذكر ، فكيف يجعلون الملائكة إناثاً ، والملائكة خلق لا ينطبق عليهم ذلك ؟! سبحان الله .

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا