السُنن والحكم النبوية

الاثنين 8 ذو الحجة 1439 - 20 أغسطس 2018

السُنن والحكم النبوية

الأحد 11 جمادى الأولى 1439 - 28 يناير 2018 139 العلامة: محمد الخضر حسين
السُنن والحكم النبوية

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: (إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)[رواه البخاري في صحيحه]

اشتمل هذا الحديث الشريف على ثلاثة أركان من أركان الإسلام، وهي كلمة الشهادة، وفريضتا الصلاة والزكاة، ودلَّ بعد هذا على أحكام متعددة، ومواعظ حسنة، فهو معدود من الأحاديث العظيمة الشأن.

وقصة إرساله عليه الصلاة والسلام معاذاً إلى اليمن مشهورة، أرسله ليدعو إلى الإسلام، ويلي أمر اليمن ويقضي بين الناس.

فكان معاذ رضي الله عنه داعياً ووالياً وقاضياً، أما الدعوة والولاية فيدل لها هذا الحديث، فقد قال له: (فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله) وهذه هي الدعوة، وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ منهم الزكاة وقال: (فإياك وكرائم أموالهم) وذلك معنى الولاية.

وأما القضاء فيدل له الحديث الآخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟) قال: اقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو) أي لا أقصر[ صحح ابن العربي وابن القيم]

قال في الحديث: (إنك ستأتي أقواماً من أهل الكتاب):

كان في اليمن أهل كتاب من يهود ونصارى، وغير أهل كتاب كعبدة الأوثان، ومعاذ رضي الله عنه مرسل إلى أهل الكتاب وغيرهم من المشركين، وخصَّ في الحديث أهل الكتاب بالذكر، لينبهه على أنه سيأتي قوماً أولي علم في الجملة، فيحتاج إلى عناية وبذل جهد في دعوته، وإقامة الحجة عليهم أكثر مما يحتاج إليه في دعوة غيرهم.

ودخلت اليهودية اليمن منذ عهد بعيد حتى دخل فيها بعض ملوك حمير، وقامت هناك دولة متهودة إلى أن جاء الحبش وهم نصارى، فقوضوا أركانها، وبقيت طوائف من اليهود مفرقين في البلاد.

وكانت النصرانية في نجران من بلاد اليمن، ومن المعروف في السيرة النبوية أن وفد نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا من نصارى العرب، وهم الذين نزلت فيهم آية المباهلة: [فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ] {آل عمران:61}.

(فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله).

أمره صلى الله عليه وسلم في الحديث بأن يدعو أهل الكتاب إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وظاهر هذا أنهم غير مؤمنين بأن الله واحد، أما النصارى فلأنهم يقولون: إن المسيح ابن الله، وإنه إله، وهذه العقيدة تخرج بهم عن الإيمان الحق، وتجعلهم في حاجة إلى أن يدعوا إلى توحيد الله تعالى قبل أن يدعو إلى الإيمان برسوله الكريم.

وأما اليهود: فكانوا يعتقدون في عزير أنه ابن الله:[وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ] {التوبة:30} وقد تبرأ بعض اليهود المتأخرين من هذه العقيدة، وبراءتهم هذه لا تقف في صدق الآية الكريمة، فقد نزلت واليهود بالمدينة وحول المدينة، ولم ينقل عن أحد مهم إنكار هذه العقيدة، فليس من شك في أنها كانت معروفة عندهم، ويكفي في صدق الآية أن تكون عقيدة طائفة منهم.

وزيد في كلمة الشهادة التصديق بالرسالة المحمدية، لأن حقيقة الإيمان لا يحصل إلا به صلى الله عليه وسلم، فمن لم يشهد برسالة النبي صلوات الله عليه فهو كافر، هذا ما اتفق عليه علماء الإسلام، وأصبح معلوماً من الدين بالضرورة، ومن دلائله قوله تعالى:[وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا] {الفتح:13}.

(فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة).

والحديث ظاهر في أن لا صلاة واجبة أي يعاقب على تركها، غير الصلوات الخمس وصلاة الوتر في مرتبة السنة، وقد استدل عبادة بن الصامت رضي الله عنه على عدم وجوبها بمثل هذا الحديث، روى مالك في الموطأ أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه سئل عمن قال: إن الوتر واجب، فأنكر عبادة رضي الله عنه ذلك، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله عزَّ وجل على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهم شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة).

(فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم).

نص في هذا الحديث على من تؤخذ منه الزكاة وهم الأغنياء، والغني من يملك نصاباً من الأنصبة المفصلة في أحاديث أخرى، وقوله: (أغنيائهم) جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، ويؤخذ من عمومه أن الزكاة واجبة في مال الصبي، وبهذا قال مالك والشافعي وكثير من الفقهاء، وأضافوا إلى دليل العموم في هذا الحديث أثرين أوردهما الإمام مالك في الموطأ.

أولهما: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة.

ثانيهما: أن عائشة رضي الله عنها كان في حجرها يتيمان، وكانت تخرج من أموالهما الزكاة، وذهب بعض الأئمة إلى عدم وجوب الزكاة في مال الصبي، وقالوا: إن العموم في قوله: (من أغنيائهم) يحمل على المكلفين، والصبي فاقد لأحد شروط التكليف وهو البلوغ، وأجابوا عن الأثرين أعني أثر عمر بن الخطاب، وأثر عائشة رضي الله عنهما، بأنهما من قبيل الاستدلال بمذهب الصحابي، ومذهب الصحابي لا يمنع المجتهد من أن يبحث عن الحكم في أصول الشريعة بنفسه، ويقرر في الواقعة الحكم الذي يصل إليه من طريق الاجتهاد.

ويؤخذ من قوله: (أغنيائهم) أن الزكاة تجب في الحلي الذي تملكه المرأة للتجمل بلبسه، فإنها تصير به غنية، وهو مذهب جماعة من الصحابة، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وذهب جماعة من الصحابة إلى عدم وجوب الزكاة فيه، وبه أخذ الشافعية والمالكية، وأورد مالك في الموطأ على هذا أثرين:

أحدهما: أن عائشة رضي الله عنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجره لهن الحلي، فلا تخرج عن حليهن الزكاة.

وثانيهما: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة.

فإن اتخذ الرجل حلي النساء ليلبسه أهله منهم، وكان عنده من اتخذه من أجلهن من نحو زوج أو بنات فلا زكاة فيه، فإن اتخذه رجاء أن تكون له أهل يتجملن به فهذا لا يسقط عنه الزكاة، لأنه اتخذ ما لا يباح له لبسه، وليس عنده أهل للتحلي به.

ولا زكاة في الحلي المباح يتخذه الرجل للعارية، لأنه متخذ للبس مباح مع ما اقترن بذلك من قصد القربة.

وقوله: (فترد على فقرائهم) يدل على أن الزكاة تصرف للفقراء، واختلفوا في المقدار الذي يملكه الشخص فينتفي عنه الفقر، وتحرم عليه الصدقة، وهذا الحديث يدل على أن من ملك نصاباً مما تجب فيه الزكاة فهو غني فلا حق له في الزكاة، ووجه دلالة هذا الحديث أنه قال: (تؤخذ من أغنيائهم) فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغني، ولا تحل الصدقة لغني.

وظاهر هذا الحديث أن الصدقة تصرف للفقير ولو كان قادراً على الكسب فإنه قال: (فترد على فقرائهم) فجعل صرفها منوطاً بصفة الفقر، وذهب بعض الأئمة إلى أن الزكاة لا تحل لمن كان قوياً على الكسب وإن لم يملك شيئاً، لأنه بالقدرة على الكسب أصبح في حكم الأغنياء.

والمراد بالقوي على الكسب من يقدر على كسب ما يقوم بضرورات الحياة، فسلم البنية الذي يبذل جهد في الكسب، ولا يصل إلى ما يقوم بالضروري من عيشه أو عيش من يعولهم، يجوز صرف الزكاة له لأنه لم يقدر على كسب ما يكفي حاجته.

ودلَّ قوله صلى الله عليه وسلم: (على فقرائهم) على أن الزكاة إنما تعطى للفقير المسلم، ولا حق فيها للفقير الكافر، فإن المضير في قوله: (فقرائهم) يعود على من أطاعوا بالشهادتين وصاروا بذلك من القوم المسلمين.

ويؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: (فقرائهم) أن الزكاة تفرق على الفقراء الذين هم بالبلد الذي أخذت منه الزكاة، وهذا هو الوجه، إلا أن تكون حاجة غيرهم أشد، فيجوز لولي الأمر أن يفرق بعض الصدقة بموضعها، وينقل الباقي إلى موضع الحاجة.

ومن ذهب من الأئمة إلى جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر، يرى أن الضمير في قوله: (فقرائهم) يعود على من يدعوهم معاذ من أهل اليمن بصفتهم مسلمين، فكأنه يقول: يرد على فقراء المسلمين.

وظاهر هذا الحديث حيث اقتصر على الفقراء، أنه يجوز صرف زكاة أهل البلد إلى صنف من الأصناف الثمانية المشار إليها بقوله تعالى:[إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] {التوبة:60}. وبهذا قال مالك، والقائلون بوجوب توزيعها على الأصناف الثمانية يتأولون هذا الحديث على أن الاقتصار على ذكر الفقراء روعي فيه الغالب لأنهم أغلب جهة تصرف إليها الزكاة.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: (فإن أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم):

الكرائم: جمع كريمة، والمراد نفائس الأموال من أي صنف كان.

نهاه عن أخذ خيار المال لأنه إجحاف بحق أصحاب الأموال إلا أن يعطوا الخيار من أنفسهم، وفي كتاب الموطأ: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بغنم من الصدقة فرأى شاة حافلاً (1) ذات ضرع عظيم، فقال عمر: ما هذه الشاة؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر رضي الله عنه: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات (2) المسلمين.

لا يجوز للعامل على الزكاة أخذ كرائم الأموال، ولا يجوز له أن يأخذ معايبها، فقد جاء في صحيح البخاري: (لا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار ) والعوار: العيب.

ويؤخذ من الحديث أن الحق إذا تعلق بمال تختلف أفراده بالخيار والرداءة، أخذ الحق من الوسط، وذلك ما يقتضيه العدل.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (واتق دعوة المظلوم) تنبيه على أن أخذ أطايب الأموال في الزكاة ظلم، وأخرج النهي في صيغة عامة، ليتناول النهي كل نوع من أنواع الظلم.

(فإنه ليس بينها وبين الله حجاب): الحجاب في الأصل: الستر الحائل بين الرائي والمرئي، ولما كان الشأن في الساتر المنع من الوصول إلى المقصود، عبر بنفيه عن عدم المانع من وصول الدعوة إلى الله تعالى، فقوله:(ليس بينها وبين الله حجاب) يرجع إلى معنى أنها ليس لها صارف يصرفها، ولا مانع يمنعها، ونفي المانع من وصول دعوة المظلوم إلى الله تعالى كناية من قبولها وإجابتها.

ودعوة المظلوم مقبولة وإن كان عاصياً، يدل على هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيما رواه الإمام أحمد بن حنبل: (دعوة المظلوم مستجابة، وإن جان فاجراً، ففجوره على نفسه).

والحديث يدل على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن، وأمره أن يبلغهم الدعوة إلى الشهادة والصلاة والزكاة، ولولا أن خبره حجة عليهم، لما اكتفى بإرساله إليهم وحده.

وأدلة قبول خبر الواحد فيما يرجع إلى الأحكام العملية قائمة متوفرة، ويلحق بالأحكام العملية العمليات التي لا ترجع إلى عقائد الإيمان، كالأخبار المتعلقة ببعض الأمور المغيبة مما لا يدخل في حقيقة الإيمان.

وأما ما يرجع إلى العقائد، فإنما يتمسك فيه بالأدلة القطعية.

واقتصر في هذا الحديث على الصلاة والزكاة ولم يذكر فيه فريضتي الصوم والحج مع أن بعث معاذ إلى اليمن كان في سنة عشر وهاتان الفريضتان مشروعتان، ووجه ذلك: أن في الصلاة والزكاة مشقة على النفوس أعظم من مشقة الصوم والحج، أما مشقة الصلاة فلتكررها في كل يوم خمس مرات، وأما مشقة الزكاة فلغلبة الشح على النفوس، فقد يحتمل الإنسان مشاق بدنيه دون أن يبذل شيئاً من ماله في وجه لا يراه يعود عليه بفائدة دنيوية عاجلة، ونرى كثيراً ممن لا يحافظون على الصلاة، ولا يؤدون زكاة أموالهم، قد يلتزمون الصوم، ويسافرون لأداء فريضة الحج.

فمن أجاب دعوة الصلاة والزكاة وسهل عليه أداؤهما، أجاب دعوة الصوم والحج عند الاستطاعة من غير تردد.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

(1) الحافل: التي اجتمع اللبن في ضرعها.

(2) الحزرة من المال: خياره.

المصدر: مجلة الهداية الإسلامية، المجلد الحادي عشر، محرم 1358 - الجزء 7

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا