يا قلبُ حانَ من الحبيبِ فراقُ *** كَمْ طَابَ من ذاكَ الحبيبِ عناقُ
قمْ للحبيبِ مودّعاً ومشيّعاً *** ودعِ الدموعَ مع الوداعِ تراقُ
والله لا ينسى المودّة صادقٌ *** لا يعتري قلبَ الصدوقِ نفاقُ
في ذمّة الله العظيمِ ممجَدٌ *** قدْ شعّ منه النورُ والإشراقُ
قدْ كان للإسلام بدراً في الدّجى *** لم يعتريه الخسفُ والإمحاقُ
لم يَحْنِ هَاماً لم يقدِّمْ ذِلَّةً *** طَوْدٌ عظيمٌ إنّه العملاقُ
صاغَ العلومَ بحكمةٍ ومهارةٍ *** فكساهُ إجلالاً بها الخلاّقُ
في مشرقِ الأرضِ الرحيب وغربها *** راحتْ ترددُ علمَه الآفاقُ
كالسلسبيلِ مباركٌ يَهنى به *** صادٍ يروّي قلبَهُ الرقراقُ
كالغيث يهطل في البلاد عميمُهُ *** كانتْ تنادي باسمِه العشاقُ
(حلبٌ) تنهّل من مَعينِ صفائِه *** بل و (الرياض) أصابَها التِّرْيَاقُ
بحرٌ يروّي كلّ صُقْع في الدُّنى *** بحرٌ يفيضُ وماؤه الدفَّاقُ
ما كنتُ أحسبني أعيشُ لكي أرى *** بحرَ العلوم تحوطُه الأعناقُ
أحببتَ (طيبةَ) في الحياةِ وإنَّها *** نِعْمَ المقرُّ هَنئتَ يا مشتاقُ
جارٌ لخير الخلق أحمدَ إنَّها *** نِعَمٌ يقسّمها لنا الرّزاقُ
كم قد وقفتَ على (البقيع) مسلِّماً *** والدّمعُ قد جادت به الأحداقُ
والقلبُ يخفِقُ بالحنين لصحبةٍ *** يا ليتهم يوم الزِّحَام رفاقُ
قدْ كان ما تدعوه فاهنأ إنّهم *** فيهم ملاذٌ فيهمُ الإشفاقُ
فاهنأ بروضِك في (البقيع) فإنّه *** روضٌ يفوحُ وعطرُه العبّاقُ
إنّا على العهد القديم ويا له *** للحقِّ للدين القويمِ وثاقُ
لا لن نبدّل منهجاً سرنا به *** إنْ عمَّ إظلامٌ بهِ الإطباقُ
غادرَ الأرضَ، من أحبَّ السماءَ *** ورأى رحلةَ الحياةِ ابتلاءَ
ورأى العمرَ لمحةً، ليس إلَّا *** فليكنْ كوكباً بها وضّاءَ
هكذا مرَّ كالشِّهابِ بهيّاً *** يسكُبُ النورَ هادئاً والصّفاءَ
خافقاً مشرقاً إذا ذُكِرَ اللَّهُ *** ووجهاً يبكي تُقىً ورجاءَ
ثاقبَ الفكرِ، حاذقَ الفهمِ، بحراً *** من علومٍ، ولتسألوا العلماءَ
رَبَّ ذوقٍ، لله ما أعذبَ، ما *** أرقى، يشِفُّ عِطْراً نقاءَ
إنه شيخُنا الكبيرُ، ألا فليبكِ *** من شاءَ، أو يُخَلِّ البُكاءَ
من بكى، إنما بكى العلمَ والإخـ *** ـباتَ، والطُّهرَ، والنُّهى، والحياءَ
من بكى، إنما على النفس يبكي *** وعلى أمّةٍ تعاني الخَوَاءَ
وبكى راضياً بصيراً بأمرِ *** اللَّهِ حُكماً وحِكمَةً وقَضاءَ
من أبى ليس قسوةً، بل لأنّ *** اللَّهَ أولى بالأصفياءِ لقاءَ
إنه شيخُنا الجليلُ، سواءٌ *** عنده قولُ قائلٍ ما شاءَ
نال من مُهجةِ الزمانِ مكاناً *** فانْسَ نجمَ الزمانِ والجوزاءَ
أتعبَ الحاسدين، وَهْو رحيمٌ *** حين نال العُلا، وحاز الثَّناءَ
عاش لله، إنّ ذلك يكفي *** ثم أعطى ما ينفعُ الأحياءَ
في ظلالِ الرسولِ أدرك *** ما أدرك، علماً، ورِفعةً، وإباءَ
زارعاً في الحياةِ نَبْتاً زكيّاً *** ربما كان للحياة دواءَ
ومضى راحلاً إلى اللَّهِ حُبّاً *** مثلما يشتهي المحبُّ النداءَ
فلتطِبْ نفسُه بجنةِ خُلدٍ *** ضمّتِ المتقين والأنبياءَ
لا غُلُوّاً، بل حُسْنَ ظنٍّ بعبدٍ *** مؤمنٍ، ربُّه يُحِبُّ العطاءَ
أهلي ومالي والفؤادُ فِدَاكَ *** أنا طولَ عُمْري ما مللتُ هَوَاكَ
يا بحرَ علمٍ زاخرٍ يا طودَ فكــ *** ــرٍ راسِخٍ أنَّى يُطالُ عُلاكَ
مَنْ بعدَ ثغْرِك للعلوم يَبُثُّها *** بلْ مَنْ لإسنادِ الحديثِ سواكَ
تبكيكَ عينُ محبٍّ فيكَ ساهرةٌ *** ضَلَّ الطريقَ وهَدْيَهُ لولاكَ
لو كان أمرُ الموتِ يُدْفَعُ بالفِدى *** دَفَع الكَثيرَ وللعدا أَبقاكَ
أو كانَ يُرجِعُه البُكا لبكيتُه *** بغزيرِ دمع يُغْرِقُ الأفلاكَ
الشوقُ يحملني إليْك بطيْبَةٍ *** فأشَمُّ في تُرْبِ البقيعِ شَذاكَ
اللَّهُ ضَمَّك في جوارِ محمدٍ *** فاهنأ هنيئاً فالجِوارَ حَباكَ
اللَّهُ يوليكَ الشفاعةَ مِنَّةً *** ويجيبُ فيكَ دُعاءَ من حَيَّاكَ
بيني وبينك يا أبي *** هالوا الترابَ الغَرْقديّا
سأجوزُه يوماً إليكَ *** موسَّداً نعشاً سويّا
فإذا أتيتُكَ هل أرا *** كَ كما عهدتُكَ بي حفيّا؟
أبكيكَ لو تُطفي دمو *** عي ذلكَ اللهبَ الوَرِيّا
أسقي به هذا الثرى *** حتى يعودَ به نَدِيّا
ما ضرَّني لو قد فَدَ *** يْتُك يا أبـيْ وبقيتَ حيّا
تروي حديث المصطفى *** وتذيعُه عطراً سنيّا
والفقه أين الفقهُ بعــ *** ــدك ناضراً غضّاً طريّا
فانعم بأطْيبِ مرقدٍ *** واطْعَمْ به واشرب هنيّا
الحلقة السابقة هــــنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين