ضوابط الاختيار الفقهي

ضوابط الاختيار الفقهي

التصنيف: الفقه والأصول
الجمعة، ٧ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ - ١٨ أيلول ٢٠٢٦
26
تحميل البحث

التعريف بالبحث:
يتناول بحث «ضوابط الاختيار الفقهي» لإسماعيل إبراهيم فيوض إشكالية الاختيار بين الأقوال الفقهية في ظل التحولات المعاصرة وتعدد الاجتهادات والمذاهب، مع التركيز على بيان الحدود العلمية والشرعية التي تضبط الأخذ بالقول الفقهي، وتمنع انحراف التيسير المشروع إلى التساهل المذموم أو تتبع الرخص. وينطلق البحث من التمييز بين الأحكام الشرعية الثابتة التي لا تقبل التغيير، وبين الفتاوى والاجتهادات المبنية على الأعراف والمصالح وتحقيق المناط، مؤكدًا أن مراعاة أحوال المكلفين ورفع الحرج أصل معتبر في الشريعة، لا يعني إسقاط الضوابط العلمية أو تقديم الهوى على الدليل.


أولًا: هدف البحث ومنهجه
يهدف البحث إلى تحرير جملة من المسائل التي يكثر الخلط بينها في الخطاب الفقهي المعاصر، ولا سيما أصل الالتزام بأحد المذاهب الفقهية الأربعة، وحكم الخروج عنها، وحكم أخذ الفقيه المتأهل بقول خارج عنها، فضلًا عن مسألة تتبع الرخص والعمل بالقول الضعيف داخل المذهب الواحد، وما يرتبط بذلك من تطبيقات معاصرة.

ويعتمد البحث على المنهج التحليلي الأصولي النقدي، من خلال عرض أقوال العلماء وأدلتهم، وتحليل علل الأحكام ومناقشة دعوى الإجماع، مع الاستفادة من الاستقراء التاريخي لنشأة المذاهب الفقهية وانتشارها وتدوينها. كما يسعى إلى التمييز بين الأحكام المتعلقة بعمل المكلف لنفسه، وبين ما يتصل بالإفتاء والقضاء، لما يترتب على الأخيرين من آثار تتجاوز الاختيار الفردي.


ثانيًا: مباحث البحث وأبوابه

الباب الأول: أصل الالتزام بالمذاهب الأربعة والخروج عنها
يبحث هذا الباب في مسألة التمذهب والخروج عن المذاهب الفقهية الأربعة، وينتظم في سبعة فصول:

الفصل الأول: أصل الإلزام بالتمذهب بمذهب معين. يعرض اتجاه القائلين بلزوم اتباع المذاهب الأربعة، واتجاه القائلين بعدم وجوب التزام مذهب معين، مع مناقشة الأدلة والنقول الواردة عن العلماء. ويخلص البحث إلى ضرورة التفريق بين عدم وجوب التمذهب بمذهب محدد وبين إباحة انتقاء الأقوال لمجرد موافقتها للهوى.

الفصل الثاني: دعوى الإجماع وعلة المنع من تقليد غير المذاهب الأربعة. يتناول العلة التي استند إليها المانعون، وهي عدم انضباط مذاهب غير الأربعة وتدوينها، ويناقشها من خلال أقوال ابن الصلاح وابن رجب وابن حجر الهيتمي وغيرهم.

الفصل الثالث: مناقشة دعوى الإجماع وعدم انحصار المذاهب تاريخيًا في الأربعة. يستعرض اعتراضات العلماء على دعوى الإجماع، ويبين أن المذاهب الفقهية المتبوعة في تاريخ الأمة كانت أوسع من المذاهب الأربعة، ومن أمثلتها مذاهب الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وداود والطبري، وأن بقاء المذاهب الأربعة وانتشارها ارتبط بعوامل علمية وتاريخية ومؤسسية.

الفصل الرابع: جواز أخذ الفقيه المتأهل بقول خارج عن المذاهب الأربعة. يعرض نصوص العلماء الدالة على اعتبار قوة الدليل وظهور الحق، ولا سيما ما نقله الذهبي وابن تيمية، مع بيان أن أهلية النظر والترجيح تؤثر في الحكم على الأخذ بالقول الفقهي.

الفصل الخامس: علة الضبط والتدوين. يناقش مدى صلاحية عدم اكتمال التدوين المذهبي مانعًا من اعتبار القول الفقهي، ويقرر أهمية التحقق من ثبوت القول عن قائله ومعرفة شروطه وقيوده ومدركه.

الفصل السادس: اختلاف الحكم بين العمل الشخصي والإفتاء والقضاء. يوضح أن الحكم قد يختلف باختلاف مجال العمل؛ فاختيار المكلف لنفسه ليس كالإفتاء للغير أو الحكم القضائي، لما يترتب على الأخيرين من آثار عامة وتنظيمية.

الفصل السابع: الترجيح والضوابط. يختتم الباب بتحرير الراجح في المسألة ووضع الضوابط التي تمنع إطلاق المنع أو الجواز دون مراعاة اختلاف الأحوال والأهلية والمآلات.


الباب الثاني: تتبع الرخص والعمل بالقول الضعيف
يتناول هذا الباب صورتين من صور الاختيار الفقهي، مع بيان الفروق بينهما:

الفصل الأول: تتبع الرخص. يبحث في اختيار المكلف القول الأيسر من بين أقوال المجتهدين المختلفين، سواء أكانوا من أئمة المذاهب الأربعة أم من غيرهم. ويؤكد البحث أن عدم لزوم مذهب معين لا يساوي إباحة تتبع الرخص، وأن الاعتبار يكون بالقصد والحاجة والدليل والمآل، لا بمجرد الرغبة في التخفيف.

الفصل الثاني: العمل بالقول الضعيف. يتناول العمل بالقول غير الراجح داخل المذهب الواحد، ويفرق بين العمل به في خاصة النفس وبين الإفتاء أو الحكم به للغير. ويقرر أن العمل بالقول الضعيف ليس ممنوعًا ولا مباحًا بإطلاق، بل تحكمه اعتبارات، من أهمها الضرورة أو الحاجة المسوغة، وثبوت القول ونسبته إلى قائله، ودرجة اعتباره داخل المذهب، مع مراعاة ما يترتب على الإفتاء والقضاء من آثار.


ويخلص الباب إلى أن تتبع الرخص أوسع نطاقًا من العمل بالقول الضعيف؛ فالأول يتعلق بالانتقال بين أقوال مجتهدين متعددين، والثاني يتعلق بقول غير راجح داخل مذهب واحد، وأن الجامع بينهما هو ضرورة ضبط الاختيار الفقهي بموازين القصد والحاجة والدليل والمآل.


الباب الثالث: قضايا معاصرة في التمذهب واللامذهبية: تحرير وتمييز
يعرض هذا الباب جملة من القضايا التطبيقية المعاصرة المرتبطة بالتمذهب واللامذهبية والاجتهاد، ويهدف إلى تفكيك بعض الدعاوى والمسلمات التي تتردد في الخطاب الفقهي المعاصر، والتمييز بين اختلاف المناهج الفقهية، وتنوع مراتب العلماء، والعوامل التاريخية والمؤسسية التي أثرت في استقرار المذاهب وانتشارها.

كما يؤكد ضرورة عدم الخلط بين الانتساب إلى مذهب فقهي وبين الجمود على جميع أقواله، أو بين الاستقلال في النظر والاجتهاد وبين إسقاط قيمة المذاهب والتراث الفقهي. ويتناول هذا الباب أيضًا أثر الحاجة وعموم البلوى والنوازل المركبة في اختيار القول الفقهي، مع مراعاة الضوابط الشرعية والعلمية.


ثالثًا: أهم النتائج
لا يثبت إجماع ملزم يوجب على المسلم التمذهب بمذهب معين في أصل الأمر، ولا إجماع أصولي يحرم تقليد غير الأئمة الأربعة على الإطلاق.

أن عدم انضباط مذاهب غير الأربعة يمثل علة معتبرة في حق من لا يستطيع التحقق من أقوالها وشروطها، لكنه لا يقتضي منع الأخذ بها مطلقًا متى تحققت المعرفة والضبط.

جواز أخذ الفقيه المتأهل بقول خارج عن المذاهب الأربعة إذا ظهر له رجحانه بالدليل، مع مراعاة أهلية النظر والتحقق من نسبة القول ومعرفة شروطه وقيوده.

أن بقاء المذاهب الأربعة وانتشارها لا يعني انحصار المذاهب الفقهية المعتبرة تاريخيًا فيها، بل ارتبط بعوامل علمية وتاريخية واجتماعية ومؤسسية.

ضرورة التفريق بين عمل المكلف لنفسه وبين الإفتاء والقضاء، إذ تتسع آثار الحكم في المجالين الأخيرين، وتبرز فيهما اعتبارات المصلحة العامة واستقرار الأحكام ووحدة العمل القضائي.

أن تتبع الرخص والعمل بالقول الضعيف صورتان مختلفتان من الاختيار الفقهي، ولا يصح الخلط بينهما، كما لا يصح إطلاق المنع أو الجواز في أي منهما دون مراعاة الضوابط.

أن التيسير الفقهي المنضبط أصل شرعي معتبر، لكنه لا يبرر انتقاء الأقوال الشاذة أو اتباع الهوى أو إسقاط التكاليف.


رابعًا: أهم الضوابط المستخلصة
ينبغي أن يقوم الأخذ بالقول الخارج عن المذاهب الأربعة على ثبوت نسبته إلى قائله، ومعرفة حقيقة مذهبه في المسألة وشروطه وقيوده، وتحقق أهلية الآخذ للنظر والترجيح بحسب المقام، وقيام دليل معتبر على رجحانه، وعدم مخالفته لنص قطعي أو إجماع ثابت، وانتفاء قصد التشهي وتتبع الرخص، مع مراعاة خصوصية القضاء وما يترتب عليه من آثار عامة.

خاتمة
يقدم البحث معالجة أصولية لمسألة الاختيار الفقهي، ويؤكد أن المنهج الأقرب إلى التحقيق لا يقوم على ثنائية مطلقة بين المنع والجواز، وإنما على التفصيل بحسب صفة الآخذ، ومجال العمل، وقوة الدليل، ودرجة الحاجة، ومآلات الحكم. كما يبرز أن احترام المذاهب الفقهية والاستفادة من تراثها لا يتعارض مع اعتبار الدليل وفتح مجال الاجتهاد المنضبط، وأن التيسير المشروع لا يتحقق بإلغاء الضوابط، بل بالجمع بين قوة الدليل ومراعاة مقاصد الشريعة وأحوال المكلفين.


بقلم: إسماعيل إبراهيم فيوض

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

أبحاث ذات صلة

يمكنكم تحميل الأبحاث بعد الإطلاع عليها