ترجمة مختصرة للشيخ الشهيد عبد الرحمن نوفلية

ترجمة مختصرة للشيخ الشهيد عبد الرحمن نوفلية

التصنيف: علماء دعاة مربون
الاثنين، ١٢ شعبان ١٤٤٦ هـ - ١٠ شباط ٢٠٢٥
427
عبد الرحمن زهير نوفلية
عبد الرحمن زهير نوفلية
الميلاد :1973 - 04 - 07- الوفاة :2012 - 08 - 17

إنّ من أقلّ ما يُقدّم لأهل الفضل والعلم والدعوة والجهاد السعيُ في أن تُنشر محاسنُهم ومآثرُهم، وأن يُتعبّد الله سبحانه وتعالى بحبّهم والدعاء لهم. حتّى يكونوا قدوة لأبنائهم ومحبّيهم وتكون حياتهم حافزًا لطلبة العلم ومن لهم همم تواقة للجهاد والنضال ضد الباطل أينما كان. فهم ورثة الأنبياء ونفعهم متعدّ دائمًا إلى غيرهم مهما قَصُرت أعمارهم أو قلّت أسفارهم ورحلاتهم.
فمن هذا الباب أحببتُ أن أعرفّ بهذا الداعية المخلص (ولا نزكّي على الله أحدًا)، وليس قصدي الاستيعاب؛ إنّما هو تعريف يسير موجز، فإنّي لم أُصاحبه فترة طويلة لكنّي نقلتُ ما تحدّث عنه أقرانه وأقرباؤه ومن يعرفونه حقّ المعرفة.
هو الشيخ الشهيد أبو اليمان عبد الرحمن بن زهير بن محمّد سعيد بن عبد الجليل نوفليّة الميدانيّ الشافعي
والده الشيخ المربّي العلامة زهير - رحمه الله تعالى - (1936 - 2001 م) هو من أكابر مشايخ وعلماء حيّ الميدان الدمشقيّ الشهير، وقد تلقّى علمه على أكابر عصره وزمانه كالعلامة الشيخ يوسف عَرار الميدانيّ الذي يعدّ من خواصّ شيخ الشام المجاهد العلامة حسن حبنّكة الشهير الميداني الدمشقي الشافعي (1908 - 1978 م) وتلقّى كذلك عن المفسّر المحدّث عبد الرحمن الزعبي الطيبي (1910 - 1969 م)، وقرأ عند الشيخ الإمام الصالح عبد الكريم الرفاعي الحُسينيّ الدمشقيّ الشافعيّ (1904 - 1973 م) رحمهم الله تعالى أجمعين.
للشيخ عبد الرحمن سبعة إخوة؛ منهم أربعة ذكور كان أكبرهم الأستاذ الشيخ محمد حسن رحمه الله تعالى.
كانت ولادة الشيخ عبد الرحمن بدمشق حاضرة العلم والعلماء في الشام، في اليوم السابع من شهر نيسان لعام 1973 ميلاديّة، وقد تلقى العلم منذ صغره على أبيه وتلقّى منه التربية وترعرع في كنفه؛ فكان بذلك سليل هذه المدرسة المتّصلة بالشيخ المجاهد المحدّث الأكبر العلامة بدر الدين الحسني (1850 - 1935 م) علمًا وتربية ودعوةً. وعلى هذا سار؛ فحفظ القرآن الكريم كاملًا بالسند المتّصل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام برواية حفص - رضي الله عنه - من طريق الشاطبيّة وقد أجازه حفظًا وتحفيظًا شيخ قراء بلاد الشام الفقيه المقرئ الصالح محيي الدين بن حسن الكردي الداريّ (نسبة إلى مدينة: ديار بكر) الدمشقيّ الذي عاش فيها ومات فيها معمّرًا (1912 - 2009 م) رحمه الله تعالى. وقرأ كذلك على الشيخ أحمد صالحة وعلى الطبيب الشيخ (أبو البركات) محمّد سامر النصّ - حفظه الله تعالى - . ثمّ كاد أن يُنهي حفظه بالقراءات العشر لولا أن سبقته منيّته - تقبّله الله - .
وكذلك سار في طريق طلب العلم الشرعيّ بالطريقة الأكاديميّة فضلًا عن تلقّيه عن طريق مجالس العلماء على الرُكَب؛ فتلقّى العلم على مشايخ ومربّي درّة معاهد دمشق العلميّة العظيمة "معهد الفرقان" فحصل على شهادته سنة (1993 م). ثمّ حصل على درجة "البكالوريوس" في الدراسات الإسلاميّة من جامعة أمّ دُرمان الإسلاميّة / كليّة أصول الدين في فرعها بدمشق سنة (1999 م).
كان شديد التمسّك بحضور دروس العلم بين يدي الشيخ الربّاني المجاهد العلامة أسامة عبد الكريم الرفاعي الحُسينيّ الدمشقيّ مفتي سوريا - حفظه الله - في مسجد الشيخ عبد الكريم الرفاعي في "حيّ كفرسوسة" بدمشق.
كانت له جهود علميّة أعرفُ منها أنّه ساهم في تحقيق كتاب: منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه الشافعي، مشاركًا جهده مع العالم الشيخ المحقّق قاسم بن محمد آغا النوري الميدانيّ الشافعيّ - حفظه الله تعالى ونفع به - .
كان الشيخ عبد الرحمن امتدادًا لدعوة والده فبدأ بالدعوة باكرًا منذ صباه، إلى أن اعتلى منبر مسجد الصحابيّ سعيد بن زيد - رضي الله تعالى عنه - في حيّ الميدان (المشهور بمسجد (ضَبَّه) نسبة إلى امرأة كانت قد أنشأت الجامع على نفقتها كما أفادت شهادات أهل الحيّ) فكان إمامًا وخطيبًا فيه. وقد أخرجه بعض الوشاة أعوان نظام الكفر والظلم (الذي كان يحكم سورِيَا آنذاك) منه، فخطب فترة في مسجد مصعب بن عمير بمنطقة عَدْرَا الملاصقة لأطراف ريف دمشق، وخطب في جامع سعد بن الربيع في حي الزهور بدمشق.
كان مفوّه اللسان قويّ النبرة مؤثّرًا في المستمع. وله تأثيره الخاصّ في خُطب المجالس. تسبق كلامه محبّة الناس له وقبوله عندهم.
درّس العلوم الشرعيّة؛ وكان متمكّنًا في علوم الفقه والحديث الشريف، وخصّص الكثير من جهده لتدريس اللغة العربيّة والحرص على سلامة الفصحى وتحريرها من اللحن الذي شابها في عصره. وجعل من مساعدته لطلاب المدارس الحكوميّة في فهم المواد الكونيّة التي يدرسونها مطيّة للدخول إلى قلوبهم ثمّ التأثير فيهم وتقويم سلوكهم واستخراج الدعاة منهم؛ ومن ذلك أنّه أنشأ عدّة معاهد تعليميّة في مدينة دمشق وما حولها لتكون محطّة يستطيع جذب الشباب من خلالها إلى المساجد. وهذه الطريقة كانت عادة بعض أعيان دعاة الشام كالشيخ عبد الكريم الرفاعي ووالده الشيخ زهير.
حرصَ دائمًا على تصحيح لسان عامّة الناس حوله في قراءة كلام الله تعالى، ولم يكن مستغربًا أن يستغرق منه تصحيح قراءة سورة الفاتحة فقط ساعات طويلة جدًا لمن كان يأتيه ظانًّا من نفسه أنّه يُحسن تلاوتها تجويدًا ونطقًا سليمًا. وينسحب اهتمامُه هذا على سائر القرآن ولكلّ الأعمار. وهذه صفة حفّاظ أهل الشام في ذلك الوقت (تميّزهم بالإتقان الشديد والحرص على سلامة مخارج الحروف والتمكّن من التلاوة والتجويد) .
عُرف عن الشيخ عبد الرحمن نوفليّة كثرة صلته لرحمه ومداومته على ذلك، واهتمامه بشؤون قرابته جميعهم. ويتّصل بذلك الخُلُق خلقٌ آخر وهو الوفاء وحفظ المعروف لأهله وأصحابه ومشايخه. وقد كان مثلًا يُحتذى في التواضع واللطافة والابتسامة الدائمة، يمشي في حاجات الناس ويجبر كسر خواطرهم، لم يجهر بما يقدّمه أمام الناس بل يخدم أهله وإخوانه وعامّة المسلمين خفية بينه وبين ربّه عزّ وجلّ.
تزوّج من سيّدة كريمة صالحة هي: لبنى بنت التاجر الصالح الداعية الحاجّ عبد الله بن الإمام الربّانيّ عبد الكريم الرفاعي - رحمهما الله تعالى -، له منها من الأولاد الذكور ثلاثة هم: يمان وعمّار وعبد السلام. عرفوا أباهم صغارًا وكان يرقُب فيهم أن يكونوا فصحاء خطباء وحفّاظًا لكتاب الله. حملت والدتهم أُمنيَة والدهم فكانت تلك الأمنيّة دائمًا هي همّها الشاغل. وحرِص والدها على إعانتها في ذلك، وأولاده الآن مثالٌ للشباب الملتزم والدؤوب على حفظ كتاب الله وطلب العلم وحبّ الخير للناس. وسيكونون بإذن الله خير خلف لأبيهم في طريق الدعوة قريبًا إن شاء الله تعالى.
إنّ مهمّة أهل العلم والدعوة الأولى هي أن يسيروا بين الناس عاملين بما تعلّموه، يطبّقون ما يعلّموه لهم، فلا خير في عالم أو واعظ أو داعية إن لم يكن قدوة لمن يسمعه أو يرى حاله، وقد قال الشاعر:

واعملْ بما علَّمْتَ فالعلماءُ إنْ ... لم يعملوا شجرٌ بلا إثمارِ
والعلمُ مهما صادفَ التقوى يكنْ ... كالريحِ إذْ مرَّتْ على الأزهارِ


ومن أهمّ ما يمكن أن يفعله العالم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخاصّة أمام الظالمين، فعندما ثارت غالبية أهل سوريا سنة 2011 م على جلادها وفرعونها "بشّار الأسد" الذي ظلمهم واغتصب الحُكم منهم وحكم بغير دين الله بل وجاهر بمحاربة دين الله تعالى. عندها كان لا بدّ للشيخ أن ينهض مع من نهض وتكون له صولة وجولة على طريق إظهار الحقّ وإنكار الظلم والقتل الذي كان، فمن مواقفه رضي الله عنه أنّه خطب على منبر الجمعة بعد الأحداث المرّوعة التي أقدم فيها زبانية بشار الأسد الغلاظ الشداد المارقون القتلة على ضرب الشيخ أسامة الرفاعي على رأسه لحظةَ خروجه من المسجد يريدون قتلَه لا أذيّتة فقط ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة 2011م؛ يومها خطب خطبة تحدّث فيها عن إظهار الحقّ والوقوف في صفّ أهل العلم الذين يبذلون حياتهم من أجل الناس، وأنكر فيها على العلماء الذين أعانوا بشّار وأعوانه.
ومن مواقفه أنّه حين نزح أهل حمصَ العديّة بعد أن تعرّضوا للقصف والقتل والاعتقال من زبانية بشّار النصيريّين استنهض الشيخ الهمم وقام بنفسه باستقبال المسلمين النازحين من هناك وعمل ليل نهار على تأمين معيشتهم وإعانة أولادهم على استكمال دراستهم في معاهده مجانًا دون مقابل، وأصبح يدعوا الناس للبذل في سبيل إغاثتهم وخاصّة من كان يتيمًا منهم أو مصابًا.
وأشهدُ بنفسي أنّه رضي الله عنه قد جمع من أهل الخير مبالغ ماليّة سلّمها لي لتعين أهل داريّا (وهي أكبر مدن غوطة دمشق الغربيّة) الذين يتمّ قصفهم وقتلهم بعد أن انتفضوا وبدأوا بمقارعة الظالم والظالمين، وحدّثته حينها عمّا يحدث في داريّا، فبثّ لي بعضًا من الألم الذي يشعر به والحزن الذي يعتريه ممّا يحصل في أرض الشام، وأبلغني ببعض ما كان يقوم به لأهل حيّه (حيّ الميدان). وكان هذا آخر عهدي به - على ما أذكر - .
شاء الله تعالى أن تحدث معركة سريعة صغيرة في حيّ الميدان أغارت فيها بعض فصائل الجيش الحرّ (وهم الثوّار الذين حملوا السلاح ليحموا المدنيّين) على قوّات المجرم بشّار الأسد في حيّ الميدان في الخامس عشر من شهر آب لعام 2012 م ليسيطر على إثرها المجاهدون على هذا الحيّ وليعلنوا أنّهم سيبدؤون معركة نحو العاصمة دمشق. لكن ما لبثت هذه المعركة أن انتهت وانسحب الجيش الحرّ من الحيّ، وأشاع النظام في أهل الميدان القتل والتشريد والخطف، فاستنهض الشيخ الهمم واستنفر جميع ما لديه من قوّة في تأمين الناس العزّل وإخراجهم من بيوتهم خارج الحيّ حفاظًا عليهم من يد قوّات النظام الفاجرة القاتلة وطائراته التي لا تعرف مقاتلًا من مدنيّ أعزل. وبقي على هذا يعين الضعيف ويغيث الملهوف حتّى فُقدَ الشيخ عبد الرحمن نوفلية بعد يومين (أي في اليوم السابع عشر) ولم يره أحد بعدها. ومن عادة جيش بشّار الأسد المغوليّ أنّه كان يقتل المجاهدين والدعاة والمناضلين إن ظفِرَ بهم أثناء المعارك انتقامًا منهم وكان يُخفي جثثهم زيادة في التنكيل بهم وبأهليهم.
بقي مصير الشيخ عبد الرحمن مجهولًا فلا جثّة تُعرب عن حاله، ولا خبرًا من أحد مّمن سُجنَ في تلك الفترة أو بعدها، إلى أن شاء الله أن تنتصر الثورة بالجهاد والمقاومة أواخر سنة 2024 م في اليوم الثامن من شهر كانون الأوّل. وخرج كلّ من كان في غياهب سجون النظام الظالم، وتأكّد أنّ الشيخ عبد الرحمن لم يكن بين السجناء الأحياء وعُدّ بذلك شهيدًا جميلًا في الفردوس الأعلى بإذن الله تعالى. وأغلب الظنّ أنّ قاتليه علموا من هوَ وما الذي كان يفعله من نصرة الحقّ بالكلمة وإغاثة المكلومين بالمال والعمل. ليكون قد قضى عن أربعين عامًا عاشها في الدعوة والعلم والجهاد.
قال الله جلّ وعلا في مُحكمِ آياته: (( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا. ))
ويحضرني هنا قول أمير الشعراء شوقي:

أَلا في سَبيلِ اللَهِ ذاكَ الدَمُ الغالي ... وَلِلمَجدِ ما أَبقى مِنَ المَثَلِ العالي
وَبَعضُ المَنايا هِمَّةٌ مِن وَرائِها ... حَياةٌ لِأَقوامٍ وَدُنيا لِأَجيالِ


وقد كتبتُ ما عرفتُه أو سمعتُه عن الشيخ عبد الرحمن؛ متمنيًا أن يزيد عليّ من عرفه من مشايخه وطلابه ومن عاصره حين تصلهم هذه النبذة التي تكتبتُها. رحمه الله تعالى ورضي عنه وجمعنا به في الفردوس الأعلى مع حبيبنا وقرّة أعيننا محمّد بن عبد الله وصحابته الكرام وتابعيهم وعلمائنا الصالحين وسادتنا الأنجاب الربّانيّين. اللهمّ آمين


بقلم: زاهر تحسين زيادة

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين