يمكن إجمال الجهد التجديدي لمالك بن نبي في مجالين: مجال الدراسات القرآنية ومجال فكر النهضة. ففي الدراسات القرآنية ابتكر مالك –بالتوازي مع الدكتور محمد عبد الله دراز الذي قدم له كتابه "الظاهرة القرآنية"- منهجا جديدا للبرهنة على أصالة الرسالة القرآنية، يعتمد التحليل المنطقي والتاريخي أكثر من التحليل البياني اللغوي. وفي مجال النهضة كتب مالك جل كتبه، وهو ما نركز عليه هنا.
لقد قدم مالك بن نبي إسهامات جليلة في تجديد الفكر الإسلامي المعاصر، وتنقية المنبع الفكري الذي استمدت منه حركة النهضة منذ ختام القرن التاسع عشر. وأصبحت بعض المصطلحات التي نحتها مالك على كل لسان. ومن ذا الذي لم يسمع بمقولاته حول العلاقة بين "الاستعمار" و"القابلية للاستعمار"؟ والصلة بين "الأفكار الميتة" و"الأفكار المميتة"؟ ومراحل تطور الحضارة الإسلامية من "طور الروح/الصعود"، إلى "طور العقل/الامتداد"، إلى "طور الغريزة/الانحطاط"؟
وقد توصل مالك بن نبي إلى أن أزمة المجتمع المسلم هي أزمة منهجية عملية في الأساس، وأن التحدي الرئيس الذي يواجه المسلمين هو تحدي النهضة. وصاغ نظريته في التغيير الاجتماعي على أساس مبدإ الفاعلية. وقد أخذ مالك على بعض حركات الإصلاح التي ظهرت في العالم الإسلامي مطلع القرن العشرين إغراقها في الحديث عن العقائد المجردة على طريقة علم الكلام القديم، وتفريطها فيما دعاه "الفكر الفني الذي يعجل بحركة التاريخ". ففقدت هذه الحركات رسالتها ودورها التاريخي، كما يقول مالك، لأن "المسلم لم يتخل مطلقا عن عقيدته ، فلقد ظل مؤمنا .. ولكن عقيدته تجردت من فاعليتها، لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي … وعليه فليست المشكلة أن نعلِّم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها، وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي. وفي كلمة واحدة: إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله ، بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده".
تغيير جوهر الإنسان
وحين قارن مالك بين منهج محمد عبده ومنهج محمد إقبال اكتشف الفرق بين المدرستين: مدرسة كلامية تتعامل مع المشكلة الإسلامية في الإطار الذهني المجرد، ومدرسة عملية تهدف إلى تغيير جوهر الإنسان ومحيطه الاجتماعي. وقد كتب مالك عن ذلك يقول: "إن المدرسة الإصلاحية [بقيادة الشيخ محمد عبده] صاغتها بلغة علم الكلام، بينما صاغها إقبال في مصطلحات أخرى، حين نبَّه على أن المطلوب ليس العلم بالله، ولكنه – في أوسع وأدق معانيه– الاتصال بالله. ليس المطلوب مفهوما كلاميا، ولكنه انكشاف للحقيقة الخالدة، وبحسب تعبيره هو: (تجلي هذه الذات العلوية)". ولذلك لا عجب أن المدرسة الإصلاحية بقيادة عبده "ظلت تعاليم تهدف إلى تخريج متخصصين بارعين، أكثر مما تتجه إلى تكوين دعاة مخلصين" حسب تعبيره. والمتخصص البارع الذي لا يحمل هما ولا رسالة، إنما يغذي وقود الجدل على حساب العمل.
وقد ذهب مالك بنْ نبي إلى أن المدرسة الإصلاحية كان في وسعها أن تؤثِّر في مسار المجتمعات الإسلامية تأثيرا أكثر إيجابية "لو أنها استطاعت أن تقوم بتركيب أفكارها، وتجميع عناصرها، لتوحد ما بين الأفكار الأصول التي ذهب إليها الشيخ محمد عبده، وبين الآراء السياسية والاجتماعية التي نادى بها جمال الدين، الأمر الذي كان سيؤدي حتما إلى طريق أفضل من مجرد إصلاح مبادئ العقيدة".
وكان إقبال قد سبق مالكا في التشديد على أن النفوس المؤمنة إذا لم يشفها تدبر القرآن واستنطاقه بمنهجية عملية، فلا الذوق الصوفي (الكشف) بمغن عنها، ولا الجدل الكلامي (الكشاف) بنافعها. يقول إقبال في ديوانه: "جناح جبريل":
نفسٌ إذا القرآن ما انتفعت به
لا الكشف ينفعها ولا الكشَّافُ
والسر في هذا التشخيص الذي اتفق عليه إقبال ومالك وغيرهما من خيرة العقول المسلمة، هو أن علم الكلام – الذي رمز إليه إقبال بكتاب "الكشاف" للزمخشري- يزيِّف المشكلة الإسلامية من أساسها، كما دلت عليه التجربة التاريخية للمسلمين "حيث لم يكن المتجادلون يبحثون عن حقائق وإنما عن براهين" كما يقول مالك. ذلك أن "علم الكلام لا يواجه مشكلة الوظيفة الاجتماعية للدين"، وهي جوهر أزمة المجتمع المسلم الآن، ومن أجل استرجاعها ظهرت الحركات الإصلاحية المعاصرة، بل يشغل الناس بالجدل حول أمور غيبية لا مجال لحسمها من الناحية العلمية، ولا تترتب عليها ثمرة عملية.
رحم الله مالك بن نبي.. منظر النهضة الإسلامية.