
وراثة ومتابعة
القسم الثاني: المتابعة
٥. همّ الأمة (والخاتمة)
كان الشيخ محمد علي مشعل متفاعلا مع قضايا بلده وأمته، وحصل انقلاب البعث في عام ١٩٦٣م، وكان الشيخ يسعى مع العلماء إلى تصويب الحكومة بما يثمر أحيانا، ومن ذلك أنه ذهب إلى نور الدين الأتاسي وزير الداخلية حينها في وفد جمعية علماء حمص: رئيس الجمعية مفتي حمص الشيخ بدر الدين الأتاسي، والشيخ عبد العزيز عيون السود أمين الفتوى، والشيخ أبو السعود عبد السلام، والشيخ عبد الفتاح المسدي، والشيخ عبد الغفار الدروبي، وذكروا له ما تنشره الصحف ضد الدين، وما يتصرف به البعض ضد الأخلاق. وأنكر نور الدين ذلك، فأخرج الشيخ له الصحف، فاغتاظ وقدّر أن الشيخ هو من رتب وفد العلماء للإنكار، وتكلم بكلمات تنم عن التهديد أن جمع الشيخُ العلماءَ لهذا. فأسند الشيخ ظهره جالسا ورفع إحدى رجليه على الأخرى دون أن يرد ببنت شفة، ثم خرج الشيخ دون أن يوّدعه، وبلغ ذلك عائلة الأتاسي فعاتبوا نور الدين عتاباً شديداً.
وبإصرار البعثيين والنصيريّين على غيّهم وباطلهم، والتحركات الاستفزازية من أفراد الحرس القومي والمنظمات النسائية، وغير ذلك من الشعارات ومظاهر السوء، انطلقت الاحتجاجات الشعبية وحصلت الاعتصامات عام ١٩٦٤م. وكان الشيخ يخطب مبيّنا للناس ومنكرا، فتعرض الشيخ للملاحقة بغرض الاعتقال، فتوارى عن الأنظار ٥٥ يوما في دمشق في بيت نزار الصباغ حيث كان طالبا في جامعة دمشق ثم عاد الشيخ إلى حمص وبقي أسبوعا عند الشيخ عبد الخالق الحصني ثم أسبوعا عند الشيخ عبد الفتاح المسدي، وتدخل الشيخ طاهر الرئيس وبعض العلماء وانتهت الملاحقة. ولأجل المعتقلين من حمص الذين كانوا قد اعتصموا في جامع سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه، خرج الشيخ مع جمعية العلماء وفيهم شيخه الشيخ أبو السعود بسمار والشيخ عبد الفتاح المسدي والشيخ عبد الغفار الدروبي والشيخ وصفي المسدي إلى مقابلة محمد أمين حافظ رئيس الجمهورية وجمع أعضاء مجلس الرئاسة واستجاب بالعفو عن المعتصمين في حمص.
ونحو عام ١٩٦٥م شارك الشيخ محمد علي مشعل في توقيع نداء من علماء المسلمين في سورية بشأن العدوان الذي شنته دولة الهند على الشعب المسلم في باكستان من أجل استلاب كشمير وكان في الموقعون من حمص: شيخه أبو السعود والشيخ عبد الفتاح المسدي والشيخ عبد العزيز عيون السود والشيخ وصفي المسدي، وكان على رأس الموقعين من دمشق الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت رحمه الله تعالى.
وفي عام ١٩٦٦م قابل الشيخ رئيس الدولة نور الدين الأتاسي مع وفد جمعية العلماء: الشيخ عبد الفتاح المسدي والشيخ عبد الغفار الدروبي والشيخ وصفي المسدي في موضوع إلغاء علامات مادة التربية الإسلامية من مجموع تحصيل الشهادتين المتوسطة والثانوية. وكذا شارك مع الشيخ عبد العزيز عيون السود والشيخ وصفي المسدي وغيرهم في مقابلة حافظ أسد وزير الدفاع حينها من أجل قرار التعليم المختلط.
وفي أواخر نيسان/إبريل ١٩٦٧م، نشرت مجلة الشعب التي تصدر عن إدارة التوجيه المعنوي للجيش مقال (الطريق لخلق إنساننا العربي الجديد) بتوقيع إبراهيم خلاص، وخطب الشيخ خطبة ناقش فيها المقال وما فيها من الكفر الصريح. فاعتقل في ثاني أيام أيار/يوليو وبقي في السجن ٣٣ يوما إلى أن صدر العفو العام عن المساجين السياسيين بعد هزيمة حزيران. وكان ممن اعتقل في الاحتجاج على هذا المقال الشيخ حسن حبنكة الميداني رحمه الله لخطبته في دمشق.
وفي مطلع عام ١٩٧٣م خرج مع بعض علماء حمص إلى العراق وزاروا مسجد الإمام أبو حنيفة ومسجد موسى الكاظم وكربلاء وقبور آل البيت وغير ذلك. ثم مضوا إلى الكويت ونزلوا ضيوفاً على الشيخ عبد الرحمن النظامي رحمه الله، وزاروا بعض الوجهاء وحصلوا على تبرعات لجامع الفاروق في حمص الذي كان أول خطيب له بعد افتتاحه. ثم ذهبوا إلى السعودية، ونزلوا ضيوفاً على الشيخ علوي المالكي ثم على السيد المنتصر الكتاني رحمهما الله، وقابلوا الملك فيصل رحمه الله مقابلة المثمرة، وقال: "إذا لم نقم بمثل هذه الأمور فلماذا نحن موجودون!".
وعلى خلفية الدستور الذي أصدره حافظ الأسد في نسيان/إبريل ١٩٧١م دستورا علمانيا حزبيا، سعى العلماء في التواصل مع المسؤولين في سبيل الإصلاح، وبعد مضي سنة وعشرة أشهر على هذه المساعي.. وصلوا إلى أن مقابلاتهم لم تجد. وفي موعد المحاضرة الأسبوعية التي تقام باسم جمعية العلماء، في مسجد الدعوة في جورة الشياح يوم الثلاثاء ٣٠ كانون الثاني/يناير ١٩٧٣م، تكلّم الشيخ باسم علماء حمص ففند الدستور وأكد أن علماء حمص يريدون أن يوضع في الدستور: دين الدولة الإسلام، والفقه الإسلامي مصدر التشريع، وأنهم سيقاطعون الاستفتاء إذا لم يوضع هذا، وأن علماء سورية كلهم مجمعون على ذلك. وهي محاضرة مسجلة مشهورة باسم خطبة الدستور.
ثم عقد يوم الخميس اجتماع في مجلس مفتي حمص الشيخ طيب الأتاسي حضره من أعضاء جمعية العلماء: الشيخ أبو السعود بسمار والشيخ وعبد الفتاح المسدي والشيخ عبد الغفار الدروبي والشيخ وصفي المسدي والشيخ محمد علي مشعل. وشارك فيه رئيس المخابرات غازي كنعان، ورئيس الشعبة السياسية مصطفى أيوب، ورئيس الحزب ورئيس الشرطة، والأستاذ عبد المجيد الطرابلسي الذي أخبر الشيخ أن المسؤولين يريدون الكيد له. وصار الحديث حول الدستور وحصلت المناقشة، واتفقوا على رفع النتائج من قبل المحافظ والمسؤولين للرئيس حافظ أسد. وكتب العلماء مسودة بقيت في جيب الشيخ محمد علي مشعل، وأخذ المسؤولون مسودة.
ودعا المفتي المحافظ والموجودين إلى غداء يوم الجمعة، ونام الشيخ في حمص ليلة الجمعة، وذهبت المخابرات تسأل عنه في تلدو ثم رجعت حمص تسأل كل من بلغها أنه يبيت عندهم. وبلغ ذلك الشيخ في صباح الجمعة، فذهب مع المفتي والشيخ وصفي إلى المحافظ فتعجب ونفى تصوره ذلك. وبعد صلاة الجمعة وفي الطريق إلى دار المفتي مع الشيخ وصفي، أوقفت المخابرات الشيخ محمد علي مشعل وطلبت مرافقته لهم وكان اعتقاله الذي دام سنتين في شباط/فبراير عام ١٩٧٣م بسبب احتجاجه باسم العلماء ونيابة عنهم على صدور دستور لسوريّة لا يعترف بالإسلام دينا لها، ولا بالفقه الإسلامي مصدر التشريع. وجرى الاستفتاء يوم ١٢ آذار/مارس وصدر بمرسوم جمهوري في اليوم التالي.
وبعد هجرته إلى المدينة المنورة في جوار رسول الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، استمر الشيخ متفاعلا مع قضايا بلده سورية وبلاد أمة الإسلام، معلما ومذكرا، وناصحا وموجها، وباذلا جاهه وماله في حاجات أهل بلده وتفريج كرباتهم، وساعيا في مصالحهم ورفع الظلم عنهم، بما يتناسب مع بلد إقامته وسلوك السبل المتاحة فيها وطرق أبواب المسؤولين وذوي الشأن من أهلها.
وبهذه الرسالة بحمد لله تعالى، تكتمل محاور الترجمة التي كنت عزمت عليها وكتب أول كلماتها عام ١٤٤١هـ/٢٠٢٠م، ترجمة علمية وشخصية ودعوية، ترجمة تصوّر قدوة معاصرة من العلماء الذين جمعوا بين العلم والعمل والسلوك والدعوة إلى الله تعالى. وأرجو أن يكون الله قد وفق لنقل ترجمته بحبّ كما كان رحمه الله يحكي لنا بحب عن شيوخه، وكله في مقام التربية على الحب والشكر، وأخذ العبرة والعظة، وتقريب القدوة وشحذ الهمة. وبمجموع الرسائل الثلاث "السيرة العلمية" و"الجلال والجمال" و"المسيرة الدعوية"، أضع بين يدي أحباب الشيخ محمد علي مشعل رحمه الله، مادة مختصرة تشرح قولهم لأولادهم: (هذا شيخنا وهكذا كان). ويبقى لكل واحد من أحباب الشيخ ذكرياته الشخصية مع هذه القدوة المُكَملة، وما حضره بنفسه أو سمعه من كبار أهله وبلده عن تلك المشاهد، وما اختص به من المواقف، وتفاصيل لم نتوسع فيها عن نسق الأحداث وسياقها بسباقها ولحاقها.
**********
ليلة السبت ١١ ربيع الأول ١٤٤٦هـ
الموافق ١٤ / ٩ / ٢٠٢٤م
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين