لا يتهيَّأ لكاتب أن يتحدَّث عن الأستاذ الإمام: "محمد عبده " دون أن يتحدَّث بإسهاب عن أستاذه: (جمال الدين الأفغاني)، وتلميذه: (محمد رشيد رضا)، فقد تضافر هؤلاء الثلاثة الأعلام على أداء رسالة الإصلاح في العالم الإسلامي، وحملوا مصباحَ التجديد باهرَ الشعلة، ساطعَ النُّور، ليتقدم القافلة الناهضة مبدداً دياجير الشبه المظلمة، وباعثاً للأمل الحيِّ في نفوس أنهكها اليأس، وكادت تقنط من رحمة الله تعالى بالمسلمين.
أجل: لقد حمل هؤلاء الأعلام الثلاثة لواء التجديد في دنيا الشريعة الإسلامية، وأصبح الحديث عنهم حديث الحريَّة في القول، والاستقلال في الرأي، واليقظة في الفكر، ومحاربة الشائعات المغرضة، والأراجيف المسمومة، حول حقيقة هذا الدين الخالد، ومبلغ قيادته للشعوب!.
وأذكر: أنَّ المستشرق الكبير تشارلس أدمس حين أراد أن يكتب رسالته الجامعية عن: (الإسلام والتجديد)، جعل محورها يدور حول الأستاذ الإمام: محمد عبده، ولكنه فسح المجال لبابين كبيرين من أبواب الرسالة، يتحدَّث في أحدهما عن جمال الدين، وفي الآخر عن محمد رشيد، معتقداً أنَّ حديث التجديد والنهوض لا يتمُّ على وجهه الصحيح دون الإحاطة بأعمال هذا المثلَّث الرائع في مضمار اليقظة والتجديد!.
ولئن ذكر الأستاذ الدكتور أسماء الكثيرين من تلاميذ الأستاذ الإمام ومُريديه غير الأستاذ: رشيد رضا فهو ذكر المُستعرِض السريع.
أما حديثه المُسهب عن صاحب المنار فهو حديث المتأمِّل الدَّارس، المُحَلِّل الشّارح، وذلك بعض ما يستحقُّ الرجل دون نزاع!.
وقد توالت الكتب الكثيرة في هذه الحقبة الأخيرة عن (محمد عبده) وتعاليمه، وكلها تقريباً ترجع إلى مؤلفات (رشيد رضا) وبحوثه، وتعدُّه المرجع الأوفى لأستاذه والامتداد الطبيعي لتياره، وإذا وُجِدَ من المُغرضين مَن يتجاهل مكانة السيد في مضمار التجديد فهو تجاهل المُغرِض المجحف، بدليل: أنه لا يكاد يتعرَّض لقول من أقواله إلا بالتشكيك والإيهان مما يكشف ميوله المُغرِضة.
ولن يضيرَ صاحبَ المنار أن يتجاهلَه متجاهلٌ ما مهما عَلَت منزلته في دنيا الناس، وحسبه أن يجد مئات المُنصفين في الشرق والغرب يلهجون بذكره، ويقدِّرون نضاله، ويعدُّونه صاحب الإمام الأول، ومفسر مذهبه، وشارح تعاليمه، وفيهم عالمان بارزان تبوآ مشيخة الأزهر الشريف، وكتبا عن (محمد عبده) كتابة التلميذ المتشبع بآرائه، المهتدي بنبراسه، وهما بعد من المكانة والإجلال بالمنزلة التي لا تزاحم، وماذا عسى أن نقول في (مصطفى عبد الرازق)، (ومحمد مصطفى المراغي)، ومكانتهما من الإمام والأمة والدين لا تحوج إلى إعلام!.
يقول الأستاذ الأكبر (مصطفى عبد الرازق) نقلا عن مجلة الرسالة (627) 9، يولية سنة 1945:
(أول من ترجم للشيخ محمد عبده، وعُني بنشر آثاره هو السيد محمد رشيد رضا، والسيد محمد رشيد رضا هو أول من لقب الشيخ محمد عبده بالأستاذ الإمام، وهذا اللقب نفسه يُنبئ عن الصورة التي أراد أن يَرسمها السيد رشيد لشيخه فيما كتب عنه، وينبئ بالفكرة السائدة في وجهة نظر التلميذ إلى أستاذه).
(الشيخ محمد عبده عند السيد رشيد رضا: إمام من أئمة الإسلام، وله في الدين مذهب يقوم أصحابه على روايته وتدوينه، كما قام أصحاب أبي حنيفة والشافعي وغيرهما على ما لأولئك الأئمة من مذاهب.
وإذا كان الشيخ محمد عبده إماماً في الدين، فالسيد رشيد رضا لا شك صاحبه ومفسر مذهبه، ومُكمِّله، وقد بذل مُنشئ المنار - رحمة الله عليه - في هذه الناحية مجهوداً ضخماً حافلاً بالمباحث الدينيَّة، والمناقشات الفقهيَّة، وكان لهذا المجهود العظيم أثر غير ضئيل في طلاب العلوم الدينية، ومن إليهم، وفي توجيه الدراسات الشرعية في بلاد الإسلام المختلفة) اهـ.
ويقول الأستاذ الأكبر: محمد مصطفى المراغي، في حفلة تأبين السيد محمد رشيد رضا- رضي الله عنه-:
(كان فقيد الإسلام السيد: محمد رشيد رضا محيطاً بعلوم القرآن، وقد رزقه الله عقلاً راجحاً في فهمه، ومعرفة أسراره وحكمه، واسع الاطلاع على السُّنَّة، وأقضية الصحابة، وآراء العلماء، عارفاً بأحوال المسلمين في الأقطار الإسلامية مُلِمَّاً بما في العالم من بحوث جديدة، وبما يحدث من المعارك بين العلماء وأهل الأديان، فهو ممَّن أوتيَ الحكمة، ورزق الخير الكثير.
وقد كان - بلا شبهة - أكبر المدافعين عن قواعد الإسلام، وأشدهم غَيرة عليها، فَنِيَ في خدمة دينه، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وأوذي في سبيل مبادئه ، وصبر وصابر إلى أن توفي - رحمة الله عليه-.
كان مبدؤه مبدأ جميع علماء السلف في كل ما يتعلق بذات الإله - سبحانه وتعالى - وصفاته، وكلِّ ما يتعلَّق باليوم الآخر، فهو رجل سُنِّي سَلَفي يكره التقليد، وينادي بالاجتهاد، ويراه فرضاً على نفسه، وعلى كل من قدر عليه.
وكان مبدؤه مبدأ علماء السَّلَف أيضاً في تخير الأحكام المناسبة للزمن، والنافعة للأمم في مواضع الاجتهاد.
وكان مبدؤه مبدأ جميع علماء السلف في التحاكم إلى الله ورسوله، عملاً بقوله تعالى: [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ] سورة النساء.
من الحق أن نعدَّ السيد رشيد من المجدِّدين، وأن نعدَّه من المجاهدين في إحياء السنة، ومن الحق أن نعتبر بما كان للسيد رشيد من أناة وصبر في البحث والقراءة، والتأليف والفتوى والمناظرة، ومن الحق أن نذكر: أنَّ هذه الأعمال الصالحة قام بها احتساباً وأدَّاها في سبيل الله).
هاتان شهادتان مخلصتان، تسجِّل الأولى: وراثة السيد لأستاذه وحمله لمذهبه، وتسجِّل الثانية: أنه أكبر المدافعين عن الإسلام في عصره، ويا له من عصر مُجحف، حُورب فيه الدين بأوسع المُفترَيات وأقتل التخرُّصات، فكان السيد رشيد بطل الدفاع وأسد العرين!.
وبعد: فكيف أدَّى صاحب المنار رسالته؟ وكيف تهيَّأ له أن يقطع طريقه الشاهق في ثبات وإيمان؟.
لقد نشأ السيد في أُسرة شريفة بقرية: (القلمون) 18 أكتوبر سنة 1865 وهي إحدى قرى جبل لبنان على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وترعرع في بيئة دينيَّة تحترم التقاليد الإسلاميَّة، إذ كان نسب أسرته يَنتهي في بعض أصوله إلى الحسين رضي الله عنه فيورثه عزَّة في نفسه، وتفانياً في الذود عن عقيدته، واهتماماً بسيرة نبيِّه وآل بيته، وقد حفظ القرآن في سنٍّ مُبَكِّرة، وتلقى مدداً من الحديث النبوي، وفيضاً من السيرة النبوية، فاجتمع له من ذلك ما حبَّب إليه الدراسة الدينية، وبعث في نفسه الرغبة في التضلُّع، في الثقافة الإسلامية، والدعوة إلى كتاب الله، وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد شاءت ظروفه السَّارَّة أن يلتحق بالمدرسة الوطنيَّة الإسلامية بطرابلس الشام، فيجد أساتذتها الأماثل عالماً جديداً، يفهم طبيعة عصره، ويهضم تعاليم دينه، ويميز بين الخبيث والطيب من أقوال المؤلفين ونصوص الفقهاء، ثم يوجه طلبته وجهة صحيحة هادفة، ذلكم هو: الشيخ حسين الجسر الأزهري، صاحب الرسالة الحميدية!.
وقد امتاز هذا الأستاذ بالدعوة المخلصة إلى التزوُّد من العلوم الكونية ومسايرة الحضارة المزدهرة في أوروبا، دون جمود على القديم الرثِّ في عصر تخلَّف فيه المسلمون، كما امتازت رسالته الحديديَّة بمناقشة آراء الغربيين في الإسلام، والرد على مُفتريات الخصوم وظنونهم المتربصة بالمسلمين، وهذا شيء جديد حقاً؛ لأنَّ أكثر العلماء لعهده لم يكونوا يعبأون بما يُقال عنهم في الغرب من آراء، فإذا اتجه الأستاذ الجسر هذه الوجهة الناقدة فإنه يفتح عيون تلاميذه على مواجهة الخصوم، ويدفعهم إلى الذود عن حقيقة الإسلام.
ولا ينكرُ أحدٌ أثر هذا الاتجاه في نفس السيد رشيد، فقد حبب إليه دراسة مَعارف عصره، وهيَّأه لأن يكون واسع الأفق، مستنير العقل، يرهف سمعه وإحساسه لكل جديد طارئ فيتقبَّل الصحيح وينفي الزائف المريب!.
والشاب الناشئ يتطلع في دور مراهقته إلى مَثَل أعلى يحتذيه، ويشعر بالظمأ إلى الحقيقة الناصعة شعوراً يَدفعه إلى البحث والتطوُّع، وقد غمرت رشيداً في عنفوان صباه روح من التصوف الشفَّاف، دفعته إلى العمل المستغرق، وحبَّبت إليه أن يقرأ كتاب: (الإحياء للغزالي)، فيجد به أسلوباً جديداً في التهذيب، ويلمس من تحقيقه العلمي وتشريحه النفسي ما يفتح على روحه منافذ من الإحساس، وعلى عقله روافد من التفكير المستقلِّ الواجب.
وكادت روح التصوُّف أن تنزع به منزعاً مُتطرِّفاً يميل به إلى الانزواء، لولا أن وقعت في يده إحدى صحائف: (العُرْوة الوثقى) فرجَّت شعوره النفسي رجاً عنيفاً، ووجَّهت تفكيره العقلي وجهةً جديدة، إذ أطلعته على حقيقة العالم الإسلامي المتخلِّف عن ركب الحضارة، الغريق في ظلام الجمود والتقهقر والاحتلال، وأرَتْه ما يبثه أعداء الإسلام من نيَّات غادرة بهذا الدين وأشياعه، وما يحاولون أن يلصقوه من مُفتريات!.
فثارت ثائرة الناشئ المتطوِّع، وأخذ يبحث عن أعداد (العُرْوة) جميعها، ثم جعل ينسخ بيده ما يَستعيره من الأعداد لفترة ضيِّقة، ليُحرِز النص لما يدخله جمال الدين، ومحمد عبده من الأفكار، وقد انتزعته هذه الصحيفة القويَّة من أحلام انزوائه وانطوائه، وصاحت به في هدوئه، فهبَّ ثائراً يبحث عن المنفذ لنفسه، ويرى الدفاع عن الإسلام فرضاً محتوماً على من كان في مثل إيمانه وثقافته وإخلاصه، وصمَّم على أن يأتي بالجديد.
لقد تخرَّج الطالب من مدرسته، ونال الشهادة العالمية فأصبح أستاذاً رسمياً للدين بلبنان، وكان الظنُّ به أن يسلك مسلك التدريس في معاهد وطنه الصغير، لو لم تفعل به أعداد: (العروة الوثقى) ما فعلت من تغيير، فرأى أنَّ رسالته لا تنحصر في التدريس بمعهد إقليمي صغير، ولكن رسالته الحقيقية أن يدرِّس الحقائق الإسلامية للعالم الإسلامي بأجمعه، وما من سبيل إلى ذلك دون الالتحاق بركب الإصلاح، حيث يقود جمال الدين القافلة، ويحمل وراءه محمد عبده مشعل الإرشاد فلابد إذن من مهاجرة لبنان والالتحاق برائدي البعث وقائدي الإيقاظ!.
لقد فرض عليه أن يكتب في صحيفة شاميَّة تُدعى: (ثمرات الفنون) وأن يرأس تحريرها بمرتَّب معقول، ولكنه رأى الرقابة العثمانيَّة تحرِّم عليه أن يحذو حذو العروة الوثقى فيما يقول، فهو إذن سيصبح هتَّافاً مأجوراً، يردِّد كلمات الثناء ويسكت عن بغي الطغيان!.
ثم تجيئه الأنباء بوفاة جمال الدين، فلا تفتُّ من عضده بل تدفعه إلى الإسراع بالهجرة، ليرى محمد عبده في مصر فيأخذ مكانه جواره، ويكون منه كما كان الأستاذ الإمام من جمال الدين.
والحقُّ: أنَّ إخلاص السيد رشيد قد هوَّن لديه كل صعب، فقضى على شكوك اليأس في نفسه، ووجد من إرادته الحازمة ما يدفعه إلى السفر العاجل، مهما جاءت العاقبة بغير ما يحب، وهناك ساعات حاسمة في كل فرد تدفعه دفعاً مُلحاً إلى أن يحقق رغبته، معقولة أو غير معقولة، وقليلون هم الذين يَستجيبون إلى هواتفهم الهادفة، فيلبُّون النداء مُسرعين تاركين كل تفكير مجهد في الإخفاق والخيبة، وكأنهم يستمعون إلى داعٍ مجهولٍ يبشرهم بالنجاح، ويعرض على عيونهم صور الانتصار باسمة مُشرقة، فيقبلون على مجازفتهم الجديدة آملين واثقين!.
وقد كان السيد في رحيله العاجل إلى بلد لا يَعرفه، وأستاذ يفوقه قدرةً ومكانةً ونفاذاً، وجهاد لا تتَّضح معالمه في جَلاء، كان السيد في ذلك كله يستمع إلى داعٍ مجهول يبشِّره بالنجاح، فنزل وادي النيل قوي الثقة عامر الإيمان.
وتمَّ اللقاء سريعاً بين الرجلين، فتلقى الأستاذ الإمام ضيفه اللبناني هاشاً مسروراً وفتح له منافذ القول، فاستمع إلى عقل راجح ونفس طموح، ولمح الإمامُ بفراسته النافذة ما يَعْتلج في نفس الطارئ الوافد من آمال في الإصلاح، وأدرك غَيرته المخلصة، وكلفه الهائم بنصرة الإسلام، وإعادة مجد المسلمين، فتشعَّب الحديث في شتى الأنحاء دون حَذَرٍ أو احتياط..
وقد حرص السيد: محمد رشيد أن يسجِّل في مذكراته مجلس الإمام لأول مرَّة معه، فكتب إلى صديقه الأستاذ: عبد القادر المغربي - نشرت رسالة السيد رشيد إلى الأستاذ المغربي بمجلة الرسالة، العدد 4 1 1، 9/ 9/ 1935- مُوجزاً أمينا لما دار من نقاش، كقارئ هذا الموجز على تشابه وإحاطته يقف على شيئين هامين: على الثقة السريعة التي اتصلت عاجلة بين الزائر والمضيف، وعلى الهموم النفسيَّة التي كانت تَزدحم في صدر الإمام وتشغله، حتى بادر بإذاعتها في أول لقاء.
لقد تحدَّث عن إصلاح الأزهر، وأظهر للسيد رشيد ما يتكاءده من العقبات في تنظيمه، وكشف نيَّات المغرضين حين يقفون باعتراضاتهم أمام كل إصلاح، ووصف الحالة العلميَّة للطلاب بالضعف والجمود، وقد قال في مرارة:
(كنت في الامتحان أسأل أحد الطلبة عن عبارة، فيحل ألفاظها بإرجاع ضمائرها، وبيان مُتعلق ظروفها - هذا إذا أحسن الجواب - فأسأله: عن المراد من هذه العبارة فلا يحير جواباً!.
ثم سأله السيد رشيد: عن الكتاب الذي يَعتزم تأليفه عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فصارحه الإمام بأنَّه يحتاج إلى مُساعدٍ أمين، يفحص له عن النصوص، لأنَّ أصحاب التآليف الكثيرة كالغزالي وغيره كانوا كذلك، وإلا فأين الوقت؟، فانتهزَ السيد رشيد هذه الفرصة، وأعلن استعداده للقيام بمثل ذلك، وقال في ثقة: ستجدني - إن شاء الله - من الصالحين.
ثم تعرَّضا معاً إلى صعوبة التآليف الهامَّة في اللغة العربية، وقال الأستاذ الإمام ما نصُّه: (إذا أردنا أن نكتب في تاريخ علم الكلام مثلاً فمن أين نستفيد؟. كيف كان هذا العلم في عصر الصحابة ومن بعدهم؟، وكيف اعتزل واصلُ بن عطاء مجلسَ الحسن البصري؟، ومن أين جاءه ذلك الفكر في المخالفة؟، وهل غيره على رأيه؟، وما الذي حمل أبا الحسن الأشعري إلى القول: بأنَّ الوجود عين الموجود مثلاً؟، وما غرضه من ذلك؟) ( ).
مهما يكن من شيء فقد تفرَّع الحديث تفرُّعاً أدى إلى ارتباط الرجلين، وانتهى بتعلُّق التلميذ بأستاذه، وثقة الإمام في صاحبه، وكان من نتيجته الهامَّة: هذه الأبوة الروحيَّة، التي دفعت الإسلام خطوات إلى التقدم، بما هيَّأت من أذهان وصحَّحت من أخطاء.
-2-
كان الشباب القوي المضطرم يدفع السيد محمد رشيد إلى العمل الجاهد، ويبسط أمامه من الأمل ما يتَّسع لإنقاذ أمة تستبد بها المخاوف والشكوك، وقد رأى: أنَّ الصحافة المستنيرة أوسع مجال للإرشاد والإيقاظ، فصمَّم على إصدار مجلة (المنار) لتسدَّ الفراغ الذي تركته (العروة الوثقى) منذ سنوات!، وإصدار مجلة متحررة في أمة محتلة عمل شجاع يعوزه الصبر والعزيمة والإيمان.
فالقارئ العربي إذ ذاك من الندرة بحيث لا تستطيع الصحيفة أن تقوم على تعضيده وحدَه، والمحتل المستبدُّ يترصَّد كل شعاع من ضياء الحقِّ ليقذف به في ظلمات العدم إلى الأبد، والمتخلِّفون من ذوي الدراسات الحشوية يتعصَّبون للقديم، ويقفون بتزمُّتهم أمام كل جديد! فصاحب الصحيفة الحرَّة حينئذ يقاتل وحدَه في ميدان عنيد.
ولكن خيال (العُروة الوُثقى) يُراوح رشيداً ويناديه، فيقوِّي من عزمه ويهوِّن من صعابه، ويرى في الأستاذ الإمام رصيداً معنوياً يشدُّ أزره، ويعاضد رأيه، فيصدر العدد الأول من: (المنار) ويحصر أهدافها في:
(الحثِّ على تربية البنات والبنين، والترغيب في تحصيل العلوم والفنون، وإصلاح كتب العلم وطريقة التعليم، والتنشيط على مجاراة الأمم المتمدِّنة في الأعمال النافعة، وطرق أبواب الكسب والاقتصاد، وشرح الدخائل التي مازجت العقائد للأمَّة، والأخلاق الرديئة التي أفسدت الكثير من عوائدها والتعاليم الخادعة التي لبَّست الغيَّ بالرشاد، والتأويلات الباطلة التي شبَّهت الحق بالباطل، حتى صار الجبر توحيداً، وإنكارُ الأسباب إيماناً، وترك الأعمال المفيدة توكلاً، ومعرفة الحقائق كفراً وإلحاداً، وإيذاء المخالف في المذاهب ديناً، والجهل بالفنون والتسليم بالخرافات صلاحاً، واختبار العقل وسفاهة الرأي ولاية وعرفاناً، والذلَّة والمهانة تواضعاً، والخشوع للظلم والاستسلام للضيم رضاً وتسليماً، والتقليد الأعمى لكل مُتقدِّم علماً وإيمانا).
وتلك لعمري أغراض شاقَّة، تتطلَّب من الجهاد ما يبلغه أولو العزم من المثابرين، وقد لاقت المجلة بادئ أمرها صعوبات مُرهقة في التوزيع والذيوع، ولكن قمَّة الإخلاص وسمو الهدف وعظم الاحتمال مما يهوِّن كل وَعْرٍ عسير، وكاد انتساب المنار للإمام - رضي الله عنه - مدعاة قبول لدى الصفوة المختارة من المثقفين، حتى أصبح منبر الشيخ: محمد عبده، ولسانه في الآفاق يُدوِّي بحديثه، ويسير بتعاليمه!.
يتبع
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر كتاب: (النهضة الإسلامية من سير أعلام المعاصرين، الجزء الأول صفحة 235).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين