الجمعة 7 جمادى الآخرة 1439 - 23 فبراير 2018

حدث في التاسع عشر من جمادى الأولى

الأحد 25 جمادى الأولى 1439 - 11 فبراير 2018 105 الأستاذ: محمد زاهد أبو غدة
حدث في التاسع عشر من جمادى الأولى

في التاسع عشر من جمادى الأولى من سنة 911 توفي في القاهرة، عن 62 سنة، الإمام جلال الدين السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر الخضيري السيوطي الشافعي، الإمام الحافظ الزاهد، صاحب المؤلفات الكثيرة ذات المواضيع المتعددة.

ولد الإمام جلال الدين السيوطي بعد المغرب مستهل رجب سنة 849، وكان يلقب بابن الكتب لأن أباه، كمال الدين أبا بكر، كان من أهل العلم واحتاج إلى مطالعة كتاب، فأمر أمه أن تأتيه بالكتاب من بين كتبه فذهبت لتأتي به فجاءها المخاض وهي بين الكتب فوضعته، وسماه والده بعد الأسبوع عبد الرحمن ولقبه جلال الدين، وكانت أم السيوطي أم ولد تركية.

وكان والده ينتمي لأسرة أصلها من العجم أو المشرق، ولذا جاء في نسب أسرته؛ الخضيري، نسبة إلى محلة الخضيرية ببغداد، قال السيوطي عن أسرته: أما جدي الأعلى همام الدين، فكان من أهل الحقيقة ومن مشايخ الطرق الصوفية، ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرياسة، منهم من ولي الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كان تاجرا في صحبة الأمير شيخون وبني بأسيوط مدرسة ووقف عليها أوقافا، ومنهم من كان متمولا، ولا أعلم منهم من خدم العلم حق الخدمة إلا والدي.

وقال السيوطي عن والده: وكانت له اليد الطولي في الإنشاء، مطنبا وموجزاً، درّس وأفتى سنين، وانتفع به جماعة من الأعيان، وعُرض عليه قضاء مكة، فأبي... وكان على جانب عظيم من الدين والتحري في الأحكام وعزة النفس والصيانة، يغلب عليه حب الانفراد وعدم الاجتماع بالناس، صبوراً على كثرة أذاهم له، مواظباً على قراءة القرآن، يختم كل جمعة ختمة، ولم أعرف من أحواله شيئاً بالمشاهدة إلا هذا.

ويذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء أن والده كان إمام الخليفة المعتضد بالله داود وأنه كان عنده بمكان رفيع، خصيصاً به، محترماً عنده جداً، وهو الذي كتب للخليفة عهده بالخلافة لأخيه المستكفي بالله سليمان، وقال السيوطي عن الخليفة: وأما نحن فلم ننشأ إلا في بيته وفضله، وآلُه خيرُ آل ديناً وعبادة وخيراً، وما أظن أنه وُجِد على ظهر الأرض خليفة بعد آل عمر بن عبد العزيز أعبد من آل بيت هذا الخليفة.

واهتم والد السيوطي بابنه الوليد ليسلك طريق طلب العلم، فأحضره وهو في الثالثة مجلس شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي المتوفى سنة 852، ومجلس الحافظ المحدث زين الدين رضوان بن محمد العقبي، المولود سنة 769 والمتوفى سنة 852، وحضر كذلك مجلس الشيخ سراج الدين عمر بن عيسى بن أبي بكر الوروري ثم القاهري الأزهري الشافعي.

وتوفي والد السيوطي في 5 صفر سنة 855 تاركاً ابنه في الخامسة من العمر، وجعل العلامة الحنفي كمال الدين ابن الهمام أحد الأوصياء عليه فلحظه بنظره ورعايته، وحفظ القرآن وسنه دون ثمان سنين، ثم حفظ عمدة الأحكام للحافظ الإمام عبد الغني المقدسي، المتوفى سنة 600، ومنهاج الطالبين للإمام النووي، وكلاهما في الفقه، وحفظ ألفية ابن مالك في النحو، وشرع السيوطي في طلب العلم من مستهل سنة 864، فأخذ الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ، منهم قاضي القضاة عز الدين الكناني، أحمد بن إبراهيم العسقلاني الحنبلي، المولود بالقاهرة سنة 800 والمتوفى بها سنة 876، والذي سأل الطالب الشاب: ما كُنيتك؟ فقال: لا كنية لي. فقال: أبو الفضل. وكتبه له بخطه.

وأخذ السيوطي الفرائض عن العلامة فَرَضيِّ زمانه الشيخ شهاب الدين الشارمساحي، المتوفى سنة 865، وأجيز السيوطي بتدريس العربية في مستهل سنة 866 حين ألّف أول مصنفاته؛ شرح الاستعاذة والبسملة، وعرضه على شيخه شيخ الاسلام علم الدين البلقيني، صالح بن عمر بن رسلان، المولود سنة 791 فكتب عليه تقريظا، وبقي السيوطي يحضر على البلقيني في الفقه حتى وفاته سنة 868، وفي أثنائها باشر السيوطي التدريس بجامع الأمير شيخون بالقاهرة، في حضور شيخه، وهي وظيفة والده قبل وفاته أبقاها له الإمام كمال الدين ابن الهمام.

ولما توفي علم الدين البلقيني لزم السيوطيُّ شيخَ الاسلام شرف الدين المناوي، يحيى بن محمد المولود سنة 798 والمتوفى سنة 871، فقرأ عليه قطعة من منهاج الطالبين وحضر دروسه في شرح البهجة الوردية في فروع الفقه الشافعي وحاشيته عليها، وفي تفسير البيضاوي، واعتبره آخر علماء الشافعية ومحققيهم.

ولازم السيوطي العلامة محيي الدين الكافيجي 14 سنة، حتى وفاته سنة 879 عن 91 سنة، وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك، والكافيجي هو محمد بن سليمان الرومي الحنفي، المولود قبل سنة 800، وعُرف بالكافيجي لكثرة اشتغاله بكافية ابن الحاجب في النحو، وكان رئيس الحنفية في مصر، وكتب إجازة عظيمة لتلميذه السيوطي أثنى عليه فيها، وقال السيوطي عن شيخه: تقدم في فنون المعقول حتى صار إمام الدنيا فيها.

ودرس السيوطي الحديث والعربية على شيخ هو الإمام تقي الدين الشبلي الحنفي، كما أوردت اسمه في المراجع التي تحت يدي، ولم أعثر له على ترجمة بهذا الإسم، وأرجح أنه شيخه تقي الدين أبو العباس الشمني الحنفي، أحمد بن محمد بن محمد المولود سنة 801 والمتوفى سنة 872، ويذكر السيوطي أنه لازمه 4 سنوات، ويروي قصة تظهر تواضع هذا الشيخ الجليل وكيف ربى تلميذه بفعله قبل قوله، قال السيوطي: ورجع إلى قولي مجردا في حديث؛ فإنه أورد في حاشيته على الشفاء حديث أبي الحمراء في الإسراء وعزاه إلى تخريج ابن ماجه، فاحتجت إلى إيراده بسنده، فكشفت ابن ماجه في مظنته فلم أجده، فمررت على الكتاب كله فلم أجده، فاتهمت نظري، فمررت مرة ثانية فلم أجده، فعدت ثالثة فلم أجده، ورأيته في معجم الصحابة لابن قانع، فجئت إلى الشيخ فأخبرته، فبمجرد ما سمع مني ذلك أخذ نسخته وأخذ القلم فضرب على لفظ "ابن ماجه"، وكتب "ابن قانع"، وألحق "ابن قانع" في الحاشية، فأعظمت ذلك وهبتُهُ لعظم منزلة الشيخ في قلبي واحتقاري في نفسي، فقلت: ألا تصبرون لعلكم تراجعون! فقال: إنما قلت في قولي "ابن ماجه" متابعاً البرهان الحلبي. ولم أنفكَّ عن الشيخ إلى أن مات.

ودرس السيوطي على كثير من علماء عصره بلغوا نحو 150 شيخاً من كبار مشايخ العصر من الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة، وقد درس على الحنفية بخاصة أصول وفقه مذهبهم، كما درس الطب والمواقيت.

واستعرض السيوطي العلوم التي درسها ومدى سبقه فيها بطريقة لا تخلو من مدح الذات، قال رحمه الله: ورُزِقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو والمعاني، والبيان، والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي فضلا عمن هو دونهم، أما الفقه فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي فيه أوسع نظرا، وأطول باعا.

ودون هذه السبعة في المعرفة؛ أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسل والفرائض، ودونها القراءات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطب، وأما علم الحساب فهو أعسر شئ علي وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت إلى مسألة تتعلق به، فكأنما أحاول جبلا أحمله.

وينبغي أن نتعجب من قول السيوطي إنه تعلم القراءات دون شيخ، وهي من العلوم السمعية التي لا تصلح إلا أن تؤخذ عن شيخ سماعاً، ولذلك فقد جعلها في آخر علومه، ثم يتابع السيوطي فيقول: وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثا بنعمة الله علي، لا فخرا، وأي شئ في الدنيا حتى يطلب تحصيله بالفخر! وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها، لقدرت على ذلك من فضل الله لابحولي ولا بقوتي، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.

وقد كنتُ في مبادئ الطلب قرأت شيئا في المنطق، ثم ألقي الله كراهته في قلبي، وسمعت أن ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك، فعوضني الله تعالى عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم.

وأما مشايخي في الرواية سماعا وإجازة فكثير، أوردتهم في المعجم الذي جمعتهم فيه وعِدَتهم نحو مئة وخمسين، ولم أكثر من سماع الرواية لاشتغالي بما هو أهم، وهو قراءة الدراية. وقد قال السيوطي في موضع آخر عن نفسه إنه يحفظ مئتي ألف حديث، ثم قال: ولو وجدت أكثر لحفظته.

وحج السيوطي في سنة 869، ومما يدل على علو همته أنه لما شرب من ماء زمزم دعا الله أن يصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البُلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر. وأفتى السيوطي في مستهل 871، وكانت سُنَّة مجالس الإملاء المعروفة عند المحدثين قد اندثرت بعد وفاة الحافظ ابن حجر سنة 752 فأحياها السيوطي أول سنة 872، فأملى نحواً من ثمانين مجلساً ثم خمسين أخرى، قال: وإنما اخترت الإملاء يوم الجمعة بعد الصلاة اتباعاً للحفاظ المتقدمين كالخطيب البغدادي وابن السمعاني وابن عساكر، خلاف ما كان عليه الحافظ العراقي وولده وابن حجر فإنهم كانوا يملون يوم الثلاثاء، ويبدو أن بعض معاصريه لم يعتبروه أهلا لجلوس والإملاء، وعابوا عليه تصدره في ذلك، فقال يرد عليهم:

عاب إملائيَ الحديثَ رجالٌ ... قد سعوا في الضلال سعياً حثيثا

إنما ينكر الأماليَّ قوم ... لا يكادون يفقهون حديثاً

وأراد السيوطي إحياء تقليد علمي آخر هو مجالس الإملاء في اللغة، وقال عن ذلك في كتابه المُزهِر، وهو يتحدث عن مرتبة الحافظ في اللغة، وأن أعلى وظائفه الإملاء: وقد أملى حفاظ اللغة من المتقدمين الكثير، فأملى ثعلب مجالس عديدة في مجلد ضخم، وأملى ابنُ دريد مجالس كثيرة رأيت منها مجلداً، وأملى أبو محمد القاسم بن الأنباري وولده أبو بكر ما لا يحصى، وأملى أبو علي القالي خمسة مجلدات، وغيرُهم، وطريقتهم في الإملاء كطريقة المحدِّثين سواء، يكتب المستملي أول القائمة: مجلسٌ أملاه شيخنا فلان بجامع كذا في يوم كذا ويذكر التاريخ، ثم يورد المملي بإسناده كلاماً عن العرب والفصحاء فيه غريب يحتاج إلى التفسير، ثم يفسره، ويورد من أشعار العرب وغيرها بأسانيده، ومن الفوائد اللغوية بإسناد وغير إسناد ما يختاره، وقد كان هذا في الصدر الأول فاشياً كثيراً، ثم ماتت الحفاظ، وانقطع إملاء اللغة عن دهر مديد واستمر إملاء الحديث، ولما شرعت في إملاء الحديث سنة 872 ... أردت أن أجدد إملاء اللغة وأحييه بعد دثوره، فأمليت مجلساً واحداً فلم أجد له حَملة ولا من يرغب فيه فتركته.

ويذكر السيوطي أنه قد سافر إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور، ولكننا لا نجد في ثنايا كتبه إلا القليل عنها مما رآه أو رواه مشافهة عن شيوخها.

ولما بلغ السيوطي الأربعين من عمره، دخل في طور جديد من حياته، فقد ترك في سنة 889 الإفتاء والتدريس وانقطع عن الناس متفرغاً للعبادة والتأليف، وأقام في روضة المقياس قرابة 22 سنة حتى وفاته، منكباً على العلم والتصنيف حتى إنه لم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه، وألَّف في ذلك كتاب: التنفيس في الاعتذار عن ترك الإفتاء والتدريس، وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته، ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيردها، وأهدى إليه السلطان قانصوه الغوري خصياً وألف دينار، فرد الألف، وأخذ الخصي فاعتقه وجعله خادماً في الحجرة النبوية، وقال لرسول السلطان: لا تعد تأتينا قط بهدية، فإن الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك. وكان لا يتردد إلى السلطان، ولا إلى غيره، وطلبه مراراً فلم يحضر إليه، وقيل له: إن بعض الأولياء كان يتردد إلى الملوك والأمراء في حوائج الناس، فقال: اتباع السلف في عدم ترددهم أسلم لدين المسلم. وقد ألف في ذلك مصنفاً أسماه: ما رواه الأساطين في عدم المجئ إلى السلاطين، وقال متشكياً من أهل عصره:

طوبى لمن مات فاستراحا ... ونال من ربه فلاحا

ما نحن إلا في قوم سوء ... أذاهُم قد بدا ولاحا

ولم يكن السيوطي في عصره أول من انقطع عن الأغنياء والأمراء بل سبقه إلى ذلك قبل سنة معاصره، ومنافسه، الإمام شمس الدين السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، المولود سنة 831 والمتوفى سنة 902، والذي اعتزل في منزله في سنة 898 وترك الدرس والإقراء إلا للخاصة من تلاميذه، وسنعود لذكره بعد قليل.

ويبدو أن انقطاع السيوطي اقتصر فقط على الأمراء والأغنياء ولم يشمل طلبة العلم، إذ يذكر نجم الدين الغزي في كتابه النجوم السائرة بأعيان المئة العاشرة في ثنايا التراجم عدداً من الشيوخ وطلبة العلم ممن درس على السيوطي أو أخذ عنه، وتدل التفاصيل أن ذلك كان بعد اعتزاله، فهو يذكر في ترجمة الشيخ الصوفي محمد بن علي ابن عراق، المولود سنة 878 والمتوفى سنة 933، أنه دخل مصر سنة 905، واجتمع بالحافظ السيوطي، ويذكر في ترجمة محمد بن عبد الله الشنشوري، المولود سنة 888، أنه أخذ عن جلال الدين السيوطي، وينقل التقي الغزي، تقي الدين بن عبد القادر التميمي الغزي، المتوفى سنة 1010، في كتابه الطبقات السنية في تراجم الحنفية عن السيوطي في الفُلك المشحون: في يوم الثلاثاء تاسع عشري صفر، سنة 901، ورد علينا من إصطنبول الإمام العالم العلامة خضر بن يوسف، الشهير والده بالمعمار سنان، وذكر أن له عن إصطنبول نحو خمسة أشهر، وأنه قدم علينا لأجل الحج، وأثنى على بلاده وملكهم خيراً كثيراً . والفلك المشحون الذي يذكره الغزي هو كتاب التذكرة للسيوطي، وليس الكتاب الذي طبع بذات الإسم منسوباً إليه؛ هذا كتاب صغير وكتاب السيوطي موسوعة كبيرة في خمسين مجلد.

وفي هذه العزلة كان يخدم السيوطي أحد طلبة العلم هو الشيخ محمد بن علي الحباك، ولم أعثر له على ترجمة، وإلى جانبه كان هناك تلميذ السيوطي المقرب الحافظ شمس الدين الداودي، محمد بن علي بن أحمد الشافعي، المتوفى سنة 945، والذي ألف كتاباً ضخماً عن السيوطي.

ومما يستغرب أنه مع هذه العزلة والانقطاع يذكر ابن إياس في النجوم الزاهرة في أحداث سنة 902 أن الخليفة المتوكل على الله عهد للشيخ جلال الدين بوظيفة لم يُسمع بمثلها قط، وهو أنه جعله على جميع القضاة قاضياً كبيراً يولي منهم من يشاء، ويعزل منهم من يشاء… فلما بلغ القضاة ذلك شق عليهم، فلما قامت الدائرة والألسن على الخليفة، رجع عن ذلك وقال: إيش كنت أنا!؟ الشيخ جلال الدين هو الذي حسّن لي ذلك، وقال لي هذه وظيفة قديمة، وكان الخلفاء يولونها من يختارونه من العلماء. فأشهد القضاةُ على الخليفة أن لا يعود إلى ذلك.

ويذكر ابن إياس كذلك في حوادث رمضان من سنة 906: أنه بعد مقتل الملك العادل طومان باي على يد قانصوه الغوري: ظهر الشيخ جلال الدين السيوطي وكان مختفياً من العادل في مدة سلطنته التي دامت 100 يوم، وكان يقصد الإخراق به، فكفاه الله مؤونته، وذكر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وبشره بزوال العادل عن قريب.

كان السيوطي رحمه الله واسع العلم متعدد الجوانب، غزير التأليف سريع التصنيف، ربما كتب في اليوم بخطه 30 ورقة، ولذا كان خطه رديئاً صعب القراءة، قال تلميذه شمس الدين الداودي: عاينتُ الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاث كراريس تأليفاً وتحريراً، وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة. وقد كتب السيوطي نحو 600 مصنف منها الكتاب الكبير والرسالة الصغيرة، ومواضيعها تبدأ بالقرآن الكريم وتنتهي بالطب، ولذا فهو أهل لأن يصنف في طبقة العلماء الموسوعيين، وقد بدأ السيوطي مصنفاته ناقلاً جامعاً، ثم بدأ في نقد ما ينقل والتعليق عليه، فتحول إلى مصنف باحث، وهذه البداية هي التي جعلت بعض العلماء يتهمه بأنه ناقل لا مؤلف، وقد أفادنا السيوطي حتى في نقله لأنه ذكر كثيراً من الكتب التي كانت تحت يده والتي اختفت إلى اليوم، فدلنا على أنها كانت موجودة حتى القرن التاسع الهجري، وذلك لأن منهجه كما ذكر في كتابه المُزْهِر في اللغة: لا تراني أذكر في شيء من تصانيفي حرفاً إلاّ معزواً إلى قائله من العلماء، مبيناً كتابه الذي ذكر فيه.

ومن أشهر كتبه في العلوم الشرعية: الإتقان في علوم القرآن، ولباب النقول في أسباب النزول، وتنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك، والجامع الصغير، وجمع الجوامع ويسمى الجامع الكبير، وهو كتاب ضخم جمع فيه الأحاديث النبوية الشريفة مرتبة على أحرف المعجم، وله كتاب طبقات الحفاظ جمع فيه حفاظ الحديث إلى زمانه، ثم جاء الحافظ محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، المولود بفاس سنة 1305والمتوفى بباريس سنة 1382، فصنف كتابه فهرس الفهارس ذيلاً على طبقات الحفاظ، وقال فيه الكتاني عن السيوطي: ومن أهم كتبه وأعظمها، وهو أكبر مِنَنِهِ على المسلمين؛ كتابه الجامع الصغير، وهو مطبوع مع عدة شروح عليه واختصارات وشرح بعضها أيضا، وأكبر منه وأوسع وأعظم الجامع الكبير، جمع فيهما عدة آلاف من الأحاديث النبوية مرتبة على حروف المعجم، وهما المعجم الوحيد الآن المتداول بين المسلمين الذي يعرفون به كَلِمَ نبيهم ومخرجيها ومظانها ومرتبتها في الجملة، وقلَّ من رأيته أنصف من الكاتبين اليوم وعرف مزية المترجم بكتابيه هذه ومنته على المسلمين.

ومما اشتُهِرَ من كتب السيوطي في التاريخ كتاب تاريخ الخلفاء، وحسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، وطبقات الحفاظ، وطبقات المفسرين، وفي اللغة كتاب المُزهِر.

جاء السيوطي في فترة ساد فيها التقليد المذهبي وضعف فيها الاجتهاد في مستجدات الأمور وتطور المجتمعات، فنعى على أهل العلم تقاعسهم عن الاجتهاد وعكوفهم على تكرار أقوال من سبقهم، وألف مصنفه: الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض. وتطلع السيوطي لأن يكون مجدد القرن التاسع الذي ذكره الحديث الشريف المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها. فلّمح بذلك وصرّح، وقال في أرجوزة له عن مجددي كل قرن:

و هذه التاسعة المئين قدْ ... أتت ولا يخلف ما الهادي وعدْ

و قد رجوتُ أنيَ المجددُ ... فيها ففضل الله ليس يجحدُ

ودخل السيوطي لأجل هذا في خصومة شديدة مع معاصريه ممن لم يسلموا له بذلك، ولم يستسيغوا هذه الدعوى الخارجة على تقاليد التواضع السائدة عند علماء المسلمين، وكانت أشد معاركه تلك التي خاضها مع معاصره الإمام شمس الدين السخاوي، محمد بن عبد الرحمن، المولود سنة 831 والمتوفى سنة 902، وهو إمام محدث ومؤرخ جليل، يؤخذ عليه أنه في كتابه التاريخي العظيم: الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، قد أظهر كثيراً من مساوئ من ترجم له وعلى نحو فيه كثير من قوارص الكلِم، وقد ألف السيوطي رداً عليه مقامة أسماها: الكاوي في رد تاريخ السخاوي. وقام السخاوي بدوره فترجم للسخاوي ترجمة ملأى بالثلب والانتقاص. وقال الإمام الشوكاني عن هذه المعارك في كتابه البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: وعلى كل حال فهو غير مقبول عليه لما عرفتَ من قول أئمة الجرح والتعديل بعدم قبول قول الأقران في بعضهم بعضا مع ظهور أدنى منافسة، فكيف بمثل المنافسة بين هذين الرجلين التى أفضت إلى تأليف بعضهم في بعض، فإن أقل من هذا يوجب عدم القبول، والسخاوي رحمه الله، وإن كان إماما غير مدفوع، لكنه كثير التحامل على أكابر أقرانه كما يعرف ذلك من طالع كتابه الضوء اللامع، فإنه لا يقيم لهم وزنا، بل لا يَسلَم غالبُهم من الحط منه عليه.

ومال كثير من العلماء ممن جاؤوا بعدهما إلى أن يجعلوا السيوطي مجدد القرن التاسع، قال العلامة الحافظ المُّلا علي القاري الهَرَوي الحنفي المتوفى سنة 1014: شيخ شيوخنا السيوطي هو الذي أحيا علم التفسير في الدر المنثور، وجَمَعَ جميعَ الأحاديث المتفرقة في جامعه المشهور، وما ترك فنا إلا فيه له متن أو شرح مسطور، بل وله زيادات ومخترعات يستحق أن يكون هو المجدد في القرن العاشر كما ادعاه، وهو في دعواه مقبول ومشكور.

ووقعت للسيوطي خصومة طريفة كان موضوعها كتاب المواهب اللدُنِّية بالمنح المحمدية الذي ألفه، في سنة 899، الإمام شهاب الدين القسطلاني، أحمد بن محمد القسطلاني المصري، المولود سنة 851 والمتوفى سنة 923، فقد ادعى السيوطي أن القسطلاني أخذ من كتبه ولم ينسب النقل إليها، وشكاه إلى شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فألزمه ببيان دعواه، فعدَّد مواضع في كتاب القسطلاني قال إنه نقل فيها عن البيهقي وقال السيوطي: إن للبيهقي عدة مؤلفات، فليذكر لنا القسطلاني في أي مؤلفاته ذكر ما نقله! ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته، وكان الواجب عليه أن يقول نقل السيوطي عن البيهقي. وأراد شهاب الدين القسطلاني رحمه الله تعالى أن يزيل ما في نفس السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة حيث كان السيوطي معتزلاً ودق الباب، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني، جئت إليك حافياً مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي. فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.

ولا بد أن نشير أنه قد ورد في بعض الكتب أن السيوطي كان يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة وحقيقة، ويصحح عليه الأحاديث؛ فالموضوع يخبره عنه أنه موضوع، والصحيح أنه صحيح. وقد سئل عن ذلك السيد محمد رشيد رضا فأجاب أن ذلك: مذكور في بعض الكتب، ولكن لم يرو عنه بأسانيد صحيحة متصلة أنه ادعى ذلك، ولو روي كذلك لم يُكلف أحدٌ تصديقه، ومن صدَّقه لا يجوز له أن يأخذ بتصحيحه لتلك الأحاديث.

مرض السيوطي 7 أيام توفي بعدها، وصلي عليه بجامع الأفاريقي بالروضة، ودفن بشرقي باب القرافة، ولم أعثر على مايدل أن له إخوة من والده، أو أنه تزوج أو تسرى أو كان له أولاد، ولم تذكر المراجع التي رجعت إليها شيئاً عن مكتبته أو كيف كان يحصل على الكتب الكثيرة التي اعتمد عليها في مؤلفاته الكثيرة.

للسيوطي رحمه الله شعر كثير أكثره متوسط، وغالبه في الفوائد العلمية، والأحكام الشرعية، فمن شعره في الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه مضمناً مكتفياً:

إن ابن إدريس حقاً ... بالعلم أولى وأحرى

لأنه من قريش ... وصاحب البيت أدرى

وقال راوياً عن شيخه الذي كنّاه في صغره؛ قاضي القضاة عز الدين الكناني المصري الحنبلي:

حدَّثنا شيخُنا الكناني ... عن أبِه صاحب الخطابة

أسرع أخا العلم في ثلاث؛ ... الأكل والمشي والكتابة

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا