السبت 5 شعبان 1439 - 21 أبريل 2018

مستقبل الإسلام

الأحد 4 جمادى الأولى 1439 - 21 يناير 2018 106 العلامة عبد الحليم محمود
مستقبل الإسلام

إنَّ الجراح التي أصابت المسلمين، خلال نصف القرن الأخير قد أيقظتهم من سباتهم وأقنعتهم بضرورة تبني الوسائل العلميَّة التي يَستخدمها غيرهم، وتذكر المسلمون أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) رواه ابن ماجه وغيره.

(فضل العلم من فضل العبادة) رواه الطبراني في الأوسط والبزار بإسناد حسن.

ولقد قام مصلحون عباقرة من أمثال الشيخ: محمد عبده، برسم السبيل الذي يجب على المسلمين أن يسيروا فيه، مُبرهنين على أنَّه يمكن التوفيق بين الإسلام ومُقتضيات الحضارة الحديثة، ولم يَمْضِ وقت حتى ذهب الكثير من الشباب في سائر البلاد الإسلاميَّة، إلى التعليم على الطريقة الأوروبية في سهولة تكيف عجيبة دون أن يَفقدوا شيئاً من أصالتهم الإسلامية والعربية، وسوف نرى عمَّا قريب العدد العديد من المسلمين يحتلون مكانهم في العالم الحديث ولا يهابون أن ينافسوا رجال الغرب في ميدان الحضارة العصرية.

لقد اعترض على إمكانية هذه النهضة بأنه يقف في سبيلها عقبات قوية هي: عقيدة القضاء والقدر، والتعصب، وتعدد الزوجات.

عقيدة القضاء والقدر:

فلنعرض سريعاً لهذه المسائل: هل عقيدة القضاء والقدر الإسلامية يمكن أن تتفق مع الجهاد الصحيح في سبيل التقدم؟

إذا كنا نجد بعض الوجاهة في شيء من النقد الموجَّه إلى المسلمين في هذا المجال، فلأن بعض المسلمين: من أمثال أتباع (المرابطين) يسيئون فهم التوكل، وعلى أي حال فلم يكن لهذا التوكل الأثر المبالغ فيه الذي يُراد إلصاقه به.

وعقيدة القضاء والقدر لا تشلُّ عملاً عند المسلمين، والدليل على ذلك أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان أنشط الناس وأكثرهم مُثابرة وجهاداً، والإسلام هو الدين الوحيد الذي جاء – عقب نشأته مُباشرة – بالفتوح الواسعة العجيبة، والحضارة العظيمة؟

إنَّ كلمة (إسلام) تَعني الرضاء بأوامر الله تعالى، أي بما لا يمكن لأي قوة إنسانية أن تحول دونه، ولكن ليس من مَعَانيها الخضوع للأمور التي يبدو أنها يمكن أن يغير مجراها العمل والإقدام: [قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ] {الأنعام:135} فهذه العقيدة – إذن – بعيدة كل البعد عن أن تكون مصدر ضعف... إنها على العكس من ذلك مصدر قوة نفسيَّة لا تضارع بالنسبة إلى المسلم تعينه على احتمال المحن والشدائد.

التعصُّب:

ونعرض – بعد ذلك – لموضوع التعصُّب فنقول إنَّ التعصُّب عند المسلمين أسطورة من تلك الأساطير التي لا تحصى، والتي أذاعها أعداء الإسلام في القرون الوسطى.

وفيما يَلي بعض الوقائع التي اخترناها من بين عدد كبير من أمثالها، نسردها هنا ليتمكن القارئ من الحكم في هذا حكماً صحيحاً.

يروي ابن جرير نقلاً عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنَّ رجلاً من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، وله ولدان مسيحيان، وهو مسلم، سأل الرسول صلى الله عليه وسلم فيما إذا كان يجب عليه إكراه ولديه على اعتناق الإسلام، وهما يرفضان كل دين غير المسيحية، فأنزل الله تعالى الآية الكريمة: [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] {البقرة:256}. 

وعندما جاء رسل نجران المسيحيون إلى المدينة ليفاوضوا النبي صلى الله عليه وسلم منحهم نصف مسجده للإقامة فيه وقام يوماً لجنازة، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال صلى الله عليه وسلم: (أليست نفساً؟؟) رواه البخاري.

والمسلمون – على عكس ما يعتقده الكثيرون – لم يستخدموا القوة – لإكراه غيرهم على الإسلام. وأن وجود المسيحيين في إسبانيا لَدليلٌ واضح على ذلك، فقد ظَلُّوا آمنين على دينهم طوال القرون الثمانية التي ملك فيها المسلمون بلادهم، وكان لبعضهم مناصب رفيعة في بلاط خلفاء قرطبة، ثم إذا بهؤلاء المسيحيين أنفسهم يصبحون أصحاب السلطان في هذه البلاد، فكان أول هم لهم أن يقضوا قضاء تاماً على المسلمين، وقد ألحقوا بهم أيضاً اليهود الذين عاشوا فترة آمنة هادئة تحت حكم المسلمين.

وفي كتابه (رحلة دينية في الشرق) يشيد الأب (ميشون) بالحقيقة في صيحته الصادقة: (إنَّه لمن المحزن بالنسبة إلى الدول المسيحيَّة أن يكون المسلمون هم الذين علَّموها مبادئ التسامح الديني الذي هو الناموس الأكبر للرحمة والإحسان بين الأمم).

وقد يُعارض قوم فيذكرون مذابح الأرمن، ويتساءلون: ما القول فيها؟ 

والرد على ذلك أنَّ المسلمين الحقيقيين يستنكرون كل شيء من هذا القبيل ما لم تدعُ إليه الفتن والمؤامرات، تماماً كما يَستنكر المسيحيون الحقيقيون مذبحة جميع المسلمين في إسبانيا.

والواقع أنَّ مذابح الأرمن لم تكن لأسباب دينيَّة، لأنَّ المسلمين لم يدرْ بخَلَدهم أبداً أن يَقْتدوا بأنصار (توركويمادا) فيخيرون الأرمن بين ترك المسيحية إلى الإسلام أو أن يحرقوا أحياء، وعلى أي حال، فالمسلمون لا يكرهون الناس على ترك معتقداتهم، وإذا كان الإسلام هو الدين الذي يجذب إليه أكثر الناس في أفريقيا وفي آسيا في عصرنا هذا، فذلك يرجع إلى نوع من الامتصاص المعنوي.

وإنَّ القدوة الحسنة عند المسلمين لهي أقوى أثراً في النفوس التقية من مُضايقات القسس المنصرين. ولقد اضطرَّ العالم (دوزي) رغم تعصُّبِه ضد الإسلام إلى الاعتراف بأن الكثير من المسيحيين الذين كانوا في إسبانيا (اعتنقوا الإسلام عن عقيدة).

والقاعدة التي يجري عليها المسلم، في علاقاته بأصحاب الديانات الأخرى هي تلك التي حددها القرآن الكريم في الآية الكريمة: [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] {الكافرون:6}.

وكيف لا يكون المسلم مُتسامحاً وهو يجلُّ الأنبياء الذين يجلهم اليهود والنصارى، فموسى عليه السلام بالنسبة إليهم (كليم الله)، وعيسى (روح الله) يجب تبجيلهم كما يبجل محمد صلى الله عليه وسلم (حبيب الله) [لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] {البقرة:136}.

ولن يجرؤ مسلم أبداً على التفوه بأقل بادرة في حق سيدنا عيسى صلى الله عليه وسلم، وكذلك لن يقبل أن يدع أحداً يتفوَّه بمثل هذا في حضرته، حتى ولو كان من يحدثه من هؤلاء المسيحيين الأصليين الذين يُريدون أن يجعلوا من عِيسى عليه السلام المسؤول عن الأخطاء الكهنوتيَّة.

وسبُّ المسيح لا شك يعتبر سباً للإسلام الذي يأمر باحترامه. ولقد أتيح لنا أن نشهد حادثاً عجيباً، وهو أن قاضياً مسيحياً حكم على رجل مسلم لضربه يهودياً بدرت منه أمامه أقوال بالغة الإسفاف في شأن ولادة عيسى صلى الله عليه وسلم.

ولنقارن الآن بين موقف الإجلال هذا الذي يقفه المسلمون من عيسى عليه السلام، وبين ما صنع الأوروبيون من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم.

ففي العصور الوسطى، كان الرهبان يصورونه تارة في صورة صنم بشع، وتارة في صورة سكِّير مدمن...الخ.

ولو أننا أردنا أن نثبت هنا كل ما تمخَّضت عنه قديماً مخيلات أعداء محمد صلى الله عليه وسلم لما انتهينا إلى حد، ولم يكن المستشرقون الأول بأقل عنفاً في مهاجمته صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الرهبان.

ومن زمن بعيد وأعداء الإسلام يُلحقون الأذى بالصحابة أيضاً، وقد ألَّف بعضهم تلك الأسطورة الذائعة التي تقول بأنَّ الخليفة عمر رضي الله عنه أحرق الإسكندريَّة، ولم يكن غرضهم من ذلك إلا أن يجعلوا الناس تنسى العمل الوحشي الذي قام به الكاردينال كسيمينيس من إحراق دور الكتب البديعة، وأولى هذه المكاتب هي مكتبة البروخيوم التي كانت تحتوي على أربعمائة ألف مجلد، وقد أحرقت أثناء الحرب التي نشبت بين قيصر والاسكندريين، وثاني المكاتب هي مكتبة السرابيوم التي ضمت في يوم من الأيام مائتي ألف مجلد أوصى بها لها أنطونيوس، وقد نهبت هذه المكتبة وخربت تماماً في عهد نيودوزيوس قبل ظهور الإسلام.

وهذه الخرافات السخيفة بدأت تتلاشى في أيامنا هذه، وهدأت تقريباً تلك الدسائس الخبيثة في حق رجل يشرف به – تاريخ الإنسانية نفسه وهو محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد يسأل سائل: ألا ينتهي الأمر بالمسلمين بعد أن تبنُّوا حضارة المسيحيين أن يتدينوا كذلك بالمسيحيَّة؟ ويكفينا للإجابة على هذا السؤال أن نورد رأي كاتب صريح في اعترافه بالواقع رغم تمسكه الشديد بدينه ذلك الكاتب هو: (الكونت دي كاستر) الذي يقول في مؤلف له ممتاز عن الإسلام: (الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا تجد فيه مرتدين... ومن العسير، بل من المحال أن نتصور صورة دقيقة للحال النفسية التي يكون عليها المسلم إذا ما حاول أحد المسيحيين أن يقنعه باعتناق المسيحية... لعلنا نجد صورة مقاربة لشيء كهذا إذا ما تخيلنا إحساسات وشعور مسيحي مستنير يحاول أحد الوثنيين أن يجتذبه إلى اعتناق خرافاته المرذولة).

العلة في بغض المسيحية للإسلام:

فما عسى أن تكون علة ذلك البغض الذي يلاحق به المسيحيون الإسلام حتى في عصرنا هذا، عصر التسامح، ولا نريد أن نقول عصر عدم المبالاة بالدين، في حين أن الإسلام يقدم لهم كثيراً من الأدلة التي تؤكد احترام عيسى وتبجيله صلى الله عليه وسلم؟

هل يكون ذلك لأن الإسلام كانت نشأته في آسيا؟

ولكن، ألم تكن المسيحية في جوهرها، ديانة آسيوية قبل أن يخلصها (بولس) القديس من اليهودية؟ وقد قال عيسى عليه السلام نفسه: (لم أرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة) (إنجيل متى 15-24).

ولعل العلة في العقيدة نفسها ؟ ولكن عقيدة الإسلام تكاد تكون مماثلة لعقائد بعض الفرق البروتستانتية التي تأثرت بالإسلام فاحتذت حذوه.

أو هل سبب ذلك يرجع إلى الآثار التي خلفتها الحروب الصليبية في النفوس؟

ذلك أمر لا شك فيه، فرغم مضي زمن طويل على هذه الحروب نجدها لا تزال تفعل فعلها المشؤوم في نفوس الكثير من الجهلاء.

ولكن هذا الأمر وحده، ليس بكاف لتفسير ما حكم به على الإسلام في أوروبا من نفي وتحريم.

فعلينا إذن أن نبحث عن تعليل آخر وسوف نتبين جلية الأمر إذا ما تأملنا المثل الذي تقدمه لنا ديانة أخرى، تقابل في أوروبا بمثل ما يقابل به الإسلام من النفوس والاضطهاد، وهي ديانة فرقة (المورون) وهي من الفرق البرتستانتية وقد أظهر أصحابها العجب العجاب من قوة العزيمة والذكاء والمثابرة، فأحالوا الصحراء ذات الأرض الملحة الكئيبة التي قطنت بها إلى بلد خصب زاهر، وكان على أهل أوروبا وأمريكا جميعاً أن يشيدوا بهذا العمل النافع لحضارة الإنسانية ومبدأ استحسانهم له.

ولكن سائر شيع المسيحيَّة، على العكس من هذا تناست أحقادها وخلافاتها الخاصة لتتألب على المورون لأنهم كالمسلمين يستحلون تعدد الزوجات!.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة الوعي الإسلامي، السنة الخامسة عشرة، ربيع الأول 1399 - العدد 171).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا