إذا وسد الأمر إلى غير أهله

الاثنين 8 ذو الحجة 1439 - 20 أغسطس 2018

إذا وسد الأمر إلى غير أهله

الأحد 25 جمادى الأولى 1439 - 11 فبراير 2018 170 د. ياسر مصطفى يوسف
إذا وسد الأمر إلى غير أهله

روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِهِ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ حَدِيثًا ، جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : فَمَضَى رسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدّ ِثُ – لم يقل للأعرابي الذي قطع حديثه : لم قطعت علي حديثي ؟ ألا تراني أتكلم ؟ هلا صبرت فأنتهي ؟ بل تابع حديثه بأبي هو وأمي . 

وَتَمُدُّ حِلمَكَ لِلسَفيهِ مُدارِياً حَتّى يَضيقَ بِعَرضِكَ السُفَهاءُ

في كُلِّ نَفسٍ مِن سُطاكَ مَهابَةٌ وَلِكُلِّ نَفسٍ في نَداكَ رَجاءُ

حَتَّى إِذَا قَضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه ، قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ ؟ قَالَ : هَا أَنَا ذَا ، يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَيْفَ ؟ أَوْ مَا إِضَاعَتُهَا ؟ قَالَ : إِذَا تَوَسَّدَ الأَمْرَ غَيْرُ أَهْلِهِ ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ.

صلى عليك الله يا سيدي يا رسول الله ... ما تركت باب خير لأمتك إلا ودللتها عليه، ولا باب شر إلا وحذرتها منه... وإسناد الأمر إلى غير أهله شر وأي شر ... حينما يضيع الأمر فيوكل إلى غير من هو كفؤ له ... ويقلَّده من لا يحسنه أو لا يحسن فيه ... ويقوم به من لو تأخر عنه لكان خير له وللأمة . 

إن كلمة( الأمر) في قوله عليه الصلاة والسلام: إذا وسد إلى غير أهله... كلمة عامة تشمل كل أمر ، وليس من الإنصاف أن نقصرها على مجال السياسة أو القضاء... بل يصح أن نطبقها في كل مجال ... ونجريها على كل حال... وذلك حينما لا يكون الرجل أهلاً لأن يكون زوجاً ... أو يكون رباً لأسرة ... أو يكون أهلاً للوظيفة التي أسندت إليه .... أو منصب أقيم فيه ... عند ذلك يكون الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب ... وعندها تضمحل الأمور، وتضطرب أحوال الناس، وتخرب الدول والحكومات . 

أرسل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سيدنا سعد بن أبي وقاص أنْ شاور عمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد الأسدي في حربك، ولا تستعن بهما في غير ذلك؛ فإن كل قوم أعلم بصناعتهم . لذا قال سيدنا الحطيئة رضي الله عنه : 

يا باري القوس برياً ليس يحكمه *** لا تفسد القوس أعط القوس باريها 

إن في قول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا وسد الأمر إلى غير أهله" حضاً على إحكام كل إنسان عمله، والتمكن من اختصاصه، ثم هو أمر بأن نحترم ذلك الاختصاص، ونمكنه من مزاولته، ولا نقدم غيره عليه لأي اعتبار كان ... لأن ذلك مضر عاجلاً أو آجلاً . 

قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ فَيُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ فِي الْجَمْعِ لِلصَّلَاةِ، أَطَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ تَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: أَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: تَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ مَا رَأَيْتُ , فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا رُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنُ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتَا» فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِي عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ.

فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أن من المناسب أن يؤذن بلال ...إنه الرجل المناسب لتلك الشعيرة ...التي لم يعهد بتنفيذها إلى أحد من مقدمي أصحابه ... إنه احترام المؤهلات ... احترام القدرات ... احترام الإمكانات ... وضع الأشياء في حاقِّ موضعها. 

نجلس اليوم في المجلس ... وفيه الشيخ والطبيب والمهندس ... فإذا عرضت قضية طبية أم هندسية ما تجرأ أحد على أن يقدم بين الطبيب والمهندس ... لكن لو أثيرت مسألة شرعية ... فالكل يفتي .. والكل يجتهد ... والكل يقول في الدين برأيه ... دونما أي اعتبار للاختصاص واحترام له . 

لقد وضع عزيزُ مصرَ يوسفَ في المكان المناسب فانتشل الأمة المصرية من ازمتها الاقتصادية وكان كما قال عن نفسه : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }يوسف55.

فهل نتعلم ذلك من ديننا ... ونحله من حياتنا العملية المحل الأسمى ... لنحرز به المراتب العلى .

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا