محمد علي شقير الدمشقي الميداني التَّقيُّ الَّنقيُّ الزاهدُ العابدُ الخفيُّ

محمد علي شقير الدمشقي الميداني التَّقيُّ الَّنقيُّ الزاهدُ العابدُ الخفيُّ

التصنيف: علماء فقهاء
الجمعة، ٢٣ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ - ٤ أيلول ٢٠٢٦
17
محمد علي شقير...
محمد علي شقير...
الميلاد :- الوفاة :

ربَّما للوهلةِ الأُولى يظنُّ القارئُ لهذهِ الأوصافِ أنَّها لعاِلمٍ من القرنِ الثاني أو الثالثِ الهجري، لكنَّها أوصافُ عاِلمٍ عايشناهُ وعاشرناهُ ورأيناه وهو مازالَ على قيدِ الحياة، إنَّه فضليةُ شيخنا العلَّامة مُحمد علي شقير الدمشقي الميداني، حفظه الله تعالى.


مولده ونشأته وحياته حفظه الله
ولدَ الشَّيخ في حي الميدانِ الدِّمشقيِّ العريقِ سنة ١٩٤٧م، درسَ الابتدائيةَ في المدرسةِ الغراءِ التي يُدرِّسُ بها نُخبةٌ من أجلاءِ شيوخِ دمشقَ، رغبَ والدهُ الرجلُ الصالح الحاج عبد الوّهاب (أبو مُحمَّد) -من أهل الخير والسمعة الحسنة ومحبة العلماء- أن يعملَ معهُ ويتركَ الدِّراسة ففعل، لأنَّه كان شديدَ البرِّ بوالديه، وهذا ما يُخبر به عدد من الشيوخ منهم الشيخ كريِّم راجح حفظه الله تعالى الذي قال: "الشَّيخ مُحمَّد مرضي من والديه ومن شيوخه"، وسيمر معنا بره بشيوخه.
تزوج الشيخ السيدة الحسيبة النسيبة من آل الرفاعي الجندلي الحسيني، ورزق منها أولادًا وذريةً مباركة إن شاء الله ولا نزكي على الله أحداً.


اللقاء مع الشيخ حسن
الحدث الذي غيَّر حياةَ الشَّيخ هو لقاؤه بالعلَّامة وشيخ المشايخ المجاهد الشيخ حسن حبنكة الميداني، الذي تخرَّجَ الشَّيخ عنده، وتضلَّع من علومه، ونهل من مورده العذب، فقرأ عليه الفقه الشافعي والحديث والتفسير والتزكية وحفظ القرآن وهو في الخدمة العسكرية الإلزاميّة، وحفظ الكثير من المتون مثل: ألفية ابن مالك والجوهرة ونظم العمريطي لمتن أبي شجاع.
شيوخه
تعرَّف على الشَّيخ الولي الصالح ملا رمضان البوطي رحمه الله، فطلب منه القراءة عليه فرفض بدايةً ثمَّ وافقَ، فلما سمع قراءته أمر حفيده وشخصاً آخر أنْ يقرأَ عليه الفاتحة، وعندما رأى صدقه في الطلب والجد في السعي، قال له: تأتي أي وقتٍ وتقرأ أي علم شئت، ولازمه شيخنا ملازمةً تامةً فقرأ عليه بعضَ كتبِ الغزاليِّ، وعلى رأسها "إحياء علوم الدين"، وكثير من الكتب في مختلف العلوم كالفقه والحديث والعقيدة وغيرها.
كما قرأ على الشيخ عبدالقادر بركة تلميذ الشَّيخ محمود العطار الذي هو من أشهرِ تلاميذ الشَّيخ بدر الدِّين الحسني، فقرأَ عليه في النحو الصرف فترة طويلة.
قرأ القراءات على الشَّيخ حسين خطاب شيخ القراء السَّابق، وأتمها على شيخ القراء الحالي العلَّامة كرَّيم راجح، وأجازه الشَّيخ حُسين خطاب كذلك بها.
همته في طلب العلم
همة الشَّيخ في طلب العلم كبيرةٌ جدًا فقد كان يمشي على قدميه من الميدان إلى القدم، ليقرأ على الشيخ عبد القادر، وبعدها يمشي إلى ركن الدين على قدميه وهو صائمٌ صابرٌ محتسب، والذي يَعرف دمشق، يعلم أنَّه يمشي من أقصاها إلى أقصاها مشيًا على قدميه.


عمله وصفاته
ولي الشَّيخ إمامةَ جامع الحسن الشهير في الميدان، وكانت له دروس مختلفة في الفقه وغيره.
وأذكرُ الدَّرس بعد الفجر قبيل الشروق في "كفاية الأخيار"، وكيفَ يبحر في مختلف المسائل وربَّما قضى ساعةً في أسطر قليلة.


له وردٌ من القرآن لا يتركه
لا أذكر أنَّه تغيَّب يومًا عن الدرس، ولا عن الصلاة في المسجد، وكان له درس آخر يقرأ فيه "الإقناع"، وكنتَ تراه يحضر درسَ الشَّيخ كريِّم راجح في التفسير بكل تواضع، فالشيخ متواضع جداً، وطارح للتكلُّف في كل شيء، تراه يلبس القميص والطاقية، ويتراجع إذا ظهر له خلافَ كلامه، وهذا شهدته مرات بنفسي، ولا يمرُ درسٌ لا يذكر فيه الشيخ حسن، فيقول: الله يرحم الشيخ حسن، ويسرد قصة عنه أو موقفاً من مواقفه، وكان يزور قبره كل صباح جمعة بعد الدرس.
كان يخطب الجمعة في جامع "الرفاعي" في شارع الجزماتية من حي الميدان، حضرتُ عنده مرات والحمد لله، وكانت كلماته تخرج من القلب فتسمع خطبة تملأ قلبك إيمانًا يفهمها كل من حضر، فلم يكن يتقعَّر في الكلامِ فلكلِ مقامٍ مقال.
لما تسمع ترتيله في الصلاة تسمع تلاوة ندية طيبة عطرة مع أن الشيخ لا يوصف بجمال الصوت لكنك لا تمل سماعه.
الشيخ لا يماري ولا يساوم على دينه، ولا يداهن الحكام؛ لذلك خرج من دمشق الشام واستوطن إسطنبول، وهو على نفس الوتيرة العلمية، له دروس في المسجد والبيت لا ينقطع عن العلم والتعليم.
مهيبٌ من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه وقدّره، وكنت أهابه كثيراً، ولا أستطيع النظر في وجهه من هيبته، وربما استحييت من سؤاله، فكانت عنده رجولة وشجاعة مكتسبة وموروثة، فجده لأمه كان ذراعاً للشيخ محمد الأشمر أحد كبار قادة المجاهدين في مقاومةِ الاستعمار الفرنسي مطلع القرن الماضي.
درَّسَ الشَّيخ في العديدِ من المعاهدِ الشَّرعيَّة منها معهد الشَّيخ بدر الدِّين الحسني.
ومن إتقانه للفقه الشَّافعي صارَ يُعرفُ عندَ طلابِ العلم بالشَّافعي الصَّغير.
ويذكر قصص شيوخه وخصوصاً منهم الشيخ حسن والشيخ ملا، فمن النوادر أنَّ الشَّيخ ملا كان يقول له: اقرأ من كذا من القرآن فيقرأ الشَّيخ صفحة وصفحتَين وثلاث وأربع والشَّيخ ملا يسمع، وربَّما قرأ عشرَ صفحات، فيقول شيخنا: لم أفهم مقصِده من ذلك، وبعدها تنبهت إلى أنَّ الشَّيخ يختبرني هل أراجعُ القرآن أم أني أقرأ العلم شهوة!
وإذا ما مرت مسألة تتعلَّق بالزنا أو غيره تجدهُ يستعيذُ بالله تعالى وكأنَّه شابٌ عشريني، وتبدو عليه ملامحُ الخوف والرَّهبة، هذا هو أثر التقوى فسيدنا إبراهيم الخليل خافَ على نفسه عبادة الاصنام فقال كما في قوله تعالى: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام}
مجلسه مجلس علم لا يَسمح بغيبةٍ أو نميمةٍ، وإذا ما أرادَ التنبيه على خطأ أو زلةً وقعتْ لعاِلم ذكرَ الصَّواب ولا يذكر الاسم ولا اللقب، بل يذكر المسألة ويناقِشها ويجيب عن الإشكال ويبين الخطأ.
حفظ الله شيخنا وأطال في عمره مع الصحة والسلامة في جسده وعقله وإيمانه.


بقلم: عدنان محمد بكري

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين