الاثنين 3 ربيع الثاني 1440 - 10 ديسمبر 2018

الرسائل في عصر التقانة

الثلاثاء 20 جمادى الأولى 1439 - 6 فبراير 2018 193 أ. أيمن بن أحمد ذوالغنى 
الرسائل في عصر التقانة

(مضمونها ولغتها)

أدبُ الرسائل فنٌّ أصيل

الرسائلُ المتبادَلة بين الأدباء في القديم والحديث رافدٌ ثرٌّ من روافد الأدبِ العربي، تبوَّأت منزلةً رفيعة؛ لما امتازَت به من خصائصَ فنيَّة، جعلتها جنسًا أدبيًّا مستقلًّا. وها هي ذي كتبُ التحرير الأدبيِّ المعاصرة، تخصُّ فنَّ الرسائل بفصلٍ لا تجدُ مَندوحةً عنه.

ولذلكَ أولاها المعاصِرونَ من اهتِمامِهِم الكَثير؛ احتَفَلوا بها، ونَشِطوا في جَمعِها، وخَرجوا بها من عالم الحِفظ والخصوصِيَّة إلى عالم النَّشرِ والإذاعَة. وهذه الرسائلُ أصنافٌ عديدَة، سار بها مُنشِئوها طرائقَ قِدَدًا؛ في أساليبِ التعبير، وفي المضمونِ والمادَّة. ولكنها لم تَخرُج في جُملتِها عن أن تكونَ بَوحًا بما يُجِنُّه الفؤاد، وترويحًا عن النفسِ ببثِّ الشَّكوى ولَواعِجِ الأشواق، وربما جَنحَت بين الأصحابِ إلى المداعَبَةِ والفُكاهَة. كلُّ ذلك بأُسلوبٍ حَسَنٍ جَميل، وبَيانٍ مُحكَمٍ بَليغ.

عَصرُ التِّقانة

وفي عَصرِنا الحاضِرِ الموسومِ بعَصر التِّقانةِ والسُّرعَة، صارَ العالَم أشبهَ بحارَةٍ واحدَةٍ لا قَرية، وباتَ من اليَسيرِ جِدًّا مَعرفةُ أخبار أي بُقعَةٍ في العالَم بوَساطةِ الشابِكَة (الإنترنت)، التي أتاحَت الوصولَ إلى كلِّ ما يَرومُه الإنسانُ ويَتَشَوَّفُ إلى مَعرِفَتِه في وَقتٍ قَصيرٍ جدًّا. ولا شكَّ أن التِّقْنِيَّةَ تُقدِّم فوائدَ جُلَّى لمَن يُحسِنُ استِخدامَها، بيدَ أن حَسَناتِها الظَّاهِرَةَ يُخامِرُها غَيرُ قَليلٍ من وُجوهِ السيِّئات والمخاطِر!

ولن أتناولَ في كَلِمَتي هذه ما تُوَطِّئُه التِّقْنِيَّةُ من سُبُل الفَسادِ والرَّذيلة، وتُغري به النَّشْءَ والشَّباب، فَضلاً عن تَفكيكِ الأُسَرِ بانهِماكِ كلِّ فردٍ منها على حِدَةٍ في خَوضِ لُجَجِ المواقعِ والإبحارِ في صَفَحاتِها، غيرَ عابئٍ بساعاتٍ من عُمُرِه تُسفَح بين غَثٍّ وسَمين! فذَلكَ له مَوضعٌ آخرُ من البَحثِ والنَّظَر.

وسأقصِرُ كلامي على ما أدَّت إليهِ من نُكوصٍ أدبيٍّ وذَوقي، وإطفاءٍ لجَذوَةِ الإبداعِ البَياني، وإخباتٍ لشُعلَةِ العَلاقاتِ الإنسانيَّة بتَجاذُبِ البَوحِ والشَّكوى، وسائرِ مَكنوناتِ النفسِ بين الإخوَة والخُلَّان.

بين زمنَين

لقد كانتِ الرسائلُ فيما مَضى فَضاءً رَحبًا للإنسان، يُعبِّر بها عن هَمَساتِ رُوحِه، وما يَعتَلِجُ في صَدرِه من مَشاعِرَ وأحاسِيس، ويَتبادلُ الأفكارَ والرُّؤى معَ مُراسِليه، وتتعانَقُ على صَفحاتِها المُهَجُ والأرواح. أجل لقد كانت مَيدانًا فَسيحًا لأبٍ يَمحَضُ النُّصحَ وَلَدَه النائي عنهُ في دِيارِ الغُربَة، ولأمٍّ مُشتاقَةٍ مُلتاعَةٍ إلى فِلذَةِ الفُؤاد، وقد أطالَ الغَيبَةَ والبِعاد، ولزَوجٍ يَحِنُّ إلى شَقيقَةِ جَنانِه ودِفْء قَلبِه، ولصَديقٍ يَتوقُ إلى أَخْدانِ صِباه ورُفَقاءِ دَربِه. ودَع عنكَ رسائلَ المحبِّينَ والعُشَّاق فهيَ جَمَراتُ أشواقٍ تكادُ تَضْطَرِم.

ومن هُنا أن قال الشاعرُ المَهجَريُّ جورج صَيدَح حين تلقَّى رسالةً من صَديقٍ عزيزٍ:

قَبَّلتُ في هَوَسٍ حُروفَ كِتابِهِ إنَّ الحُروفَ لها شِفاهٌ تُشتَهى

هذا ما كانَتهُ الرسائلُ دَهرًا؛ فإذا بها اليومَ تُختَزَلُ في كُلَيماتٍ تُخَطُّ على عَجَل بضَغطِ أزرارِ الجَوَّال، أو لوحَةِ مَفاتيحِ الحاسوب، وتُرسَلُ إلى الآخَرينَ، بارِدَةً (باهِتةً) لا رُوحَ فيها ولا حَياة!

لقد ألجَأَ عَصرُ التِّقْنِيَّةِ أهلَه إلى المُضِيِّ في مِضمارِه والسَّيرِ بسَيرِه؛ راضِينَ أو كارِهين، فخَلَتِ الرسائلُ من ألوانِ الإبداعِ والفَن، وغَدَت عِباراتٍ مَألوفةً مَكرورَة، تَلفِظُها الأَجهِزَةُ إلى مُستَقبِليها كما هيَ؛ كلماتٍ بلا طَعمٍ ولا لَون!

اللغة والمضمون

ولم تتخَلَّف رسائلُ عَصرِ التِّقانةِ في جَمال التعبيرِ وحُسنِ العَرضِ فحَسبُ، ولكنَّها تعَدَّت ذلكَ إلى تَخَلُّفِ الفَحوى والمضمون، بَل إلى ما هُوَ أخطَرُ وأخطَر، إلى ما يَمَسُّ هُوِيَّةَ الأُمَّة، ويَفُتُّ في عَضُدِ أحدِ أَعمِدَة كِيانِها. ألا وهيَ اللغَةُ العَربيَّة.

وإذا كان جُلُّ ما يُبعَثُ به من رسائلَ إلكترونيَّة جَديرًا ألا يُلتَفَتَ إليه؛ لضَعفِ مَضمونِه، ودُنُوِّه من أن يكونَ هَزلاً لا جِدَّ فيه، فإنَّ منهُ بَقيَّةً لا تَخلو من فائدَةٍ وخَيرٍ ونُصْح، غيرَ أنها كُتِبَت بلغةٍ هَجينةٍ هي أدنى إلى لُغَةِ الأعاجِمِ منها إلى لغَةِ العَرَب؛ رَكيكَةِ التراكيب، مُفَكَّكةِ الأُسلوب، فاشٍ فيها اللحنُ وأنواعُ الغَلَط، من لغَويٍّ، ونَحوِيٍّ، وإملائِيٍّ، وطِباعِيٍّ!

في وَقتٍ أحوجُ ما نكونُ فيه إلى الارتقاءِ بأنفُسِنا وأبنائِنا وطُلَّابِنا في إتقانِ لغَتِهِم القَومِيَّةِ التي هي لغَةُ دينهِم وشَريعَتهِم ودُستورِ مَعيشَتِهم (القُرآن الكَريم).

ولن يَتأتَّى لأُمَّتِنا أن تَنهَضَ من كَبْوَتِها في مَيادينِ الفِكرِ والثَّقافَةِ والاقتِصادِ والسِّياسَة، ما لم تَمضِ بعَزيمةٍ حَذَّاءَ في طَريقِ التمَكُّنِ من لُغَتِها، وإحكامِ مَعرفَتِها، وإتقانِ استِخدامِها، والغَيرَةِ على حِماها أن يَذِلَّ أو يُتَنَقَّص.

خطر داهم!

أما الخَطَرُ الأعظَمُ والأَفدَح، فهوَ ما صِرنا نَراهُ من اعتِيادِ شَبابِ العَرَبِ كِتابةَ رسائلهِم، والتَّواصُلَ في غُرَف الحِوار (الشات) مع أَتْرابِهِم بالعامِّيَّة المُبتَذَلَة! أو باللغة الإنكليزيَّة! وأحيانًا بلغةٍ فَصيحةٍ أو عامِّيَّةٍ ولكن بحُروفٍ لاتينيَّة!! بَلهَ ما جادَت به التِّقْنِيَّةُ من لغَةٍ عَصريَّةٍ شَوهاءَ أشبهَ بخَليطٍ من كلِّ ذلك!

وكم أمَضَّني مَرأى قَريبٍ لي في الرِّياضِ يُراسِلُ أخاهُ في دمشقَ بلغَةٍ أجنبِيَّة! وحِينَ أبدَيتُ الاعتِراضَ احتَجَّ لفَعلَتِه بقَولِه: الكِتابَةُ بها أسهَل!

لقد كانَ أولو الغَيرَةِ من العُلَماءِ والأُدَباءِ والمُصلِحين يَحثُّون أبناءَ العَرَبِ على تَعويدِ ألسِنَتِهِم الحديثَ باللغةِ الفُصحى؛ فهي قَدَرُنا الذي لا خِيارَ لنا سِواه، لاتِّصالِها بدينِنا وتاريخِنا وتُراثِنا وحَضارَتِنا. وكانوا يَرَونَ أَخذَ الأَلسِنَةِ بالنُّطقِ بها، حتَّى تَلينَ وتَنقاد، ضَرورةً لا بُدَّ منها، لاستِكمالِ مَهاراتِ اللغةِ؛ إذ لا يُعَدُّ المرءُ مُتَضَلِّعًا من لغةٍ ما، حتَّى يُتقِنَ مَهاراتِها الأَربَع: القِراءةَ، والكِتابَةَ، والحَديثَ، والفَهم.

وكنا نَنعى على قُصورِنا في إتقانِ الحديثِ والتَّواصُلِ بالفُصحى، فإذا بوَسائلِ التِّقْنِيَّةِ تزيدُ الطِّينَ بِلَّةً والخَرقَ اتِّساعًا، وتتَدَهْدَى بنا في هُوَّةِ الجهلِ بلغَتنا قراءةً وكتابةً أيضًا! وتُنتِجُ جيلًا يكادُ يكونُ عاجِزًا عَن التعبيرِ عَن نفسِه بلُغَته الأُولى التي يُفتَرَضُ أن يَرضَعَها معَ لَبانِ أمِّه.

وثبة العُلا

ذَلكُمُ الأثَرُ لرَسائلِ الجوَّالِ والشابِكَة، في ضَميرِ الناشِئَة ووِجدانِهم، باتَ عَميقًا غائرًا، ومن العَسيرِ استِئصالُه أو مَحوُه. وهوَ نذيرُ شُؤمٍ بغَدٍ مُظلمٍ تَأفُلُ فيهِ البقيَّةُ الباقِيَةُ من خُيوطِ العِزَّةِ والانتِماءِ إلى أُمَّةٍ طالَ عَهدُ سُباتِها، وآنَ لها أن تَنتَفِضَ قَبلَ فَواتِ الأوان!

وإذا كانت تِلكُمُ الحالُ مِحنةً ثقيلَة، فإن مَعَها بلا رَيبٍ بَصيصَ نورٍ لمِنحَةٍ، ومعَ العُسرِ يكونُ اليُسر، ولعلَّ من بَوادِرِ الفَرَجِ ما انتَشَرَ أخيرًا من تَوظيفِ رسائلِ الجوَّال والحاسُوب، في الدعوَةِ إلى الله والنُّصحِ الصادقِ والتَّوجيهِ التَّربويِّ المُثمِر، على ما نَراه مثلًا في جوَّال شَبَكَةِ السُّنَّة، وجوَّال مَوقِعِ الإسلام اليوم، وغيرِهما ممَّا يَجمعُ الفائدةَ معَ حُسنِ الصِّياغَةِ وجَمالِ العَرض.

ولابدَّ أن تتَضافَرَ جُهودُ الغُيُرِ من رِجالاتِ الأُمَّة وعُقَلائِها، لوَضعِ الحُلولِ والعَمَلِ على تَطبيقِها، ومن أهمِّ ما يَجبُ السَّعيُ إليه: تَوثيقُ صِلةِ أبنائِنا وطُلَّابِنا بالكِتاب، وجَعلُ القِراءَةِ عادةً يَوميَّة مُحَبَّبةً لهُم لا يُتَهاوَنُ بشأنِها، ثمَّ حَثُّهُم بأساليبَ تربَويَّةٍ رَفيقَة على اعتِيادِ تَدوينِ ما يَدورُ بخَلَدِهِم وما يَحوكُ في صُدورِهِم من رُؤًى وأَفكار، وتشجيعُهُم على مُراسَلَةِ المَجَلَّاتِ الجيِّدَةِ الهادِفَة، وبَعضِ الأصدِقاء والأقرِباء، والأخذُ بأيديهِم رُوَيدًا رُوَيدًا نحوَ إتقانِ لغَتِهِم والتمرُّسِ بأساليبِها، والإحساسِ بجَمالِها وبَهائِها؛ لنَفوزَ بجيلٍ مُبدِعٍ قادرٍ على التَّعبيرِ عن نفسِهِ بأبلَغِ عِبارَةٍ وأبيَنِ أُسلوب، يَنتمي انتِماءً صادِقًا إلى العُروبَةِ والإِسلامِ، معَ الاعتِزازِ والفَخرِ بهَذا الانتِماء.

وحَسبُنا أن نبذُلَ الجهدَ ونحاوِل، عَسى أن نبلُغَ بأمَّتِنا مَدارِجَ العُلا، عامِلينَ بحِكمَةِ شاعِرِنا عُمَر أبو ريشَة:

شَرَفُ الوَثْبَةِ أن تُرضِي العُلا=غَلَبَ الواثِبُ أم لم يَغْلِبِ

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا