ملامح الوعي في الدعوة إلى الله تعالى

ملامح الوعي في الدعوة إلى الله تعالى

التصنيف: التربية والدعوة
الجمعة، ٢٢ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ - ١٢ كانون الأول ٢٠٢٥
214
تحميل البحث

التقديم للبحث:
يمثّل كتاب «ملامح الوعي في الدعوة إلى الله تعالى» واحدًا من أبرز الإسهامات المعاصرة في تجديد الفكر الدعوي وتقويم مساره على أسس متوازنة تجمع بين التجربة العميقة والنظر الشرعي المنضبط. وهو الكتاب الثالث في سلسلة مؤلفات المؤلف في هذا الحقل، بعد «ستون قاعدة في الدعوة إلى الله تعالى» و«هكذا علمتني الدعوة إلى الله»، لكنه يأتي –كما يصرّح المؤلف نفسه– في مستوى أعلى من النضج والتحليل موجَّهٍ بالأساس للدعاة لا لطلبة العلم المبتدئين، لأنه عصارة تجربة علمية وحياتية طويلة، لا مجرد تنظير أكاديمي مجرد.

أولًا: طبيعة الكتاب وهدفه العام
يهدف الكتاب إلى تأسيس وعي دعوي رشيد يتجاوز الانفعال، ويمنح الداعية قدرة على النظر في الواقع وتقدير المصالح وترتيب الأولويات، عبر منهج يزاوج بين الحكمة، والعمق، والوسطية، ونقد الأخطاء الدعوية التي شاعت في عصرنا. يقدّم المؤلف رؤية متوازنة بحسّ تربوي نابع من مدرسة النبوة، ومن خبرة شخصية ثرية في ميادين التعليم والدعوة والسلوك.

وتُظهر تقاريظ العلماء الذين اطّلعوا على الكتاب –كالعلامة صلاح الدين الإدلبي والدكتور عبد الجواد الصباغ– أن هذا العمل يقوم على التجربة الواقعية لا على التنظير المجرد، مستفيدًا من مدرسة النبوة والسيرة والحديث في تحليل السلوك الدعوي ومشكلاته.

ثانيًا: مباحث الكتاب وأبوابه الأساسية
لا يأتي الكتاب في أبواب كلاسيكية صريحة كما في المؤلفات الأكاديمية، بل يُبنى على مقاطع متتابعة قصيرة، تمثّل «لمحات» أو «مشاهد فكرية وتربوية» تركّز كلٌّ منها على جانب من جوانب الوعي الدعوي. ومع ذلك يمكن جمع محتواه ضمن خمسة محاور رئيسة:

1- الوعي بحقيقة الدعوة ومنهجها
في هذا القسم يركّز المؤلف على تعريف الوعي الدعوي، مبينًا أنه ليس مجرد معلومات أو ثقافة، بل ملكة عقلية ونفسية تُصاغ عبر التجربة، والاحتكاك بالعلماء، والتأمل في النصوص، والوقوف على سنن الله في التربية والدعوة.
ويبرز هنا دور الوسطية والتوازن باعتبارهما بوصلة ينبغي لكل داعية أن يحملها، فلا ينجرف إلى الإفراط والإقصاء ولا إلى التفريط والتمييع. وتصف النصوص هذا التوازن بأنه «نور يمضي بصاحبه نحو الهدى» ولا يتأتى إلا بالإلمام العميق بالعلوم الشرعية وبثقة العقل وثبات القلب.

2- الوعي بالنفس والداعية وأخطائه
يُعنى المؤلف كثيرًا بسلوك الداعية في نفسه:
- ضبط دوافعه.
- تهذيب انفعالاته.
- الوعي باختلاف الناس وتنوع أفهامهم.
تجنّب «المراهقة الدعوية» التي وضع لها المؤلف توصيفًا دقيقًا، موضحًا أنها مرحلة ذهنية وسلوكية لا ترتبط بعمر معين، بل تظهر عندما يضطرب ميزان العقل ويتضخم الشعور بالذات، فيتحول الداعية إلى صاحب أحكام متسرعة وقرارات مضطربة
كما يتضمن الكتاب مشاهد واقعية من حياة المؤلف ومن خبرات الدعاة، توضّح الأخطاء التي يقع فيها البعض عند الانجرار وراء الانفعالات أو الحساسية المفرطة أو سوء الظن أو التعجل في إصدار الأحكام، مثل قصة الرجل الذي اتُّهم بغير تثبت، ليعلّم المؤلف ضرورة الالتزام بقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾

3- الوعي بالمدعوين وطبائعهم
يقدم المؤلف ملامح دقيقة في فهم الناس، من حيث مقاماتهم، وقدراتهم، ومستوياتهم العلمية، وأعمارهم الفكرية، وطبائعهم النفسية.
ويفصل في خطأ مخاطبة الناس بما لا يناسب ظروفهم أو واقعهم، وضرب مثالًا بداعٍ جاء من خارج بلده فوقف في أمريكا يحدّر الناس من الطواف حول القبور، مع أن واقع المستمعين مختلف تمامًا، ليؤكد المؤلف أن الداعية لا بد أن يقدّر الزمان والمكان والجمهور قبل الكلام

4- الوعي بالأولويات الدعوية
يركّز المؤلف على أهمية ترتيب الأولويات، وعدم الانجرار وراء الانشغالات الهامشية أو القضايا الجدلية التي تشغل الدعاة عن مهامهم الأساسية. ويعرض نماذج واقعية لخلط الأولويات، مثل الخطيب الذي انصرف عن بيان حكم الربا –لأن في المجلس صاحب مصرف– وبدأ يتحدث عن الابتسامة ونظافة المساجد، في مشهد مكثّف يعبّر عن ضياع بوصلة الوعي عند بعض المتصدرين

5- الوعي بالمسؤولية الشرعية والأخلاقية
يتضمن الكتاب مباحث حول:
- أخلاق الداعية.
- أدب الخلاف.
- خطر التصنيف المتسرع.
- الحاجة إلى الحكمة في معالجة الشبهات.
- تجنب القسوة الفكرية والإقصاء.
ويحذر المؤلف من تحوّل بعض الدعاة إلى «سائقين يعبثون بمسار الدعوة» بتحويل وجهتها تبعًا لنزواتهم لا لمقاصد الشريعة، داعيًا إلى تأسيس خطاب واعٍ يقوم على الإقناع، والرفق، والتدرّج، ومراعاة النفوس.


ثالثًا: منهج الكتاب ومصادره
يقوم منهج المؤلف على عدة ركائز:
- الاستشهاد بالنصوص الشرعية من القرآن والسنة.
- عرض مشاهد واقعية من تجارب شخصية وتجارب علماء معاصرين.
- التأمل التربوي والتحليل النفسي لمسارات الدعوة وأخطاء العاملين فيها.
- الاستفادة من مدرسة السيرة النبوية وتوجيهات الصحابة والتابعين.
- التركيز على الحكمة العملية لا على المعلومات الجافة.

يمكن تلخيص الكتاب في أنه خارطة وعي دعوي مكوّنة من عشرات اللمحات التي تحاول حماية الداعية من ثلاثة مخاطر أساسية:
- الجهل بسنن الدعوة
وهو ما يجعل الداعية يصطدم بالناس وبالواقع دون بصيرة.

- الانفعال والمراهقة الدعوية

بما تؤدي إليه من قرارات خاطئة وتصرفات غير محسوبة.

- فقدان الوسطية والتوازن
وهو من أشد ما ينفر الناس ويشوّه صورة الدعوة.

ويهدف المؤلف إلى إعادة بناء الداعية: علمًا، وخلقًا، ونظرًا، وميدانًا، حتى يصبح قادرًا على ممارسة دوره بوعي ناضج وحكمة راسخة.


تأليف: د. أبو النصر عطار

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

أبحاث ذات صلة

يمكنكم تحميل الأبحاث بعد الإطلاع عليها

التربية والدعوةنظرات في الخطاب الإسلامي المعاصر

نظرات في الخطاب الإسلامي المعاصر

السبت، ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٤ أيار ٢٠١٣
التربية والدعوةمرجعيّة  القيم عند المسلم

مرجعيّة القيم عند المسلم

السبت، ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٤ أيار ٢٠١٣
التربية والدعوةأدب الاختلاف في الإسلام

أدب الاختلاف في الإسلام

السبت، ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٤ أيار ٢٠١٣