الثلاثاء 6 ربيع الأول 1440 - 13 نوفمبر 2018

الخصائص العامة للغة العربية

الخميس 22 جمادى الأولى 1439 - 8 فبراير 2018 213 د. التهامي الراجي الهاشمي 
الخصائص العامة للغة العربية

الخصائص التي تميز اللغة كثيرة منها خصائص عامة تميز هذه اللغة حيث استعملت، ومنها خصائص خاصة سنهتم بما يتعلق منها بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

الخاصية الأولى للغة العربية :

اللغة العربية ثلاثية بالدرجة الأولى : 

أنها ثلاثية بالدرجة الأولى، وهم من أجل هذا اختاروا لوصفها الوزن " فعل " بمعنى أن معظم كلمات اللغة العربية قابلة لتكون موزونة بهذا الوزن ذي الحروف الصامتة إلى درجة أن أصبح الحرف الأول يعرف بـ 

" فاء الكلمة " إشارة إلى الحرف الأول في الوزن بقطع النظر عن الحركة التي يمكن أن تكون مصاحبة له ويعرف الحرف الثاني بعين الكلمة إشارة إلى العين في الوزن، ويعرف الحرف الثالث في الكلمة أيا كانت بلامها، لا يعبأون بحركات هذه الحروف لأن اللغة العربية تعتمد اعتمادا كبيرا على الصوامت ( الحروف ) لا على الصائتان ( الحركات).

إن هذا ليدل عندهم على أن للكلمة معنى رئيسياً تعبر عنه الصوامت ( الحروف) أما الصائتان ( الحركات) فإنها تقوم بوظيفة أخرى وهي أنها تحور هذا المعنى وتعدله وتلونه في بعض الأحيان إلى ما شاء لها التلوين. 

بل إن بعضهم بالغ في ذلك إلى درجة أن أعطى لكل حرف معنى يلازمه وأصبح يفسر اللغة انطلاقا من مزج حروفها، وعلى رأس هؤلاء اللغوي ابن فارس الذي وضع معجما حاول إخضاع اللغة فيه لهذا المنحى فصار يستخرج معنى الكلمة من مزج حروفها، فيقول مثلا: إن أصل معنى" قط " ( أي حين يجتمع القاف مع الطاء ) هو القطع وأن معنى قطف هو القطع بلين وأن قطب هو القطع بلين شديد إلى آخره، وهو أمر لا يمكن أن يكون مقبولا لأن لو كان الأمر كذلك ما اختلفت اللغات.

الخاصية الثانية للغة العربية :

صيغ الفصل الحاصرة للأزمنة : 

إن اللغة العربية على الأقل في الصيغ الفعلية لا تهتم بالأزمنة الثلاثة الرئيسية المعروفة الماضي والحاضر

والمستقبل فضلا عن اهتمامها بفروعه. لم تهتم بهذا الأمر اهتماما كبيرا لأنها فضلت أن تهتم عوض ذلك بالحدث المنتهى والحدث الذي لم ينته بعد وهذا الاهتمام بهذا الشكل هو الذي جعلها تقتصر على صيغتين للفعل: الماضي للحدث المنتهي والمضارع للحدث الذي لم ينته بعد. لا يدل قولنا هذا على أن العربية قاصرة عن التعبير عن الأزمنة الموجودة عند أقوام يتكلمون بلغات أخرى، إنها قادرة على التعبير عن كل الأزمنة الموجودة عند أقوام يتكلمون بلغات أخرى، إنها قادرة عن التعبير عن كل الأزمنة ولكنها حرصا منها على الإيجاز الذي تمتاز به كما سنوضحه تقتصر على صيغتين فعليتين فقط ولكن بواسطة أدوات تحدد الزمن الذي تريد. 

إنها بصيغة واحدة وهو المضارع تستطيع أن تعبر عن الأزمنة الثلاثة، لنأخذ مثلا فعل " كتب " فإن أردنا أن نعبر به عن الماضي قلنا :

كان يكتب حين وصلت

وإن أردنا أن نعبر عن المستقبل قلنا مثلا : 

سأكتب حين تحضرني فكرة.

فإن أردنا أن نعبر عن الحال قلنا مثلا : 

أكتب وأنا مطمئن.

وهناك أدوات تجعل الفعل المضارع دالا على المستقبل مثل: " لن " أو على الماضي مثل: " لم " أو على الحال مثل: " لا "

الخاصية الثالثة للغة العربية :

كُرهُ اللبس : 

إنها تكره اللبس وتفر منه كما يفر الرجل السليم من المجدوم، إنها، مثلا تصوغ قاعدة وتريد أن تجعلها مطبقة على كل حال لا تقبل شذوذا لكن إن أدى تطبيقها إلى لبس يفسد الاتصال بين الناس ويحول بين الفهم والإفهام خالفوا تلك القاعدة التي أرادوها مطردة وأصبح تطبيق عكسها وهو القاعدة، لأن الذي يرمون إليه بلغتهم هو التواصل في وضوح.

لنوضح هذا الأمر بمثال، يقولون: إذا تحركت الواو والياء وانفتح ما قبله قلبتا ألفا بمعنى أنه كلما توفر في لفظة ما الشرطان :

أ - تحرك الواو والياء.

ب - انفتاح ما قبلهما. 

إلا وانقلبتا ألفا، وهكذا قالوا في " قول " : وفي " بيع " باع ، لأن الشرطين متوفران فيهما، لكن إن قلت : الحاك في " الحيك لقالوا لك إنك مخطئى، لأنهم عندما طبقوا القاعدة التبس عليهم بين الحياكة والذي يحكي الحكايات."

الخاصية الرابعة للغة العربية :

إنها مولعة بالإيجاز. 

ومعلوم أن الكلام لا يكون قويا إلا إذا كان موجزا بطبعه.

إن البلاغيين العرب ليعدون هذا الإيجاز المقياس الحق لبلاغة الكلام.

أحب، في هذا المضمار أن أروي حكاية وقعت لأصحاب الكندي، تدل دلالة قاطعة على أن القرآن وهو باللغة العربية مولع بالإيجاز الذي أعطاه هذه القوة التي لا تضاها ورفع بلاغته إلى درجة استحال إدراكها.

حكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال : نعم ! عمل مثل بعضه فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء ونهي عن النكث وحلل تحليلا عاما ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في إجلال. 

يقصد الفيلسوف الكندي بالسطرين من سورة المائدة الآية الأولى منها، وهي قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود أحلت لكن بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد و أنتم حرم إن الله يحكم ما يريد }.

كيف نفهم حكم الكندي على إيجاز هذه الآية : قال: 

ماذا هو ( يقصد الحق سبحانه وتعالى ) نطق بالوفاء ونهي عن النكث : 

وإليه الإشارة بقول الله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود }. ثم قال الكندي : حلل تحليلا عاما.

و إليه الإشارة بقوله : { احلت لكم بهيمة الأنعام }.

ثم قال فيلسوفنا : ثم استثنى استثناء بعد استثناء.

و إليه الإشارة بقول الله تعالى : { إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم } ثم قال الكندي أخيرا : ثم أخبر عن قدرته وحكمته.

و إليه الإشارة بقوله تعالى : { إن الله يحكم ما يريد }.

قد توجز اللغة العربية إيجازا كبيرا ولكنها لا بد أن يكون في هذا الإيجاز البليغ ما يشير بإشارة خفيفة ولبيبة إلى ما لم يذكر وهذا في الأدب العربي كثير جدا ( شعره ونثره ) و فيالقرآن والحديث أكثر.

وأعتقد أنه يكفي أن نمثل لهذا بمثال أو مثالين ليتضح الأمر جليا إن شاء الله، يقول الله تبارك و تعالى : { قد كان لكم ءاية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ترونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار

(13)}(آل عمران).

وبما أن مراد الله لا يكتمل إلا بالقراءات المتواترة كلها ولا سيما ما يتعلق بالفرش منها فإن معنى الآية باعتبار القراءتين " ترونهم " التي يقرأ بها الإمام نافع و" يرونهم " التي يقرأ بها الآخرون معنى الكلام سيكون : قد كان يا معشر اليهود آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ببدر وأخرى كافرة وهم مشركون ترونهم -أنتم اليهود- المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد ويرونهم ( أي المسلمون يرون أنفسهم مثلي ما أنتم عليه).

من شأن هذا الإيجاز الذي فهم معناه الفئتان أن يحط من عزائم المشركين ويقوي إرادة المومنين.

ونلاحظ هنا أن الفـئة المذكورة أولا لم توصف بلفظ في حين أن الفئة الثانية متبوعة بوصفها. 

ثم نلاحظ ثانيا أنه إذا كان الحذف مس الشطر الأول من المقطع ولم يمس شطره الثاني في أمر وصف الفئتين بملزوم الجهاد وهو الإيمان المسكوت عنه بالنسبة للفئة الأولى فإنه ذكر ملزوم الدفاع عن الضلال وهو الكفر بالنسبة للفئة الثانية. 

لقد عكس الأمر ليقع التوازن بين شطري المقطع، فأثبت في الشطر الأول المحذوف منه الملزوم لازم الإيمان وهو القتال في سبيل الله وحذف من الشطر الثاني لازم الكفر وهو القتال في سبيل الشيطان ذاكرا فقط ملزومه.

مقتطعة من مقالة بعنوان اللغة العربية خصائصها وتطورهاعلى ضوء آيات رب العالمين عن مجلة التاريخ العربي العدد 4

انظر في مناقشة ما في هذه المقالة من أخطاء علمية
مقالة : إمساس الألفاظ أشباه المعاني
للدكتور محمد سليمان عناد هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا