
بعض العلماء نعرف كتبهم.. وبعضهم يمنّ الله علينا بأن نعرفهم!
رحم الله الأستاذ الدكتور عدنان محمد زرزور
سيكتب كثيرون في رحيله عن العالم والمفسر والباحث والمحقق؛ وسيذكرون عشرات الكتب والبحوث، ونحو خمسة وعشرين مجلداً من الإنتاج العلمي، ومسيرةً امتدت من جامعة دمشق إلى جامعات الأردن والإمارات وقطر والبحرين، وعقوداً كاملة قضاها الرجل بين القرآن وعلومه، والسنة، والعقيدة، والفكر، والثقافة.
وسيكون كل ذلك صحيحاً.
لكن ثمة عدنان زرزور آخر لا تسجله قوائم المؤلفات!
كنا نسميه، بمحبةٍ صادقة، "العالِمَ اللطيف"!
ولم تكن "اللطافة" هنا مجرد ظرفٍ اجتماعي أو ابتسامةٍ دائمة. وإنما كان الرجل يذكّرني، كلما جلست إليه، بمعنى قرآني وإنساني عظيم: انشراح الصدر!
شيءٌ من السعة في النفس، والهدوء في الروح، واليسر في التعامل، يجعل العلم أقل عبوساً، والتدين أقل ثقلاً، والمبدأ أقل ادعاءً.
ولعل هذا كان أشد حضوراً في النفس لأن الوسط الأكاديمي والعلمي الذي عشنا فيه كان حافلاً بالعلماء والأساتذة وأصحاب العقول الكبيرة، لكن العلم وحده لا يمنح صاحبه بالضرورة تلك السعة الإنسانية. وقد ترى الرجل فيعجبك علمه، ثم تضيق بصحبته؛ أما الدكتور عدنان، فكان من أولئك النادرين الذين يزدادون في عينك عُلواً كلما اقتربت منهم!
فقد كان لطيفاً من غير رخاوة، سمحاً من غير تفريط، منشرح الصدر من غير أن يساوم على مبدأ. وهنا تحديداً كانت المفارقة الجميلة في شخصيته: لينٌ في الطبع، وصلابةٌ في الموقف.
وربما لهذا بقي وصف "العالِمِ اللطيف" عالقاً في الذاكرة كلما حضر اسمه.. لأننا لم نكن نصف طريقة كلامه فقط، وإنما كنا نصف طريقة وجوده بين الناس!
وقد عرفه، بشكلٍ أفضل، أولئك الذين أسعفهم الزمن بشيءٍ من صحبته.
فالعلماء يُعرفون من بعيد بما كتبوا، لكنهم لا يُعرفون حقاً إلا من قريب: حين ترى كيف يتصرف أحدهم عندما تتعارض المصلحة مع المبدأ، وكيف يحمل علمه في أخلاقه، وكيف يبقى الرجل الذي تقرأ له هو الرجل نفسه الذي تجلس إليه.
وكان الدكتور عدنان، في هذا المعنى، من الرجال الذين لا تصغر صورتهم حين تقترب منهم!
فمن جميل ما منَّ الله به عليّ أن عرفته في مرحلتين متباعدتين جداً من العمر.
عرفته أولاً وأنا شاب تلميذ في الإعدادية والثانوية.. خطيباً مفوهاً في #جامع_الحمد في حي #المهاجرين؛ يقصده الناس ليسمعوا رجلاً اجتمع له العلم واللغة والبيان.
يومها كان بين المنبر وبين الشاب الذي يجلس مستمعاً تلك المسافة الطبيعية بين الشيخ وتلميذه المجهول!
ثم إن الأيام دارت دورتها العجيبة..
والتقيت الرجل بعد سنوات طويلة في جامعة الشارقة، حيث كنت فيها أستاذاً، ومديراً لمكتب مدير الجامعة.
لكن السنوات لاتنجح، تماماً، في قلب العلاقات مع بعض المعلمين.. فقد يصبح المرء زميلاً لهم في مؤسسة، ويجلس معهم في الاجتماعات، ويتبادل معهم الرأي.. ولكن، يبقى في مكانٍ ما من روحه ذلك الشاب الذي كان يجلس تحت المنبر ويتعلم!
وهناك عرفتُ منه ما لا يستطيع كتابٌ أن يخبرني به.
عرفت أن وراء تلك الموسوعية العلمية صلابةً أخلاقية نادرة؛ وأن المبدأ عند بعض الرجال ليس مفردةً للخطابة، وإنما كلفةٌ يقبلون دفعها حين يأتي الامتحان!
وتلك، لعلها، مرتبةٌ أعلى من غزارة العلم نفسها.
فكم من عالمٍ ترك كتاباً.
وكم من أستاذٍ ترك تلاميذ.
لكن القليلين يتركون، إلى جانب العلم، دليلاً بشرياً على أن الأفكار التي قضوا أعمارهم يعلمونها يمكن أن تُعاش أيضاً!
رحل الدكتور عدنان زرزور، وبقيت كتبه في المكتبات، وأبحاثه في الجامعات، وعلمه في عقول أجيالٍ من طلابه.
أما الذين عرفوه عن قرب، فسيبقى عندهم شيءٌ آخر لا يدخل الفهارس:
ذكرى رجلٍ كان أكبر من كتبه؛ لأن أخلاقه كانت الشاهد الحي على علمه!
رحم الله أستاذنا الدكتور عدنان زرزور رحمةً واسعة، وجزاه عن القرآن والعلم وطلابه خير الجزاء، وجعل ما بثه في العقول والقلوب علماً لا ينقطع أجره.
وأحسب أن من أجمل الأقدار أن يبدأ الإنسان علاقته بعالِمٍ مستمعاً إليه من بعيد..
ثم يمنحه الزمن فرصة أن يقترب منه بما يكفي ليكتشف أن الرجل الذي كان يحترمه من بعيد..
كان أكبرَ بكثير.. وكان جديراً، من قريب، باحترامٍ لايعلم به إلا مقلب القلوب!
بقلم: وائل ميرزا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين