الأحد 13 محرم 1440 - 23 سبتمبر 2018

العمل عبادة وسيادة

الأحد 5 ربيع الثاني 1439 - 24 ديسمبر 2017 260 رابطة خطباء الشام
العمل عبادة وسيادة

 

عناصر المادة

1- الجامع للنهضة والقيادة هو العمل 2- الحاجة إلى جيل يعمل 3- ثواب العمل ووزر التسول 4- العمل الجماعي والتطوعي

مقدمة:

إن المسلم ما خُلق ليكون عالة، ولا ليكون نكرة في الحياة، ولا ليكون عطالاً بطالاً، بل خُلق للعبادة والعمل، خلق للإنتاج والإنجاز، قال الله في حق المسلم: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين} [فصلت: 33].

فليس المسلم تكملة عدد في الوجود، أو صفراً على الشمال في الرقم المعدود، ولن يكون المسلم بلا وظيفة ولا رسالة، ولن يكون أبداً على هامش الحياة بلا عمل ولا مهمة، بل المسلم هو العابد في مسجده، والتاجر في سوقه، والبنّاء في أرضه، والمزارع في بستانه، يملأ الأرض عبادة لله وعمارة لأرض الله، فهو كالغيث حيثما وقع نفع، يعمل لأخرته كأنه سيموت غداً، ويعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، يصدق عليه قول القائل:

عباد ليل إذا جــنَّ الظلام بهــــم كم عابد دمعــه في الخد أجراه

وأُسْدُ غابٍ إذا نادى الجهاد بهـم هبوا إلى الموت يستجدون لقياه

يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشـــيدون لنا مجـــــداً أضعناه

يردد دائماً قول ربه جل جلاله: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].

لذلك أخي أنت إليك هذه الكلمات، وأنت المقصود بهذه الخطبة، التي هي بعنوان: العمل عبادة وسيادة، وأنت أخي أهل لتجمع بين عبادة الله والسيادة لأرض الله.

قد هيئوك لأمرٍ لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ

1- الجامع للنهضة والقيادة هو العمل

إن الناظر في علو الأمم وحضارتها، وعزة الشعوب ونهضتها، وقوة الدول وسيادتها، يجد أن الجامع للحضارة والنهضة، والسيادة والقيادة، هو العمل، نعم إنه العمل الذي هو سر البقاء وروح النماء وأساس البناء قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

بل إن العمل مقصد من مقاصد خلق الله لنا، وغاية من أعظم الغايات لبقائنا، وهدف لوجودنا في أرضنا قال الله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].

إنه العمل الذي هو فعل الأنبياء، وسلوك النبلاء، ومنهج الشرفاء لذا قال الله مادحاً العمل والعمال فيما حكاه القرآنُ عن داود عليه الصلاة والتسليم: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80].

ومدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما أَكَلَ أَحَدٌ طعامًا قطُّ، خيرًا من أن يأكلَ من عملِ يدِه، وإنَّ نبيَّ اللهِ داودَ عليهِ السلامُ كان يأكلُ من عملِ يدِه) [ 1 ]

إن العمل إذن نعمة من نعم الله وإكرام من كرم الله، وبالعمل وصل داود عليه السلام للملك والسيادة، والعز والقيادة، وبالعمل حصل العبادة والسعادة.

2- الحاجة إلى جيل يعمل

إننا اليوم بأمس الحاجة إلى جيل يؤمن أن الحياة عمل وجهاد، وجد ونشاط، بحاجة لأيادي تعمل وتنتج، وسواعد تبني وتنجز، وتزرع وتحصد، فلن تكون كلمتنا من رأسنا إلا إذا كانت لقمتنا من فأسنا، فأمة لا تصنع طعامها جائعة، أمة لا تصنع سلاحها مهزومة، أمة لا تصنع ثيابها عارية، أمة لا تعمل لا تستحق الحياة.

وما نيل المطالــب بالتمنــــي ولكن تؤخــذ الدنيا غلابا

وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابا

لذا كان كلام نبينا صلى الله عليه وسلم واضح وصريح عندما هتف عبر الأجيال على منبره الشريف: (اليدُ العُلْيَا خيرٌ من اليدِ السفلى، فاليدُ العليا هي المُنْفِقَةُ، والسفلى هي السائِلَةُ) [ 2 ]

إن العمل في الدنيا عبادة وطاعة، بل أمر الله به عباده المرسلين، ومدحهم به فقال في محكم التنزيل: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص: 45].

فالمسلم يعمل ولا يكسل، يعطي ولا يبخل، دائم الجد والنشاط، يخرج لعمله بهمة وعزيمة وإقدام، لأنه يعلم أن العمل نوع من أنواع الجهاد، مستحضراً هذه الحادثة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان) [ 3 ]

ولقد نصح لقمان الحكيم ابنه يوماً: "يا بني استعن بالكسب الحلال فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة في دينه، وضعف في عقله، وذهاب مروءته وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به".

وقد سئل سفيان الثوري يوماً: دلني على عمل الأبطال؟ فقال: "كسب الحلال والإنفاق على العيال".

3- ثواب العمل ووزر التسول

إن للعمل أجراً عظيماً وثواباً كبيراً، قال الله تعالى: {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136].

وإني أود أن أبث لكم بشارة كبيرة، وهدية جليلة، للعاملين الصالحين، والتجار الصادقين، من فم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: (التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء) [ 4 ]

ما أجمل وأعظم وأجل من يجمع بين تقوى الله والعمل في أرض الله.

وهنا أذكر بأن المسلم لا تشغله الدنيا عن الآخرة، ولا تمنعه الدنيا من الآخرة بل يجمع بينهما، كما قال الله: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 37-38].

فكما أن المسجد يوصل للجنة، فإن العمل الصالح يوصل لمرافقة النبيين والصديقين والشهداء في الجنة، الله أكبر ما أعظم هذا الدين، كم قدّس العمل؟ وكم رفع من شأن العاملين؟ فالله الله يا إخوتي لا يجلسن أحدكم عطالاً بطالاً سائلاً متسولاً، وليذكر قول الإمام علي رضي الله عنه مردداً ومنشداً:

لحملي الصخرَ من قمَمِ الجبال أحـــبُّ الىَّ من منن الرِّجَالِ 

يقـولُ الناسُ في الكســبِ عارٌ فقلتُ العارُ في ذلِّ السُّؤَالِ

أيها المؤمنون: إن المسلم الحق يسعى لنفسه ولغيره طالباً للرزق المتاح، وقاصداً للكسب المباح، يأكل من كدّ يمينه، وعرق جبينه، عزيز النفس لا يذهب ماء وجهه بالسؤال، ولا يهين نفسه بمد يده متسولاً للمال، وكيف يمد يده للناس، ويجعل ظهره مداس؟ وهو يسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) [ 5 ]

فالمسلم يؤمن أن العمل والكسب حياة وعطاء، والبطالة والتسول موت وفناء، يؤمن أن العمل عزة وكرامة، والبطالة والتسول ذلة وخسة، يؤمن أن العمل أجر وثواب، والبطالة والتسول وزر وعقاب، لذلك يردد ويهتف بشعار المسلم العامل التاجر: دلني على السوق أي دلني على الكرامة والعز والشرف والرفعة، مردداً نشيد الصحابة وهم يبنون المسجد بأيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل

لقد حارب الإسلام البطالة والكسل ودعى إلى الانتاج والعمل، وأبى الإسلام إن يكون أتباعه عالة على الناس، يتسولوا خبز طعامهم، وملابس لستر عوراتهم، وينتظرون سلة إغاثتهم، رفض الإسلام أن يكون المسلم مكسور جناح، يطعمه ويسقيه غيره، وينتظر المعونة من هنا وهناك، فقد روي عن شقيق البلخي أنه ودَّع أستاذه إبراهيم بن أدهم لسفره في تجارة عزم عليها، وهو في الطريق الصحراوي رأى طائراً أعمى كسير الجناح، فجاء طائر صحيح فأطعم الطائر كسير الجناح تعجب شقيق.. من هذا المشهد وأثر فيه، فقال في نفسه: إذا كان الله تعالى يرزق هذا الطائر من غير حول منه ولا قوة ولم يهمله، فلماذا أذهب إلى التجارة ولماذا العناء والسفر وأنا في هذا السن؟! سأرجع وحتما سيرزقني الله وعاد إلى بيته.

وحين وصل زار شيخه فقال له الشيخ: لماذا عدت يا شقيق.. ألم تذهب للتجارة؟ سأرجع إلى بيتي وربي سيرزقني.

قال له إبراهيم بن أدهم: سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز الذي ينتظر عون غيره، ولا تكون أنت الطائر الآخر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمرة ذلك على من حوله؟! أما سمعت قول الفارق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة". 

وقد أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الإباء على المسلمين مد اليد، واعتبرها ذل ومهانة في الدنيا، وعار وشنار وعذاب في الآخرة، فها هو سيد العاملين محمد صلى الله عليه وسلم يأبى أن يعطي شاباً متسولاً شيئاً بل قال له: (اذهبْ فاحتطبْ وبعْ ولا أَرَينَّكَ خمسةَ عشرَ يومًا)، فذهب الرجلُ يحتطبُ ويبيعُ فجاء وقد أصاب عشرةَ دراهمَ فاشتَرَى ببعضِها ثوبًا وببعضِها طعامًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خيرٌ لكَ من أن تجيءَ المسألةُ نكتةً في وجهِكَ يومَ القيامةِ) [ 6 ]

إي والله العمل خير لكم، من ذل السؤال لغيركم، اكسب ما يكفيك، واعمل ما يغنيك، فإن الوصول للقمم، والقيادة للأمم، لا تكون إلا بالعمل والهمم:

ولم أجد الإنسـان إلا ابن سعيه فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا

وبالهمة العلياء ترقى إلى العلا فمــن كان أعلى همـة كان أظهـــرا

ولم يتأخـــر مـــن أراد تقــــدما ولم يتقــــــدم مـــــن أراد تأخـــــــرا

4- العمل الجماعي والتطوعي

اعلموا أن العمل رائع ونافع وماتع، العمل شرف لصاحبه وعز لكاسبه، والكاسب حبيب الله، والله يحب الرجل المحترف، وقيمة المرء فيما يتقنه ويعمله، لا فيما يقوله ويسأله، وإن أعظم ما يكون العمل نفعاً للناس (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس) [ 7 ]

وأجل ما يكون العمل أثراً في الحياة، هو العمل الجماعي نعم العمل الجماعي، وإن أعظم ما بلينا به في ثورتنا، وأخطر ما أصبنا به في جهادنا، العمل الفردي الذي أوصلنا لذل السؤال لعدونا، ولضياع الكثير من مكتسباتنا وانتصاراتنا.

إن الجهاد من أعظم الأعمال الصالحات للدنيا والآخرة، فهو الكسب الحلال كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (وجُعِلَ رِزْقي تحت ظِلِّ رُمْحي) [ 8 ]

والجهاد سيد الأعمال، فهو عمل الشجعان الأبطال، ولكن هذا العمل العظيم يجب أن تجتمع عليه الكلمة، ويلتف حوله الصف، وتتوحد عليه الراية، أليس الله قد قال لنا: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4].

أوليس النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لنا: (إن الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) [ 9 ]

وإن من إتقان الجهاد أن يكون في صف واحد بقائد واحد تحت علم واحد، فلنعمل على توحيد الكلمة، تحت كلمة التوحيد، فهذا أجل أعمالنا وأعظم واجباتنا.

فَلْيَنْطَلِقْ كُلُّ فَرْدٍ حَسْبَ طَاقَتِهِ يَسُــــدُّ ثَغْـــرَتَهُ سِـــرًّا وَإِعْلانَا

وَلْنَتْرُكِ اللَّـــوْمَ لا نَجْعَلْـهُ عُدَّتَنَا وَلْنَجْعَلِ الفِعْلَ قَبْلَ القَوْلِ مِيزَانَا

أخوتي وأحبتي: إن ما أعظم ما نفتقر إليه اليوم من الأعمال هو العمل التطوعي، هذا العمل الذي يدل على نبالة عامله، وشهامة فاعله، وقد مدح الله المتطوعين، ووعدهم الثواب العميم، فقال تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158].

فقم يا أخي من سُباتك، وانشط من تكاسلك، فإن الناس بحاجة لمن يقف معهم، ويسد جوعتهم، ويستر عورتهم، ويأوي نازحهم، ويكفل يتيمهم، ويداوي جريحهم، وينصر مظلومهم، فقم وبادر قبل أن تغادر.

أســمو وأجتاز الســـماء جلالا فأزيـــد أســراب الغيـــوم جمـــالا

وألون الدنيا بأجمــــل بســـمة وأكــــون للخيـــر العميــــم مثــالا

وأكون في عمل التطوع قـدوة وأصــوغ مـن عــــزم الرجال مجالا

فأكــون بالقيم العظيمة جدولا أســـقي الحياة محبــــة وجمــالا

"إني أكره أن أرى الرجل سبهلالاً" كلمة قالها عمر، ومعناها: أن لا يكون لك عمل لا للدنيا ولا للآخرة، فهذا هو الخسران المبين، فإن كنت لا تعمل فأمامك مئات بل آلاف المحتاجين، فانهض واقض حوائجهم، وتذكر هذه القصة الرائعة النافعة في العمل الطوعي: عَنِ ابْنِ عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا فُلانُ، أَرَاكَ مُكْتَئِبًا حَزِينًا؟ قَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، لِفُلانٍ عَلَيَّ حَقٌّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفَلا أُكَلِّمُهُ فِيكَ؟، قَالَ: إِنْ أَحْبَبْتَ، فَانْتَقَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَنَسِيتَ مَا كُنْتَ فِيهِ؟، قَالَ: لا، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ وَبَلَغَ فِيهَا كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنَ اعْتِكَافِ عَشْرِ سِنِينَ) [ 10 ]

أيها المؤمنون الأحرار والأبطال الثوار: إن من أعظم ما يجب أن يفكر فيه كل حر فينا، وكل مجاهد بيننا، أن يجعل له أثراً بعد موته، وأن يبقي له ذكراً بعد وفاته، أن تكون له بصمة، وأن يزرع بعده بذرة، تصبح شجرة مثمرة، نعم اسع واعمل لبقائك بعد موتك قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12].

نحن أمة لا تترك العمل بل نعمل لآخر نفس في حياتنا، كما علمنا معلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةً، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَغْرِسْهَا) [ 11 ]

سنرحل ويبقى الأثر.

دقاتُ قلـــبِ المـرءِ قائلَـــــةٌ له إن الحياةَ دقائــــقُ وثواني

فأرفع لنفسِك قبلَ موتِك ذكرَها فالذكرُ للإنسانِ عمـرُ ثاني

يا أهلنا في الشام وسائر أهل الإسلام: العمل العمل، نحن في حاجة إلى المخترعين والمبدعين، نحن بحاجة إلى المزارعين والصناعيين، بحاجة إلى حرفيين ومهندسين، بحاجة لمن يبنى الأوطان ويعلم الإنسان، بالعزم والعمل، نحقق الأمل، ونصل للقمم، ونقود الأمم، قال الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون} [التوبة: 105].

بِقَــدْرِ الْكَـدِّ تُكْتَســَبُ المعَالِي ومَنْ طلـب العُلا سَهرَ اللَّيالِي

ومـن طلـب العُلا من غير كَـــدٍّ أَضَاع العُمْرَ في طلـب الْمُحَالِ

العمل طريق السيادة في الدنيا.

العمل طريق السعادة في الجنة. 

اللهم اجعلنا من العاملين لديننا ودنيانا، إنك سميع مجيب.

1 - البخاري/2072

2 - البخاري/1429

3 - الطبراني في الأوسط/6835 وصححه الألباني.

4 - أخرجه الترمذي وحسنه/ 1209

5 - البخاري/1474 ومسلم /1040

6 - أبو داود/1641 وضعفه الألباني.

7 - الطبراني في الأوسط/6026

8 - البخاري/40

9 - المعجم الأوسط/797 وحسنه الألباني

10 - البيهقي في شعب الإيمان/ 3679

11 - الأدب المفرد/ 479 وصححه الألباني

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا