الإيمان وتحولات العلم والعقل.. تجديد الدرس العقدي في السياق العربي 1860-1960

الإيمان وتحولات العلم والعقل.. تجديد الدرس العقدي في السياق العربي 1860-1960

التصنيف: العقيدة
الجمعة، ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ١٥ أيار ٢٠٢٦
138
تحميل البحث

التقديم للكتاب:

يُعَدّ كتاب الإيمان وتحولات العلم والعقل: تجديد الدرس العقدي في السياق العربي (1860-1960م) لمؤلفه: إبراهيم إسماعيل من الدراسات الفكرية والعقدية المعاصرة التي تناولت تحولات الخطاب العقدي الإسلامي في العصر الحديث، في ضوء التحديات الفكرية والعلمية التي أفرزتها النهضة الغربية الحديثة. وقد صدر الكتاب عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 2026م، وجاء في نحو مئتين وست وثمانين صفحة، متناولًا مرحلة زمنية تمتد من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، وهي مرحلة شهدت احتكاكًا واسعًا بين الفكر الإسلامي والتيارات الغربية الحديثة.


تنطلق فكرة الكتاب من أن الدرس العقدي الإسلامي لم يبقَ جامدًا على القضايا الكلامية التقليدية التي دارت حول الفلسفة اليونانية ومباحث الإلهيات القديمة، بل دخل طورًا جديدًا من التجديد نتيجة التأثر بالتحولات الفكرية الغربية الحديثة، ولا سيما ما ارتبط بالعقلانية الغربية، والعلم التجريبي، والفلسفات المادية، والنظرية الداروينية، والنزعات الوضعية والإلحادية. ويرى المؤلف أن هذه التحولات فرضت على العلماء والمصلحين المسلمين إعادة النظر في طرائق عرض العقيدة والدفاع عنها، فظهرت معالجات جديدة لم تكن مطروحة في القرون السابقة.


ويهدف الكتاب إلى تتبع هذا التحول في سياقه العربي، من خلال دراسة جهود نخبة من رواد الإصلاح والفكر الإسلامي، أمثال: محمد عبده، وعبد القادر الجزائري، وحسين الجسر، ومحمد رشيد رضا، وعبد الحميد بن باديس، ومحمد عبد الله دراز وغيرهم، مبينًا كيف واجه هؤلاء المفكرون التحديات الفكرية الحديثة، وسعوا إلى تجديد الخطاب العقدي بما يحفظ أصول الإيمان ويجيب عن إشكالات العصر.


وقد قسّم المؤلف كتابه إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. أما المقدمة فقد خصصها لبيان تطور علم العقيدة عبر العصور، وكيف انتقل من مواجهة الفلسفات القديمة إلى الاشتباك مع الفكر الغربي الحديث، موضحًا أن عصر النهضة الأوروبية وما نتج عنه من تيارات فلسفية وعلمية جديدة فرض طورًا جديدًا من أطوار علم الكلام الإسلامي. كما عرض فيها منهجية البحث وحدوده الزمنية والشخصيات التي شملتها الدراسة.


أما الفصل الأول فجاء بعنوان: “الأفكار الغربية الجديدة ووجود الله”، وفيه يستعرض المؤلف المسار التاريخي لتحولات العقل الغربي، بدءًا من محاولات التوفيق بين العقل والإيمان في الفكر المسيحي الوسيط، مرورًا بظهور العقلانية الحديثة والعلم التجريبي، وصولًا إلى النزعات التي انتهت إلى إنكار الميتافيزيقا والدين. وقد تناول فيه أثر الفلسفات الغربية الحديثة في تغيير مفهوم العقل والعلم، وكيف أفضت بعض الاتجاهات الغربية إلى حصر المعرفة في التجربة الحسية، ومن ثم استبعاد الغيب وقضايا الإيمان من دائرة “العلم”.


وفي الفصل الثاني، المعنون بـ “معرفة الله والاستدلال عليه”، يناقش المؤلف قضية العلاقة بين العقل والغيب، وحدود العلم التجريبي، وطرائق الاستدلال على وجود الله تعالى. ويبرز هذا الفصل جهود علماء الإصلاح في إعادة بناء الأدلة الإيمانية بلغة معاصرة تستجيب للأسئلة الجديدة التي أثارتها الفلسفات الغربية، مع بيان قصور النزعة التجريبية عن الإحاطة بجميع مجالات المعرفة الإنسانية. كما يعرض المؤلف طائفة من الأدلة العقلية والكونية التي استُخدمت في إثبات وجود الله والرد على الشبهات الحديثة.


أما الفصل الثالث فهو من أهم فصول الكتاب، وعنوانه: “الردود على النظريات والمذاهب المنكرة للألوهية”، وقد خصصه المؤلف لنقد أبرز النظريات التي استُعملت في نفي الدين أو تفسيره تفسيرًا ماديًا، وعلى رأسها النظرية الداروينية، والمذهب المادي، ونظريات نشأة الدين. ويبين فيه كيف تعامل المفكرون المسلمون مع هذه النظريات، وكيف سعوا إلى تفكيك أسسها الفلسفية ونقد نتائجها الفكرية. كما يوضح أن كثيرًا من تلك النظريات لم تكن مجرد أبحاث علمية محايدة، بل تحولت إلى رؤى فلسفية شاملة تُقصي الإيمان وتعيد تفسير الوجود والإنسان بعيدًا عن المرجعية الدينية.


ويأتي الفصل الرابع بعنوان: “الآثار المتصلة بمعتقد الألوهية”، وفيه يناقش المؤلف النتائج العملية والفكرية المترتبة على الإيمان أو الإلحاد، من حيث أثر العقيدة في الأخلاق والتشريع والنظرة إلى الإنسان والحياة. كما يعالج بعض الانحرافات العقدية والتصورات الشعبية الخاطئة المتعلقة بالتوحيد، ويؤكد أهمية إحياء الرؤية التوحيدية للوجود، وربط الإيمان بالسلوك الحضاري والأخلاقي.


ويمتاز الكتاب بعدة خصائص علمية؛ من أبرزها الجمع بين الدراسة التاريخية والتحليل الفكري، وربط التحولات العقدية بالسياقات الحضارية والفلسفية التي نشأت فيها. كما يتسم بسعة الاطلاع على التراث الكلامي والفلسفي الإسلامي، إلى جانب استحضار الخلفيات الغربية الحديثة التي أثرت في الفكر العربي المعاصر. ويظهر في الكتاب اهتمام واضح بتتبع تطور الخطاب العقدي عند شخصيات الإصلاح، مع تحليل أدواتهم في مواجهة الإلحاد والمادية والعقلانية الغربية.


وخلاصة القول: إن هذا الكتاب يمثل دراسة رصينة في تاريخ تجديد علم العقيدة في العصر الحديث، ويكشف عن الكيفية التي تفاعل بها الفكر الإسلامي مع تحولات العلم والعقل في الغرب الحديث، محاولًا إعادة بناء الخطاب الإيماني بلغة تستوعب تحديات العصر دون التفريط بأصول العقيدة الإسلامية. ولذلك يُعَدّ مرجعًا مهمًا للباحثين في الفكر الإسلامي المعاصر، وعلم الكلام الجديد، وقضايا الإيمان والإلحاد، وتحولات العقل الغربي وأثرها في العالم العربي والإسلامي.


بقلم: إبراهيم إسماعيل

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

أبحاث ذات صلة

يمكنكم تحميل الأبحاث بعد الإطلاع عليها

العقيدةالتصوف في القديم والحديث

التصوف في القديم والحديث

السبت، ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٤ أيار ٢٠١٣
العقيدةدعوة إلى كلمة سواء بين المذاهب الاسلامية

دعوة إلى كلمة سواء بين المذاهب الاسلامية

السبت، ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٤ أيار ٢٠١٣
العقيدةالتكفير خطره وضوابطه

التكفير خطره وضوابطه

السبت، ٢٤ جمادى الآخرة ١٤٣٤ هـ - ٤ أيار ٢٠١٣