
بسم الله الرحمن الرحيم
عِشتُ مع أخي الدكتور عدنان زرزور، وأخينا الأستاذ عمر عبيد حسنة، عمرًا مديدًا؛ منذ المرحلة الإعدادية وحتى تخرُّجنا في الجامعة. وكنَّا نلتقي دائمًا في الجامعة، حيث تجمعُنا قاعات الدرس، وقاعات المطالعة، وقاعة المحاضرات العامَّة في مدرَّج جامعة دمشق.
وبعد تخرُّجنا في الجامعة عام 1959 كنَّا حريصين على اللقاء كلَّما توافرت لنا الظروفُ المناسبة، وكنَّا نتبادلُ الزيارات في منازلنا، حيث كان يزورُني في التل، وأزورُه في المَيدان، ونزورُ الأستاذ عمر في قَطَنا. كما كنا نزورُ أستاذنا السباعي - رحمه الله - في منزله، معَ أستاذنا الدكتور محمد أديب صالح. وكنَّا مرَّة على موعد في بيت أخينا الدكتور عدنان لزيارة أستاذنا السباعي، حيث فجَأنا خبرُ وفاته رحمه الله رحمة واسعة.
بعد وفاة أستاذنا السباعي عام 1964م تولَّى أستاذنا الدكتور محمد أديب صالح -رحمه الله- رئاسةَ تحرير مجلَّة "حضارة الإسلام"، ورغب إليَّ أن أكون معه مديرًا مسؤولًا للمجلة، ولم يكن بوسعي إلا الاستجابة، فكنَّا نلتقي يوميًّا مع أستاذنا الدكتور أديب، وربما التقينا قي منازلنا، وربما قُمنا بجَولات في بعض مناطق الاصطياف؛ كالزَّبَداني، وقُرى سَفْح جبل الشيخ.
وفي عام 1964 أُوفدَ أخونا عدنان مُعيدًا للدراسات العليا في دار العلوم بالقاهرة. وكنا نلتقي في عُطلة الصيف. وفي عام 1967 تعاقدتُّ مع الجامعة الإسلامية في المدينة المنوَّرة، وتسلَّم أخونا الأستاذ عمر مهمَّة المدير المسؤول في المجلة، وعمل أخي الدكتور عدنان على تسجيلي في كلِّية أصول الدين بجامعة الأزهر في مرحلة الماجستير، وذهبت إلى القاهرة، وحضَرت محاضرات في كلِّية أصول الدين، كما زُرت الأخ عدنان في منزله، وقمت معه بجولة في القاهرة، تعرَّفت فيها على كبار العلماء أمثال: العلَّامة الشيخ محمد أبو زهرة، والأستاذ المحقِّق السيِّد أحمد صقر، حيث زُرناهما في منزلَيهما، والأستاذ محمد رشاد عبد المطَّلب أعلم الناس بالمخطوطات في مصر، ومعه الأستاذ عبد الفتَّاح الحلو، والأستاذ محمود محمد الطناحي، وكانوا جميعًا في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية، وزُرنا بعض أساتذة كلِّية أصول الدين، وبعض أساتذة كلِّية الشريعة.
وفي عام 1973 ناقشت رسالة الدكتوراه، وعُدتُّ إلى دمشق، فوجدتُّ الأستاذ عمر قد اشترى بيتًا في دمشق، ورغَّبَنا في أن نكونَ مجاورِين له، فوجَدنا طابقًا قابلًا للقِسمة إلى شقَّتَين مقابلًا له، فاشتَرَيناه وقسَمناه، وأصبحنا ثلاثتنا متجاورِين. نعيش حياةً واحدة في مكان واحد.
وحاولت الانتقال إلى التدريس الجامعي، بعد حصولي على الدكتوراه، فلم يُسْتَجَب لي، ودَرَّستُ سنتَين في المرحلة الثانوية -بعد حُصولي على الدكتوراه- ثم ذهبت إلى وزير التربية -الدكتور شاكر الفحَّام رحمه الله- وقلت له: إنَّ جماعتك حتى الآن لم يوافقوا على نقلي للجامعة! فقال: أستطيع مساعدتك في حالة واحدة: إذا استقَلتَ أقبلُ استقالتك، واذهب حيثُما تريد. فاستقَلتُ وتعاقدتُّ مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض عام 1975، وبقِيتُ فيها إلى عام 1982حين انتقَلتُ إلى جامعة الكويت، وبقيت فيها إلى عام 1990حين دخل صدَّام الكويت، فانتقلنا إلى الجامعة الأردُنِّية، وبقينا فيها مدَّة سنتين، ثم انتقلنا إلى جامعة الإمارات، وبقينا فيها مدَّةً طويلة، انتقلنا بعدها إلى جامعة قطر عام 2015- 2016 حيث اجتمعتُ مع أخي الدكتور عدنان هاتين السنتين، ثم انتقلت إلى إستامبول وأكاديمية باشاك شَهِير للعلوم العربية والإسلامية، ثم عُدنا إلى دمشقَ بعد التحرير.
وفي هذه السنوات الطويلة كنَّا على تواصُل عن طريق الهاتف، وأحيانًا عن طريق الزيارات، حيث رتَّبتُ له زيارةً استشارية إلى جامعة الكويت للنظر قي مناهج الدراسات العليا. كما رتَّبتُ له مشاركةً لمناقشة رسالة الدكتوراه لصلاح الخالدي التي كنت أُشرف عليها، وكانت بعنوان "في ظلال القرآن: دراسة وتقويم". كما رتَّبَ لي مرَّةً زيارةً إلى جامعة البحرين التي كان يدرِّس فيها.
وفي إستامبول تجاوَرنا أيضًا في مجمَّع للاصطيا ف في جبال بولو، حيث كنَّا نلتقي معظمَ الوقت، ونتبادل أطرافَ الحديث، في كلِّ ما يهمُّنا. وكنَّا نأمُل مجيء أخينا الدكتور عدنان إلى دمشق، بعد أن استعَدنا بيوتنا المصادَرة منذ عام 1982 بأمرِ نائب الحاكم العُرفي وزير الداخلية في العهد البائد، ولكنَّ المرض كان يؤخِّره حتى فجَأ ه القدَر المحتوم، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله العلي العظيم.
لقد كان أخونا الدكتور عدنان زرزور -رحمه الله- مُجدًّا في دراسته، دؤوبًا في عمله، لا يعرف الكلالَ ولا الملال، محبًّا لإخوانه، محبَّبًا إليهم. يقوم بواجبه كما ينبغي، يُتابع البحث والدرس ليأتيَ بالجديد النافع. يجولُ في مَيدان الدراسات القرآنية بخاصَّة، والفكرية بعامَّة، وتجدُ مِصداقَ ذلك في الكتب والمؤلَّفات التي قضى حياته في تحريرها وتحبيرها، والكتب التي أجادَ تحقيقها ودراستها، وفي الطلبة الذين تلقَّوا دروسَه ومحاضراتِه، وفي زملائه الذين عاشوا معه، وعرَفوا قدرَه.
لقد فقدَتِ الأمَّة بفَقْده عالمًا متمكِّنًا، وأستاذًا قديرًا، ومحقِّقًا مدقِّقًا، وكاتبًا ممتازًا. فرحمه الله رحمةً واسعة، وأجزلَ مثوبتَه، وحشره الله مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا.
إننا نعزِّي أنفسَنا بفقيد العلم والأدب، كما نعزِّي أسرته وأفراد عائلته جميعًا، وبخاصَّة ابنه عثمان، وبناته الفاضلات، وأخاه الأستاذ ياسين، وبقيَّة إخوته وأخواته. كما نعزِّي صديقَنا صِهرَه: أبا تيسير عَرار، وجميعَ آل عرار، وجميعَ أصهاره وأصدقائه الذين عرَفوه، وتلاميذه الذين درسوا عليه. كما نعزِّي زملاءه في كلِّية الشريعة بجامعة دمشق، الذين كانوا يسألون عنه وينتظرون قدومَه.
رحم الله فقيدَنا الغالي، وألهم أهله الصبر والسُّلوان، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله. وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.
بقلم أ.د. أحمد حسن فرحات
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين