الأحد 13 محرم 1440 - 23 سبتمبر 2018

تعدد الزوجات -3- 

الخميس 23 ربيع الثاني 1439 - 11 يناير 2018 327 د. مصطفى السباعي
تعدد الزوجات -3- 

مساوئ التعدد

وهنا نجد من الإنصاف أن نذكر مساوئ التعدد بعد أن ذكرنا محاسنه.

1. فمن أهم مساوئه ما ينشأ بين الزوجات من عداء وتحاسد وتنافـس يؤدي إلى تنغيص عش الزوجية، وانشغال بال الزوج بتوافه الخصام بين الزوجات، مما يجعل حياته معهن جحيماً لا يكاد يطاق ، وحياتهن فيما بينهن نكداً لا يكاد ينتهي .

وقد اطلعت أثناء تبييض هذه المحاضرة على أبيات للمرحوم الشيخ عبد الله العلمي الغزي الدمشقي أوردها في تفسيره لسورة يوسف - الذي طبع - يصـور عذاب المتزوج باثنتين :

تزوجت اثنتين لفَـرْط جهلي وقد حاز البـلَى زوج اثنتين 

فقلت : أعيش بينهما خَروفاً أُنعّم بين أكـرم نعجتــين 

فجاء الأمر عكس الحال دوماً عذاباً دائمــاً ببليتيـــن 

رضا هذي يحرك سخط هذي فما أخلو من احدى السخطتين

وكثيراً ما يهيج الشر بينهن أن إحداهن تكون أحب إلى قلب الزوج من الأخرى أو من أُخراهن ، فيكون الحسد الذي لا يغثأ حدته إلى حكمة الزوج ، وهيهات إلا من أوتي أخلاق النبيين وعقل الفلاسفة والحكماء‍ .

2. إن هذا العداء ينتقل غالباً إلى أولاد الزوجات، فينشأ الأخوة وبينهم من العداء والبغضاء ما يؤدي في الكثير الغالب إلى متاعب للأسرة، وللأب خاصة ما يكون له أسوأ الآثار في استقرار الحياة الزوجية وسعادتها.

3. إنّ الزوج لا يمكنه العدل بين زوجاته في المحبة - كما أخبر الله تعالى - مهما حرص على العدل في النفقة والمعاملة، وفي ميل الزوج إلى زوجته الجديدة إيحـاش لقلب زوجته الأولى، وإيلام لها حيث تشعر أن زوجها كان لها خالصـاً، فأصبح لها من ينافسها في حبه وعواطفه ومسكنه ومأكله ومشربه. إن الحب لا يقبل مشاركة ولا مزاحمة، فكيف يقر للزوجة الأولى قرار بعد هذا الشريك المزاحم الجديـد ‍، وأي عذاب هذا الذي تستطيع أن تتحمله ودونه كل عذاب ‍.

4. وقد قيل في مساوئ التعدد إنه سبب من أسباب تشرد الطفولة في بلادنا، كما قيل مثله عن الطلاق.. ولكن التدقيق في دراسة التشرد وأسبابه وأماكنه يرد هذه الدعوى، ونذكر من ذلك أمراً بسيطاً، وهو أن التعدد في بلادنا كثيراً ما يقع في الريف، ويقصد منه أن يكون للأب أولاد كثيرون يساعدونه في زراعة الأرض التي يملكها، وهو لا يكون غالباً إلا من الموسرين كما تدل عليه الاحصاءات، ولا وجود للتشرد في الريف، ولا في أولاد الموسرين، وإنما هو موجود في المدن الكبرى وفي أولاد الفقراء، وفي اليتامى وأبناء المجرمين والمشردين، فللتشرد عوامل اجتماعية خاصة ليس تعدد الزوجات ولا الطلاق من أسبابه.

إن المساوئ الثلاثة الأولى هي التي تسلّم في مساوئ تعدد الزوجات، ولكـن أي نظام لا مساوئ له؟ ثم أي شيء في الدنيا يجري كما يحب كل إنسان ويهواه؟ ‍‍‍ ‍ على أن التدين الصحيح والتربية الخلقية الكاملة يخففان كثيراً من هذه الأضرار حتى كأنها لا وجود لهـا.

إن نظام التعدد لا ينفذ غالباً إلا عند الضرورات، وللضرورات أحكامها، وهو في رأيي كالعملية الحربية فيها آلام، وفيها ضحايا، ولكن إذا كانت لا بد منها، كانت دفاعاً مشروعاً يتحمل في سبيله كل تضحية وكل ألم، وإذا لم تكن ضرورية كانت عملاً جنونياً لا يقدم عليه عاقل، وهذا هو تماماً موقف كل إنسان وكل مجتمع من قضية التعدد.

ثم إن شعور المرأة بالألم لمزاحمة زوجة أخرى لها، لا يدفعه منع التعدد فما دام الرجل يتطلع إلى امرأة أخرى، فبماذا تحول زوجته دون انصراف عواطفه إلى تلك المرأة؟ إنه يستطيع أن يخونها، وأن يواصل تلك المرأة سراً ويعاشرها سراً، وقد تعلم ذلك ولكنها لا تستطيع أن تفعل معه شيئا ً، كما هو الواقع في حياة الغربيين، وفي حياة كثير من المنحرفين في بلادنا.. أليس الأكرم لها ولزوجها وللمرأة الأخرى أن يكون هذا اللقاء بعلمها ورضاها، وأن يكون مشروعاً على سنة الله ورسوله.

والرجل الذي يقتصر على امرأة واحدة ولا يحب زوجته، ألا يؤلمها ذلك؟ ألا ينغص عيشها؟ ألا يفقدها السعادة والهناء في حياتها الزوجية؟ ولكنها مـاذا تستطيع أن تفعل معه؟ أتجبره على حبها؟ هذا مستحيل ‍، أتحبسه في بيتها أتتوسل إليـه بالرقى والتعاويذ؟ إن الحب كما لا يقبل المزاحمة لا يقبل الإكراه فإذا ابتليت الزوجة بمن لا يحبها كان ذلك في الكتاب مقدوراً، ولا سبيل إلى دفع عذابها النفسي وألمها بسبب ذلك، فأما أن تخسر الزوج كله بالطلاق، وإما أن تخسر نصفه بالتعدد، فأيهما أكثر خسارة لها وأشد إيلاما ً؟ . 

انظر الحلقة الثانية هـــنا

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا