الإمام فإذا رشيد على حداثته يؤدِّي معه دور جمال الدين على أستاذيته، فيفخر به ويعتزُّ، وتشتعل نار الضغينة في صدور أعداء الإمام، ويرون في تلميذه خير مِعْوَان على إذاعة مُثُله وأمانيه، فيتعاظمهم الأمر تعاظماً يجعل خديوي مصر: عباس الثاني يخطب في مجتمع حافل، فيعرِّض بصاحب المنار، ثم يبلغ به الضيق أقصاه، فيرسل الأستاذ محمد شاكر إلى الأستاذ الإمام ليرجوه أن يقصيه عنه ما استطاع!.
ولكن الرجل القوي لا يَكترث بأحد، ويقول مُباهياً:
(إنَّ الله بعث لي بهذا الشاب ليكون مدداً لحياتي ومزيداً في عمري، إنَّ في نفسي أموراً كثيرة أريد أن أقولها أو أكتبها للأمَّة، وقد ابتليتُ بما شغلني عنها، وهو يقوم ببيانها كما أعتقد وأريد، وقد رأيتُ في سفري من آثار عمله، وتأثيره مَناره ما لم أكن أظن ولا أحسب، فهو قد أنشأ لي أحباباً، وأوجد لي تلاميذ وأصحاباً).
ثم يقول للشيخ شاكر: (كيف أرضى بإبعاد صاحب المنار عني، وهو ترجمان أفكاري)؟!.
لم يكن عامَّة المسلمين وحدَهم في مَسيس الحاجة إلى المنار، بل إنَّ خاصتهم من العلماء كانوا يشاركونهم الحاجة المُلِحَّة إلى هذه الصحيفة المرشدة، فأكثر علماء الأزهر كانوا يرون التقليد في المذهب طريقاً لا منأى عنه ولا محيد!، ويعدُّون آراء الفقهاء من المتأخرين أقوى من أحاديث الكتب الصحاح! وفيهم من يجادل الأستاذ الإمام في ذلك، ويعلن أنَّ دراسة السنة المطهَّرة لا تثمر شيئاً إذا قيست بكتب الفقه ومسائل الفروع! ثم يزيدون، فيتمسَّكون بالخرافات الشائعة من تقديس القبور وزيارتها، وانتحال الكرامات لأصحابها، والاستشفاء بهم في قضاء المآرب!، ويملأون دروس الوعظ بالمساجد بأمثال هذه الأباطيل، فإذا حادوا عنها قليلاً فإلى الزهد في الحياة الدنيا، والانزواء خارج مُعْترك الحياة، والتخويف الميئس من النَّار، والحساب والحشر والقبر! أما النُّهوض بالأمَّة الإسلاميَّة إلى المستوى اللائق: فمما لا يفكر فيه ذوو الهداية من العلماء.
والحق أنَّ السيد رشيد رضا قد استطاع بمناره المجاهد أن يَهدم هذه الأباطيل، وأن يعرض الإسلام قشيباً طريفاً، كما نسجه محمدٌ صلى الله عليه وسلم من هدي القرآن، وضياء العقل!، وإذا بلغ كاتب إسلامي هذا المبلغ في بيئته الجامدة وعصره المظلم، فقد فاز بتوفيق الله تعالى.
يقول الكاتب الكبير الأستاذ العلاَّمة: محمد فريد وجدي عن زميله النَّابه وصنوه العظيم، نقلا عن مجلة الأزهر (رجب 1354 هـ):
(إنَّ ثورة المرحوم السيد رشيد على البدع لا يوجد لها نظير، إلا في أفراد من السلف الصالح، فقد صمد لها صموداً أشفق عليه منه حتى الذين كانوا يُشاطرونه رأيه من العارفين، ولكنهم لم يؤتوا الشجاعة التي أوليها، فباتوا يتوقَّعون له الشرَّ المستطير، وقد لقي منه ما لو لقيه سواه لصدِّه عن السبيل، ولكنه ثبت للمعارضين، واستبسل في الكفاح أيما استبسال، حتى استطاع بفضل إخلاصه وصبره أن يحدث في الصفوف المتراصَّة حياله ثغرة، اقتحمها على مناوئيه، وفي أثره جمهور غفير ممن كانوا لا يجرؤون على مواجهتها مجتمعين، وأصبحنا وللسُّنَّة الصحيحة أنصار مُجاهِرُون، وحيال البِدَع خصوم مجاهدون.
فلو لم يكن لفقيد العلم والدين السيد: رشيد رضا غير هذا الموقف لخُلِّد ذكرُه في تاريخ المسلمين، فما ظنُّك به وقد أسقط دولة التقليد، تلك الدولة التي قضت على المسلمين أن ينقسموا شطرين: شطراً جمدوا على ما هم عليه من التقاليد المنافية لروح الدين، وقوماً مرقوا من الإسلام واتخذوا لهم غير طريق المؤمنين، فكان السيد رشيد البطل المعلِّم في هذا الموطن الشريف تلقى بصدره كل ما يتلقَّاه المصلحون من الجامدين، وكان لجهاده أثر بعيد في تبصير المسلمين بسماحة دينهم، وبقاء باب الاجتهاد فيه مفتوحاً إلى يوم يبعثون).
وإذا كانت الأعمال بالنيات، ولكلِّ امرئٍ ما نوى، كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كوفئ المنار مكافأة ممتازة بنيته الطيبة النبيلة، ورنَّ في العالم الإسلامي دويُّه الرنَّان، فيصبح ذا كلمة مقبولة في الشرق العربي وفي الهند وإيران وأندونيسيا، وبعض بلاد الصين واليابان، ومهَّد لصاحبه بعد وفاة الإمام أن يحتلَّ مكانته الدينيَّة فيصبح إماماً من طرازه، يصدر كلمة الإسلام في كل طارئ، ويتعرَّض إلى الخصومة العنيفة من صحف قويَّة ذات سيطرة ونفوذ، (كالمقَطَّم والمؤيد واللواء) فما تُنَهْنِهُ من عزيمتهم.
وإذا كانت خصومته للمقطَّم الاستعماريَّة طبيعيَّة فإنَّ عجبي لا ينتهي لخصومته للواء والمؤيد، وهما معاً صوت العروبة ومنار الإسلام في عصرهما الحفيل، ولو شاء الله لجعل الناس أمةً واحدة ولكن لكل وجهة هو مولِّيها!.
وإذا كان الأستاذ الإمام: محمد عبده قد تبوَّأ في خاتمة حياته منصب الإفتاء للديار المصريَّة، فإنَّ تلميذه الناضج قد تبوَّأ هذا المنصب من الناحية العلميَّة لا من الناحية الرسميَّة الحكوميَّة، إذ تصدَّر للفتوى عن جدارة في مجلة المنار: فكانت تأتيه الأسئلة العويصة في مُعضِلات الحياة من شتَّى بقاع الإسلام ليقول فيها كلمة الحق، وقد رزق تبحره الواسع في فروع الشريعة الإسلامية توفيقاً كبيراً في الرد وإقناعاً شافياً في الدليل.
ولئن جمعت سلسلة فتاويه ليكونن منها خير كثير ( )، على أنه قد هاجم المارقين من ذوي التفكير المنحرف مُهاجمة عنيفة ذات لَدَد وإفحام، وصاح برأي الإسلام في وجوه هؤلاء صيحات زلزلت إيمانهم من القواعد فآبوا فَزِعين، وقد عمي موقفه الصريح على الأستاذ (تشارلز أدمس) فعدَّ ذلك منه نكوصاً عن مذهبه التقدمي في الدين وسيراً مع من سمَّاهم بالمحافظين من المنكرين.
وهو يقول في ذلك ما نصُّه: من كتاب (الإسلام والتجديد) ص 177 عن ترجمة الأستاذ عباس محمود:
(إنَّ الوقائع تنطق أحياناً بأنَّ صاحب المنار محافظ من المحافظين، فهو في تفكيره كله يعتمد العسر في اتباع القرآن والسنة وسائر أحكام الشرع، والأخذ بأضيق المعاني والوجوه، وهو يرى أنَّ النزعة الحرَّة في هذه الأمور كالتسامح في اعتبار الشرع هو القانون الأساسي لجميع البلاد الإسلامية، هذه النزعة ربما أضعفت كيان الدين كله، وعرَّضته للخطر ولهذا نجد المنار يؤثر الوقوف إلى جانب المحافظين).
ثم يفصح الكاتب عن غَرَضِه فيقول:
(لقد تكلَّمنا فيما سبق عن الوطنيين في مصر وفي تركيا ورأينا: أنَّ المنار يَرميهم جميعاً بالإلحاد والمروق؛ لأنَّ الدين ليس من مُقوِّمات آرائهم في الوطنية، وهو يصف عالمين من شباب العلماء والكتاب في مصر هذا الوصف نفسه، ويكفينا هنا أن نشير إلى أنَّ موقف (المنار) من هذين الكاتبين لم يكن أقلَّ تطرفاً أو أخفَّ حِدَّةً من موقف المغرقين في المحافظة!).
والحقُّ الذي لا مِرْية فيه: أنَّ الأستاذ- رحمه الله تعالى- لم يعتمدْ العُسْر في رأي ما في اتباع القرآن والسنة وأحكام الشرع، والأخذ بأضيق المعاني والوجوه، كما ذكر صاحب (الإسلام والتجديد)، ولكنه من ناحية أخرى لا يَستطيع أن يسكت عن عالمين شابَّين يقول أحدهما: إنَّ القرآن يتحدَّث عن إبراهيم حديثاً لا يكفي لإثبات حقيقة وجوده!. ويقول الآخر: إن الإسلام دين فقط، ولا صلة له بالحكم والدولة على الإطلاق، ولو كان الأستاذ (أدمس) مُتشرِّباً لحقائق الإسلام الأصيلة لما تورَّط في الحكم على الأستاذ رشيد باتباع العسر والأخذ بأضيق المعاني والوجوه، وكأني به وقد فهم أنَّ التسامح هو الإباحة المُفضية إلى الإلحاد والمروق!.
ولن يفوتَ مُتحدِّثاً عن المنار أن يُشيد بتفسير القرآن الكريم على صفحات، ثم جمعه في مجلدات ذات أجزاء، إذ إن السيد رشيد رضا - رضي الله عنه - قد ألحَّ إلحاحاً مفرطاً على الأستاذ الإمام أن يكتب تفسيراً عصرياً للقرآن الكريم، والرجل لا يجد في زحمة أعماله وخصومه ما يُيسر له الوقت الهادي للتفسير والتحليل، فكان يَكتفي بإلقاء دروس في التفسير، يتَّجه بها وجهة الإصلاح، بعيداً عن مُشكلات اللغة، ومَنازع القواعد والاصطلاحات، وكان السيد يسأل ما يقول، ثم يضيف إليه ما يَستلزمه البحث من نقاط، ويُبادر بعرضه على الأستاذ فيأذن بنشره بالمنار، حتى إذا لحق بربه تصدر السيد لإكمال تفسيره، فجلَّى معجزة الإسلام في عصر المدنية والضياء!.
وبمقارنة ما وصل إلينا من تفسير الأستاذ الإمام بما كتب من بعده الأستاذ محمد رشيد، نجد أنَّ صاحب (المنار) قد وُفِّق أكثر من أستاذه؛ لأنَّ الشيخ محمد عبده كان ذا عقل مستنير وذهن مفكر، وروح شفَّاف، ولكنه مع ذلك لم يتبحَّر تبحُّر السيد رشيد في دراسة الحديث النبوي، وكتب الفقه والتشريع، فجاء تفسيره مِرْآةً لعقله اللامع، وذوقه البصير، وأسلوبه الرائق، وجاء تفسير رشيد بحراً خضماً يموج بمختلف الحقائق الإسلاميَّة، ويستند إلى شتَّى النصوص الدينيَّة، مما يَشفي غلَّة الصدور ويَروي ظمأ الباحثين، وكانت العقول المعاصرة في حاجَّة ماسَّة إليه؛ لأنَّ كتاب الله تعالى هو: كتاب الزمن، ولا بد أن يفكر في كل عصر بما يكشف إعجازه، ويُنبئ عن أسراره.
والاقتصار على التفسيرات القديمة معرَّة ومعجزة، لأنَّها تسدُّ مسدَّ زمنها، ولا تتعرَّض لما ينجم من أحداث تتطلَّب التعليل على ضوء القرآن، هذا إذا عرف القارئ أنَّ أكثر هذه التفسيرات السابقة لم يعمدْ إلى اللباب الخالص على ضوء القرآن الكريم، يكشف هديه ويفصِّل مَنحاه، فبعضها ينحو المنحى الإعرابي والبلاغي كالكشَّاف، وبعضها يهتمُّ بالحكم الفقهي كالقرطبي، وبعضها يَموج بالإسرائيليات كالخازن، وبعضها ينوء بمشكلات الفلسفة والمنطق كالفخر الرازي، وبعضها يجمع من كل فرع ما يتيسَّر لصاحبه، ثم يغفل عن إيضاح الهدي الرباني في بَيان يَشفي الصدور.
فجاء تفسير: (المنار) ليكون الحجَّة القاطعة على أنَّ الإسلام دين الفطرة، وليتحدَّث عن حكمة الله سبحانه في كل مَسألة من المسائل العمرانية والآيات القرآنية، وليكشف الملحدين وأرباب الشبهة من الماديين، بما يظهر صوت الإسلام، مع الحجَّة البيضاء، والبلاغة المُفحمة، والرأي السديد!.
وقد انتهى به القول إلى ما قبل سورة الرعد بآيات، وفي هذا القدر على قلَّته بالنسبة لكتاب الله ما يَأخذ بيد الباحث المستفيد. ولو فسح في أجله لوالى التفسير باطِّراد، ولكن أجل الله لا يؤخَّر إذا جاء.
وقد أخرج السيد رشيد للناس كتباً كثيرة تعالج شتى الموضوعات الثقافيَّة والاجتماعيَّة والأدبيَّة والبلاغيَّة، وكلُّها تتّجه وجهة الدين، وتتفرَّع عن معارف الثقافة الإسلاميَّة مهما اختلفت عناوينها وتنوَّعت أسماؤها، فهو في كتاب: (المنار والأزهر) أو (كتاب السيرة المحمديَّة) أو في تحقيق: (دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة) أو في التعليق على جميع مؤلفات الشيخ محمد عبده، أو فيما ألَّفه من (عقائد النصارى)، و(مشكلة الخلافة الإسلامية)، و(قضية المرأة المسلمة).
أقول: هو في جميع هذه الكتب وغيرها هو السيد: محمد رشيد البطل المجدِّد المكافح، والداعية الإسلامي الغيور، وقد خاضَ عباب السياسة لعصره، فجاهر برأيه في الخلافة وآل عثمان، والاستعمار الإنجليزي، والاحتلال الفرنسي، وكتب مئات الفصول في أحداث جيله، وآراؤه السياسية تحتاج إلى مؤلَّف خاص، ينزع بها مَنزع التحليل والتحقيق، ويكفي أن يقرأ المتعجِّل المتسرِّع رسائله إلى الأمير: شكيب أرسلان ورسائل الأمير إليه، وقد جمع أكثرها في كتاب خاص، أصدره أمير البيان بعد وفاة المجاهد الكبير.
يكفي أن يقرأ المتعجِّل المتسرِّع هذا الكتاب ليعرف مقام الرجل من أحداث زمانه، ونظرته الإسلامية إلى مُفاجآت العالم الإسلامي، ثم ليرى تشعُّب الميادين التي كافح بها الرجل بمفرده دون ناصر أو مُعين.
على أنَّ كتابه الرائع: (الوحي المحمدي) قد احتلَّ بين جميع المؤلفات الدينيَّة في العصر الحاضر مكان النباهة الجهيرة، وطبع عدَّة مرات في سنة واحدة، ثم تُرجم إلى عدة لغات شرقيَّة وغربيَّة؛ لأنَّه يدعو الناس كافة في شتى بقاع العالم إلى الدين الإسلامي، بالدليل العقلي والبرهان المنطقي، ويؤكد بأقوى الأسانيد ثبوت الوحي المحمدي، ونهوضه على دعائم راسخة من التفكير الصحيح، ويُقارن بين رسالات من سبق محمداً صلى الله عليه وسلم من الأنبياء ورسالة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، مُعتمداً على أحدث قوانين العلم ومُكتشفاته في دنيا الاجتماع والتاريخ والعمران، وعامداً إلى أقوى دلائل الملحدين، وأعنف شبه المغْرِضين من ذوي الاستشراق، مُفنِّداً مُبدِّداً ما يحوكون في مجال الوحي المحمدي والرسالة النبوية من اعتراض وافتراض.
ولا أذكر أنَّ كتاباً إسلامياً تهافت على تأييده كبار المفكرين في الإسلام والمنصفين في أوروبا ككتاب: (الوحي المحمدي)، فهو وحدَه مُعجزة رشيد ومَفخرة بنبوغه، وهو وحدَه لسان صدق للإسلام وصيحة حق في آذان الغافلين.
لم يفترْ السيد لحظة عن الكفاح، حتى لقي ربَّه، بعد أن فرغ من تفسير قول الله في سورة يوسف: [رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ] {يوسف:101} ، فكان وقوفه النهائي عند هذا الدعاء الرباني دليل القبول، وإرهاص النجاة، ومسك الختم. رضي الله عنه وأرضاه.
الحلقة السابقة هـــنا
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر كتاب: (النهضة الإسلامية من سير أعلام المعاصرين، الجزء الأول صفحة 235).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين