التقديم للبحث:
يأتي هذا العمل الأدبي الموسوم «في فقد الأمهات» بقلم الدكتور عبد الحكيم الأنيس ليُلامس واحدًا من أعمق المشاعر الإنسانية وأصدقها، وهو شعور الإنسان عند فقد أمه؛ ذلك الفقد الذي لا يندمل أثره مهما امتد الزمن، ولا يملأ فراغه شيء. وقد صاغ المؤلف موضوعه بأسلوب يجمع بين حرارة العاطفة، وجمال البيان، وعمق الاستشهاد، فجاء النص رحلة وجدانية مؤثرة تمتزج فيها التجربة الإنسانية بالأدب الرفيع، وتلتقي فيها الحكمة بالتاريخ، والسيرة بالشعر.
لا يقتصر الكتاب على التعبير عن الحزن، بل يرسم صورة سامية لمكانة الأم في الإسلام وفي وجدان الإنسان، مستشهدًا بمواقف من السيرة النبوية، وبشهادات كبار المفكرين والأدباء الذين خلّدوا تجاربهم الشخصية مع فقد أمهاتهم، فتنكشف للقارئ حقيقة هذا المصاب العظيم الذي تتشابه أمامه القلوب مهما اختلفت الأزمنة والبلدان.
ويزداد الكتاب ثراءً حين ينتقل إلى روائع الشعر العربي، فيختار نماذج من أبلغ المراثي التي قيلت في الأمهات، فيعرضها عرضًا أدبيًا رصينًا، ويقف عند صورها ومعانيها، كاشفًا ما تختزنه من صدق العاطفة وروعة التصوير، حتى يشعر القارئ أنه يعيش مع الشعراء لحظات الفقد وآلام الفراق.
ويمتاز هذا العمل بلغته الجزلة الرقيقة، وبأسلوبه الذي يوازن بين الإمتاع والإقناع، فلا يغرق في العاطفة المجردة، ولا يكتفي بالسرد التاريخي، وإنما يبني لوحة متكاملة تتضافر فيها النصوص القرآنية والنبوية، وأقوال العلماء، وذكريات الأدباء، وروائع الشعر، لتخرج في بناء أدبي متماسك يلامس القلب ويوقظ الوجدان.
هذا الكتاب رسالة وفاء وبر، وتذكير بقيمة الأم وفضلها، ودعوة إلى اغتنام وجودها وبرّها قبل أن يتحول الحنين إليها إلى ذكرى لا يملك الإنسان بعدها إلا الدعاء والدموع. ولهذا يعد هذا العمل من النصوص الأدبية المؤثرة التي تجمع بين جمال الأسلوب، وسمو الفكرة، وصدق العاطفة، فتستحق أن تُقرأ بتأنٍّ، وأن تُجعل من النصوص التي تُذكّر القلوب بعظيم حق الوالدين، وبخاصة الأم، التي تبقى أعظم نعمة يدرك الإنسان قيمتها كاملة حين يفقدها
بقلم: عبدالحكيم الأنيس
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

