التعريف بالكتاب:
يُعَدّ كتاب «غاية المطلوب في أمراض القلوب ومقاماتها وأحوالها» للدكتور صلاح محمد أبو الحاج من المؤلفات المعاصرة المهمة في علم التزكية والسلوك، إذ جمع فيه مؤلفه بين التأصيل الشرعي، والتحليل التربوي، والاستقراء الواسع لكلام أئمة التصوف السني، مع حسن الترتيب والتهذيب والتبويب. وقد صدر الكتاب عن جامعة العلوم الإسلامية العالمية، ويقع في نحو أربعمئة وثمانين صفحة، ويهدف إلى معالجة أمراض النفس والقلب معالجة علمية تربوية، تستند إلى الكتاب والسنة، وتستفيد من تراث كبار أئمة السلوك كالإمام الغزالي والقشيري والسهروردي وابن عجيبة وغيرهم.
ينطلق المؤلف من فكرة مركزية مفادها أن صلاح الإنسان الظاهر لا يتحقق إلا بصلاح قلبه، وأن معظم الانحرافات الأخلاقية والسلوكية تعود في حقيقتها إلى أمراض باطنية مستقرة في القلب، ومن ثم فإن إصلاح الظاهر لا يتم إلا بمعالجة الجذور الباطنة لهذه الآفات. ولذلك أكّد المؤلف أن علم التزكية ليس مجرد وعظ أخلاقي أو تهذيب سلوكي سطحي، بل هو علم عميق يبحث في حقيقة الإنسان الباطنة، ويقف على علل النفس ومداخل الشيطان وآفات القلب، ثم يصف لها العلاج المناسب.
وقد صرّح المؤلف في مقدمته أن مادته العلمية اعتمدت بصورة أساسية على تراث الإمام أبو حامد الغزالي، ولا سيما كتاب «إحياء علوم الدين»، مع الإفادة من كتب علماء التزكية والسلوك، ثم قام بجمع تلك المادة وتهذيبها وترتيبها بأسلوب معاصر يسهل على الطالب والقارئ الانتفاع به.
وقسّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة فصول كبرى مترابطة، تمثل في مجموعها منهجًا متكاملًا لفهم القلب وأمراضه وطرق تزكيته.
فأما الفصل الأول فجاء بعنوان «مقدمات قلبية»، وهو بمثابة الأساس النظري الذي لا غنى عنه لفهم بقية الكتاب، وقد تناول فيه المؤلف معنى القلب وحقيقته ومكانته في الإسلام، وبيّن الفرق بين القلب الحسي والقلب المعنوي، كما تحدث عن النفس والعقل والروح وعلاقة هذه المصطلحات بعضها ببعض. ثم انتقل إلى بيان وظائف القلب وأصوله وصفاته وتقلباته، مع شرح دقيق لمداخل الشيطان ومراتب القلوب وأحكامها، وعلامات الأمراض القلبية وطرق اكتشافها ومعالجتها.
وفي هذا الفصل يظهر العمق العلمي للكتاب، إذ لا يقتصر المؤلف على النقل، بل يحاول تحليل البنية الداخلية للنفس الإنسانية، مستندًا إلى نصوص الوحي وكلام علماء السلوك. كما يبرز اهتمامه بالتربية العملية؛ فهو يؤكد أن العلم الصحيح أساس العمل والحال، وأن المقامات الإيمانية لا تتحقق إلا بعد فهم صحيح ومعرفة دقيقة بأحوال القلب وآفاته.
ثم يبيّن المؤلف مكانة القلب في الإسلام، وأنه محل المعرفة بالله، ومركز الإيمان والكفر، والصلاح والفساد، وأن الجوارح كلها تابعة له، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله». كما يبرز أثر القلب في قبول الأعمال وردّها، وفي معرفة الإنسان بنفسه وربه، وفي تحصيل العلوم والمعارف الإلهية.
ويتناول الكتاب بعد ذلك أنواع القلوب وصفاتها كما وردت في القرآن الكريم، فيتحدث عن القلب المريض، والقاسي، والغافل، والمختوم، والميت، والمتقلب، ثم يقابل ذلك بالقلب السليم والمطمئن والمخبت، مبينًا أسباب كل حالة وآثارها ووسائل علاجها. ويُعَدّ هذا المبحث من أهم مباحث الكتاب؛ لأنه يربط بين النصوص القرآنية والواقع النفسي والسلوكي للإنسان، ويحوّل المفاهيم الإيمانية إلى منهج عملي للتزكية والإصلاح.
أما الفصل الثاني فهو لبّ الكتاب ومحوره العملي، وقد خصصه المؤلف للحديث عن «أمراض القلوب»، فجمع فيه أشهر الآفات الباطنة التي تُفسد على الإنسان دينه وأخلاقه وسلوكه.
فبدأ بالكلام على حب الدنيا وما يتفرع عنه من الطمع والحرص والتعلق بالشهوات، ثم تناول مرض الكبر وما يتبعه من العجب والرياء واحتقار الناس وحب الظهور، ثم انتقل إلى الغضب وآفاته وآثارِه المدمرة على النفس والمجتمع، ثم ختم بالكلام على الهوى واتباع الشهوات، باعتباره أصلًا لكثير من الانحرافات القلبية والسلوكية.
ويتميّز هذا الفصل بأن المؤلف لا يكتفي ببيان التعريفات النظرية لهذه الأمراض، بل يتتبع جذورها النفسية، وأسبابها التربوية، ومظاهرها العملية، ثم يذكر وسائل علاجها بالتدرج، مستفيدًا من تجارب علماء السلوك والتربية عبر القرون. ولذلك يبدو الكتاب قريبًا من واقع الإنسان المعاصر، مع محافظته على أصالته الشرعية والتراثية.
وأما الفصل الثالث فجاء بعنوان «مقامات وأحوال القلب»، وفيه ينتقل المؤلف من جانب التخلي عن الرذائل إلى جانب التحلي بالفضائل والمقامات الإيمانية العالية.
فبدأ ببيان الفرق بين «الحال» و«المقام» عند علماء التزكية، ثم تحدث عن مقامات التوبة والورع، والرجاء والخوف، والزهد والفقر، والصبر والشكر، والتوكل والرضا، ثم ختم بالمراقبة والمحاسبة والمحبة.
ويظهر في هذا الفصل البعد الإيماني العميق للكتاب، إذ يعرض هذه المقامات لا باعتبارها مفاهيم تجريدية، بل باعتبارها أحوالًا عملية يعيشها السالك إلى الله تعالى، ويتدرج فيها شيئًا فشيئًا حتى يبلغ صفاء القلب وسلامته. كما يحرص المؤلف على الربط بين العلم والعمل، فيبين أن كل مقام يقوم على معرفة صحيحة، ثم يثمر حالًا قلبيًا، ثم ينعكس أثره على السلوك والعمل، وهو منهج متكرر في أبواب الكتاب جميعها.
ويمتاز الكتاب كذلك بلغة علمية واضحة، تجمع بين العمق والسهولة، وتوازن بين التحقيق العلمي والروح الإيمانية، كما يكثر فيه الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال السلف وأئمة التزكية، مما يمنحه أصالة وقوة في الاستدلال والتوجيه.
تأليف: أ. د. صلاح محمد أبو الحاج
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين