المقاصد الكبرى للقرآن الكريم.. دراسة تأصيلية

المقاصد الكبرى للقرآن الكريم.. دراسة تأصيلية

التصنيف: التفسير وعلوم القرآن
الجمعة، ١٧ رمضان ١٤٤٧ هـ - ٦ آذار ٢٠٢٦
1005
تحميل البحث

التعريف بالبحث:
يُعَدّ هذا البحث العلمي الموسوم بـ «المقاصد الكبرى للقرآن الكريم» للدكتور طه عابدين من الدراسات القرآنية العميقة التي تنتمي إلى حقل «التفسير المقاصدي»، وهو الحقل الذي يسعى إلى الكشف عن الغايات العليا والمرامي الكلية التي نزل من أجلها القرآن الكريم، بعيدًا عن الاقتصار على الفهم التجزيئي أو الوقوف عند حدود المعاني الجزئية للآيات. ويأتي هذا العمل في سياق الحاجة الملحّة إلى إعادة قراءة النص القرآني قراءة شمولية تستحضر وحدة موضوعه، وترابط مقاصده، ودوره في بناء الإنسان والحضارة، لا مجرد كونه نصًا تعبديًا يُتلى دون استحضار غاياته الكبرى.

ينطلق المؤلف من رؤية منهجية واضحة مفادها أن القرآن كتاب هداية شامل، موجَّه إلى الإنسان فردًا ومجتمعًا، عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا وسلوكًا، وأن فهم مقاصده الكبرى شرط أساس لتحقيق هذه الهداية على الوجه الصحيح. ولذلك يؤكد منذ البداية أن الاقتصار على تفسير الألفاظ أو بيان الأحكام دون إدراك الغايات الكلية يؤدي إلى قصور في الفهم، وربما إلى انحراف في التطبيق. ومن هنا يهدف البحث إلى إعادة مركزية «المقصد» بوصفه البوصلة التي تضبط فهم النص القرآني وتمنع تفكيكه أو إساءة توظيفه.

يتكوّن البحث من أبواب وفصول مرتبة ترتيبًا علميًا متدرجًا؛ يبدأ بتأصيل مفهوم «المقاصد» في اللغة والاصطلاح، وبيان تطوره في التراث الإسلامي، خاصة في علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة، ثم ينتقل إلى بيان خصوصية «المقاصد القرآنية» وتميّزها عن المقاصد التشريعية الجزئية. ويبرز المؤلف أن المقاصد الكبرى للقرآن ليست مجرد موضوعات متفرقة، بل هي محاور مركزية تدور حولها سائر آياته، وتُستنبط من تكرار القضايا، ومن هيمنة معانٍ بعينها على الخطاب القرآني، ومن وحدة البناء الموضوعي للسور.

وفي الباب المتعلق بالمنهج، يضع المؤلف جملة من الضوابط العلمية لاستنباط المقاصد الكبرى، من أهمها: الاستقراء التام للنصوص، ومراعاة السياقات، والنظر في مقاصد السور، والتمييز بين المقاصد والوسائل، والاستفادة من أقوال المفسرين دون الجمود عليها. كما يؤكد أن المقاصد الكبرى تتسم بخصائص محددة، منها الشمول والاستمرار والارتباط الوثيق بغاية الخلق والرسالة، وأنها تتجاوز حدود الزمان والمكان.

أما في الأبواب التطبيقية، فيستعرض البحث أهم المقاصد العليا التي يدور حولها القرآن الكريم، وفي مقدمتها مقصد التوحيد، الذي يُعَدّ الأصل الذي تتفرع عنه جميع المقاصد الأخرى. ويبيّن المؤلف أن القرآن — من أوله إلى آخره — يسعى إلى ترسيخ عبودية الله وحده، وتحرير الإنسان من عبودية الهوى والطاغوت، وأن القصص القرآني، والجدل العقدي، والتشريعات، كلها تصب في هذا الاتجاه.

ويلي ذلك مقصد الهداية الشاملة، حيث يُصوَّر القرآن باعتباره نورًا يخرج الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والإيمان. ويؤكد المؤلف أن هذه الهداية ليست نظرية فحسب، بل عملية، تشمل توجيه الإنسان في عباداته ومعاملاته وأخلاقه وعلاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فالقرآن — في نظر البحث — ليس كتابًا للوعظ المجرد، بل منهج حياة متكامل.

ومن المقاصد المحورية كذلك مقصد تزكية النفس وبناء الإنسان الرباني؛ إذ يركّز البحث على الدور التربوي العميق للقرآن في إصلاح القلوب، وتنقية الدوافع، وترسيخ القيم، وصناعة الضمير الحي. ويُظهِر المؤلف كيف تتكرر في القرآن الدعوة إلى الصبر، والشكر، والتوكل، والصدق، والإحسان، بوصفها أسسًا لتكوين الشخصية المؤمنة القادرة على حمل رسالة الاستخلاف.

كما يتناول البحث مقصد إقامة العدل وصيانة الكرامة الإنسانية، مبينًا أن القرآن جاء ليؤسس مجتمعًا يقوم على القسط، ويحارب الظلم بكل صوره، سواء كان ظلمًا فرديًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا. ويبرز المؤلف كيف تتكامل الأحكام التشريعية مع المبادئ الأخلاقية لتحقيق هذا الهدف، وكيف يُقدِّم القرآن نموذجًا لمجتمع متراحم متكافل يحفظ الحقوق ويصون الحريات في إطار العبودية لله.

ومن المقاصد التي يحللها البحث أيضًا مقصد العمران الحضاري، حيث يبيّن أن القرآن لا يقتصر على إصلاح الفرد، بل يهدف إلى بناء أمة شاهدة على الناس، تحمل رسالة الخير إلى العالم. ويربط المؤلف بين هذا المقصد وبين السنن الإلهية التي تحكم قيام الحضارات وسقوطها، كما وردت في قصص الأمم السابقة، مؤكدًا أن القرآن يقدّم فلسفة متكاملة للتاريخ والاجتماع الإنساني.

ويفرد البحث مساحة لمقصد التعريف بالآخرة وربط الإنسان بالمصير الأبدي، مبينًا أن استحضار الحساب والجزاء عنصر جوهري في المنظومة التربوية القرآنية. فالحديث المتكرر عن البعث والجنة والنار يهدف إلى بناء وازع داخلي يضبط السلوك حتى في غياب الرقابة البشرية، ويمنح الحياة معنى يتجاوز حدود الدنيا.

ومن أبرز ما يميّز البحث تأكيده على ترابط هذه المقاصد وتكاملها؛ إذ لا يمكن فهم أي مقصد بمعزل عن غيره. فالتوحيد يقود إلى الهداية، والهداية تثمر التزكية، والتزكية تؤسس للعدل، والعدل يحقق العمران، وكل ذلك مرتبط بالإيمان بالآخرة. وهكذا تتشكل منظومة هداية متكاملة تجعل القرآن كتاب بناء شامل للإنسان والمجتمع.

كما يناقش المؤلف أثر استحضار المقاصد الكبرى في تجديد الفهم الديني، وفي تصحيح مسار الدعوة والتربية، محذرًا من الانشغال بالخلافات الجزئية على حساب القضايا الكبرى التي جاء القرآن لإقامتها. ويرى أن العودة إلى المقاصد القرآنية كفيلة بتوحيد الجهود، وإحياء روح الدين، وربط المسلمين برسالة القرآن الحقيقية.

ويختم البحث بالتأكيد على أن تدبر القرآن في ضوء مقاصده العليا يفتح آفاقًا واسعة للفهم والعمل، ويحوّل علاقة المسلم بالقرآن من علاقة تلاوة شكلية إلى علاقة تفاعل وبناء وتغيير. كما يشير إلى أن هذه المقاصد تمثل الميزان الذي تُقاس به الأفكار والمناهج، وأنها الطريق الأمثل لتحقيق الاستخلاف الإنساني الذي أراده الله.

وخلاصة القول: إن هذا البحث يُعَدّ إضافة علمية رصينة في مجال الدراسات القرآنية المقاصدية؛ إذ يقدّم رؤية شمولية متماسكة لمقاصد القرآن الكبرى، تجمع بين التأصيل النظري والتحليل التطبيقي، وتعيد إبراز القرآن بوصفه كتاب هداية وبناء حضاري متكامل، أنزله الله على قلب نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم ليقود البشرية إلى الخير والعدل والنور. وهو عمل جدير بالعناية من الباحثين وطلاب العلم والدعاة والمربين، لما يحمله من قدرة على إعادة وصل الأمة بكتاب ربها وصلًا واعيًا مثمرًا.


بقلم: أ. د. طه عابدين طه

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

أبحاث ذات صلة

يمكنكم تحميل الأبحاث بعد الإطلاع عليها

التفسير وعلوم القرآنالقرآن الكريم في عيون غربية منصفة

القرآن الكريم في عيون غربية منصفة

السبت، ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٤ أيار ٢٠١٣
التفسير وعلوم القرآنالقلب والعقل بين الطب والشريعة

القلب والعقل بين الطب والشريعة

السبت، ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٤ أيار ٢٠١٣