الجمعة 7 جمادى الآخرة 1439 - 23 فبراير 2018

أكاذيب حول الإمام البخاري وصحيحه (1)

الثلاثاء 27 جمادى الأولى 1439 - 13 فبراير 2018 277 د. معتز الخطيب
أكاذيب حول الإمام البخاري وصحيحه (1)

للأسف صارت هناك موضة دارجة لدى بعض المثقفين من أبناء جلدتنا ولدى بعض المتعالمين الذين لم يدرسوا العلوم الشرعية ابتداء من علم الحديث ولا اللغة العربية دراسة متخصصة : فصاروا يرددون كلاماً يقوله أعداء الأمة من المستشرقين الحاقدين ، وأصبحوا أداة لتقويض السنة النبوية والتشكيك فيها وفي أعظم المحدثين الذين بذلوا جهودا مضنية للحفاظ على الأحاديث والتدقيق فيها .

قرأت مقالة رائعة للأستاذ معتز الخطيب في رده على مقطع فيديو أنتجه موقع "أصوات مغاربية" 

وصاحب الفيديو يموله الكونغرس الأمريكي ويتبع لشبكة الشرق الأوسط للإرسال التي تدير قناة الحرة وراديو سوا.

وقد انتشر في بعض القنوات ، ونشرته كذلك قناة الحرة الأمريكية : وما أدراك ما هذه القناة ) .

أرجو قراءة هذه المقالة فهي وإن كانت طويلة ولكنها تفنّد الكثير من الادعاءات الباطلة التي ينشرها البعض حول الإمام البخاري وصحيحه .

وهذه هي المقالة :

( شاع في الأيام الأخيرة فيديو بعنوان "حقائق صادمة عن البخاري" نشَره موقع "أصوات مغاربية" وشاركه موقع "قناة الحرة"، وهو ما أثار عددًا من التساؤلات دفعت بعضهم إلى طلب توضيحات علمية حول محتوى الفيديو. يدور محتوى الفيديو على خمس مسائل رئيسة سأوضحها ثم أبين ما فيها.

#المسألة الأولى:

يُظهر الفيديو أن نَسَب البخاري يُحيل إلى أنه "ليس عربيًّا" في إشارة مبطَّنة إلى موقف عنصريّ من موقع يدّعي على صفحته أن مهمته إيصال "صوت الأقليات"، وهذا الوعي القومي مُحدَثٌ؛ لأن الإسلام شكّل لقرون طويلة ثقافة شعوب متنوعة الأعراق والثقافات من العرب والترك والفرس وغيرهم، ففكرة تعريف علماء الإسلام (ما قبل الدولة القومية) بأعراقهم هو إسقاط لمشاكل الحاضر على تاريخ رحب وشاسع، فسيبويه إمام العربية لم يكن عربيًّا بهذا المعنى القومي الضيّق!

الطريف أن الفيديو يحكي عن البخاري أنه "عاش في أوزبكستان وهي منطقة على الهامش بعيدة عن المراكز الدينية في تلك المرحلة"، وهذا القول يكشف عن جهل مُعدّي الفيديو بتاريخ بخارى التي تنتمي إلى (تركستان) التي كانت جزءًا من ولاية (خراسان) زمن الأمويين والعباسيين وغَدَت بعد الفتح الإسلامي من أهم الحواضر الإسلامية، وخرج منها الكثير من الفلاسفة والفقهاء والمحدّثين من أشهرهم البخاري وابن سينا، وفي 1924 قُسِّمت "جمهورية بخارى" بين طاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان وباتت مدينة بخارى إحدى المدن المهمة في جمهورية أوزبكستان. ولأهمية بخارى خَصَّها عدد من المؤرخين بكتب مستقلة من أقدمها "تاريخ بخارى" لأبي بكر بن جعفر النرشخي (ت348هـ)، ومن أحدثها كتاب "تاريخ بخارى منذ أقدم العصور حتى العصر الحاضر" للمستشرق المجري أرمينيوس فامبري كتبه سنة (1872م).

#المسألة الثانية:

يقول الفيديو: "شككت كتب كثيرة عبر العصور في أحاديث البخاري"، وهذه مقولة كاذبة فقد وُجدت انتقاداتٌ محدودةٌ زمانًا، ومعدودة أحاديثًا، فلا الكتب كثيرة، ولا هي "شككت" في أحاديثه، وسأوضح هذه المسألة لاحقًا، ولكن يُهمني هنا مناقشة الأسباب التي لأجلها وقع التشكيك- بحسب الفيديو - في أحاديث البخاري وتتلخص في أربع نقاط:

(1) بينه وبين الرسول حوالي 200 سنة وهي مدة طويلة مات خلالها كل الصحابة. 

(2) رحلات البخاري إلى بغداد ومكة ومصر كانت قصيرة ولم تكن كافية للسماع من كل الرواة.

(3) معظم أحاديث البخاري تساعيات بينه وبين الرسول تسعة رواة ما يوسع مجال النسيان والتدليس أو الكذب والتلفيق.

(4) أن 16 سنة مدة وَضْعه لكتابه لا تكفي لتنقيح 600 ألف حديث للتحقق من شرطه وهو العدل والصدق وعدم التدليس، وبحسبة بسيطة يحتاج إلى أكثر من 200 سنة لكي ينقح 600 ألف أي 15 دقيقة لكل حديث وهي غير كافية للقاء الرواة وتطبيق المعايير!

ولبيان حجم المغالطة في النقاط الأربع السابقة نقول:

1. طول الفاصل بين البخاري والنبي صلى الله عليه وسلم أو قِصَره ليس معيارًا في الصحة أو الضعف ما دام الاعتماد على آلية الإسناد وعلى معايير علمية للنقد، كما أن البخاري لم يكن أول من جمع الحديث ودوّنه حتى يُطرح مثل هذا الإشكال المُفتَعَل؛ فقد سبقه أئمة أعلام من أبرزهم مَعمر بن راشد (ت153هـ) ومالك بن أنس (ت179هـ)، يضاف إلى ذلك أن آخر الصحابة موتًا كان عامر بن واثلة الكِناني (ت102هـ وقيل 110هـ).

2. أما بخصوص رحلات البخاري فهو يقول عن نفسه: "دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين"، وكان قد سمع ببُخارى وبَلخ ومَرْو والري وبغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة ومصر والشام وغيرها من حواضر الإسلام وأطال الرحلة وتوسع، وتقول كتب التراجم: إنه كتبَ عن ألف وثمانين نفسًا.

3. أطول سند في البخاري هو سند تُساعي، وهو حديث "ويل للعرب من شر قد اقترب" الذي أخرجه البخاري في كتاب الفتن وفيه أربع صحابيات، في حين أن البخاري حين يَنزل في الإسناد يَصل إلى سداسي أو سباعي وذلك لمعنى أو فائدة استدعت الإفراد بالبحث والدراسة، وفي بعض الأحيان يكون قد روى الحديثَ نفسه بالإسناد العالي في موضع آخر، ولا أريد أن أفصّل في هذه المسألة التقنية، ولكن حسبي أن أذكر أيضًا أن للبخاري ثلاثيات (بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة رواة فقط) وهي من مزايا صحيحه التي دفعت العلماء إلى العناية بها وممن جمعها أبو الخير محمد بن موسى الصفار (عندي نسخة خطية منه)، وعلي بيومي (عندي نسخة خطية منه)، أي أن في أعلى طبقات شيوخ البخاري مَنْ حَدَّثه عن التابعين.

4. انتخب البخاري صحيحه في 16 عامًا، وقد روى أبو علي الغساني عن البخاري أنه قال: "خرّجت الصحيح من ستمئة ألف حديث". والحسبة الرياضية التي قام بها الفيديو لا تقوم على أساس علميّ؛ لأنها مبنية على تصورات مغلوطة عن مفهوم الحديث وهو هنا الطريق (الإسناد) وليس المتن، ولذلك كان حفاظ الحديث يَجمعون المتن الواحد من طرق كثيرة لاختباره ونقده ويسمون كل طريق حديثًا، ولا بد من القول: إن هذه الطرق تدور على أسماء شيوخ عددهم محصورٌ لا يصل إلى ذلك الرقم الضخم المُتَوَهَّم والذي تمت قسمته، فعدد رجال البخاري كلهم في الصحيح هو (1525) رجلاً، وقد درَسهم الإمام أبو نصر البخاري الكلاباذي (398هـ) وغيره وأفردوهم بكتب مستقلة.

ثم إن الحسبة تقوم أيضًا على تصور مغلوط عن منهج وطرائق نقد الأسانيد؛ لأن الخبرة بالحديث والتخصص فيه ومعايشته من شخص متفرغ منذ سِنيه الأولى لا تُحتَسب بهذه الطريقة، فالفيديو أسقط خبرة البخاري ما قبل هذه ال(16) سنة، وقد قال أبو بكر الأَعْيَن: "كتبنا عن محمد بن إسماعيل وهو أمرد"، وقد بدأ البخاري التصنيف في قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وهو ابن ثمان عشرة سنة. وتتجاهل تلك الحسبة خبرة شيوخ البخاري ومعاصريه ضمن جماعة المحدّثين (الجماعة العلمية) فالبخاري لم يبدأ من فراغ بل بنى على معارف مَن سبقوه أيضًا، وشارك معاصريه كذلك فقد قال الحافظ أبو جعفر العُقَيلي: "لما ألف البخاري كتاب الصحيح عَرَضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن مَعين وعلي بن المَديني وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث. والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة". 

أما بخصوص شرط البخاري فهي مسألة طال فيها كلام العلماء، والشروط التي ذكرها الفيديو هي اختزال مُخلّ لشروط الحديث الصحيح، فقد كان البخاري أشدَّ المحدثين مذهبًا في قبول الحديث، ففي العنعنة مثلاً كان يشترط اللقاء ولو مرةً بين الراويين ولا يكتفي بشرط المعاصرة كالإمام مسلم، وقد استقر لدى العلماء أن شرط الحديث الصحيح أن يكون إسناده متصلاً بنقل العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة قادحة، وفي تفاصيل هذه الشروط كلام طويل وتطبيقات مختلفة.

النقطة الثالثة في الفيديو هي قوله: إن "شخصية البخاري لم تكن - أبدًا - موضع إجماع بين علماء المسلمين؛ فقد جَرَحه عددٌ من أئمة عصره، منهم: أبو حاتم الرازي، وابنه عبد الرحمن، ومحمد بن يحيى الذُّهلي". وهذا تدليسٌ؛ فالبخاري كان محلَّ قبولِ وثناء عامة الأئمة عبر التاريخ، فقد قال أحمد بن حنبل: "ما أخرجتْ خراسان مثلَ محمد بن إسماعيل البخاري"، وأفاض الحافظ الخطيب البغدادي في بيان مكانة البخاري في حواضر الإسلام: البصريين والحجازيين والكوفيين والبغداديين وأهل الريّ وخراسان، وقال الإمامان النووي والطوفي: "تلقيب البخاري ومسلم بإمامَي المحدّثين هو باعتبار ما كانا عليه من الورع والزهد والجد والاجتهاد في تخريج الصحيح حتى ائتم بهما في التصحيح كلُّ من بعدهما". وقال الحافظ الترمذي: "لم أرَ بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمد بن إسماعيل البخاري".

يتبع

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا