الشيخ مصطفى الزرقاء.. العالم الذي رحل

الشيخ مصطفى الزرقاء.. العالم الذي رحل

التصنيف: علماء فقهاء
الاثنين، ٣ جمادى الأولى ١٤٤٦ هـ - ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٤
663

مصائب كبرى متتالية وقعت على العالم الإسلامي مطلع هذه السنة الهجرية؛ تجلت في موت الشيخ عبد العزيز ابن باز في المحرم، ثم موت الشيخ علي الطنطاوي في صفر، وموت الشيخ مصطفى الزرقا في ربيع الأول، والشيخ مناع القطان في ربيع الثاني، وعلامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر في جمادى الأولى، والفريق يحيى المعلمي في جمادى الثانية، ماتوا جميعًا في المملكة العربية السعودية، ودفنوا تحت ثراها، وبكاهم العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وسيظل الناس يذكرون أعمالهم الكبيرة إلى أن تقوم الساعة، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ومجلة الحج لا تستطيع أمام هذه الأحداث المفجعة الخطيرة إلا أن تقوم بواجبها نحو قرائها الكرام الذين يتعشقون صدورها، ونحو الأجيال الناشئة الجديدة، فتبين لهم الحدث الخطير أولًا، ثم تشرح لهم بكثير من التأنّي بعضًا من سيرة هؤلاء الأعلام العمالقة ممَّن هم على سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى خط الشريعة الغرّاء المبين، والذين كان لهم تأثير كبير في عصرهم، وفي أبناء جيلهم، وتكشف لهم عن الآثار التي خلفوها وراءهم، والمناهج التي اتَّبعوها في حياتهم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وهي بهذا تصل سلسلة الخلف مع السلف، وتعرّف الأبناء ما فعله الآباء، وتبقى الصلة قائمة بين الأجيال القديمة والأجيال الحديثة. وبهذا العرض تبقى مجلة الحج مجلة كل قارئ، وعربي، ومسلم، محب للفائدة، راغب في المتعة، معجب بالأسلوب الرفيع، مقدر للرسالة الهادفة التي تحمله.

مصطفى الزرقاء:
ولد مصطفى الزقاء في مدينة حلب الشهباء سنة 1322هـ/1904م. كان والده الشيخ أحمد بن محمد الزرقاء من أعلام علماء تلك المدينة، وفي أعلى مراتب العلم، وأهم مصادره، وكان مشهورًا بالفقه الحنفي بوجه خاص، يدرّس في الثانوية الشرعية المعروفة من قبل باسم (المدرسة الخسروية الشرعية) وبالمدارس الشرعية الأخرى كالشعبانية والعثمانية والجامع الأموي الكبير.
يقول الدكتور محب الدين أبو صالح: سمعت من أبي الشيخ ناجي أبو صالح – يرحمه الله- وهو من جيل الشيخ مصطفى ورفيقه في طلب العلم أنَّ مصطفى حين كان يجلس في الدرس على أبيه الشيخ أحمد يأخذ في مناقشته، فيقول له أبوه: يا مصطفى، لا تكثر من هذه المناقشات، لَمَّا يأت وقتك بعد. وكأنَّ هذه إشارة من الوالد بذكاء ابنه، وقوة حجته، وأنه سيكون بفضل الله خلَفَه من بعده في جميع دروسه. وفعلًا عندما صار الأب يتخلَّف عن الدروس لمرضه كان ولده مصطفى يقوم مقامه، ويحل محله، وكان المؤهل الأكبر بين جميع تلامذته الذين تتلمذوا عليه. وهذا يدل على مكانة الشيخ مصطفى المبكّرة في قدرته العلمية.
درس الزرقاء علومه الدينية على شيوخ بلده في المدرسة الخسروية الشرعية، كما درس العلوم العصريّة واللغة الفرنسيّة دراسة خاصة، ونال الشهادتين الشرعية والثانوية الرسمية الحكومية، ممَّا أهله للالتحاق بكليتي الحقوق والآداب طالبًا سنة 1930م ونال شهادتيهما بتفوّق بعد ثلاث سنوات، واشتغل بالمحاماة عشر سنوات، وخلالها حاز دبلوم الشرعية الإسلامية من كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا).

الزرقاء أستاذ في الجامعة السورية
عيِّن مصطفى الزرقاء في أول عام 1944م أستاذًا لمادة الشرعية والقانون المدني في كلية الحقوق، ومحاضرًا في كليتي الشريعة والآداب لمادة الحديث النبوي، وظل في هذا المنصب إلى سنة 1966م حيث أحيل على التقاعد. وألف كتابه المشهور (المدخل الفقهي العام) أو ما يدعوه صاحبه باسم: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد.
انتخب عن مدينة حلب نائبًا في المجلس النيابي السوري لدورتين تشريعيتين، عام 1954 ثم 1961م، كما أسندت إليه وزارتا العدل والأوقاف في عهود دستورية (في عامي 1956م ثم 1961).


قال الأستاذ عبد القادرة عودة يرحمه الله عن كتابه "المدخل الفقهي العام": اعتصم الفقه الإسلامي من طالبيه في المتون، وتحصّن في الشروح، واستعصى على طلابه في اللغة المغلقة والأسلوب العقيم. وكان كل من له إلمام بالفقه الإسلامي، وكل من عانى من قراءة كتبه، يود أن توطأ للناس هذه الكتب حتى يتيسر لهم قراءتها، وتسهل عليهم دراستها، وحتى يستطيعوا أن يوازنوا بين الفقه الحديث وبين الفقه الإسلامي العتيد؛ ذلك الفقه الغني بموضوعاته ونظرياته واصطلاحاته، المتميز بدقته وقوته، ليكون لهم من هذه الموازنة ما يزيد ثقافتهم، ويوسع آفاقهم، ويفتح أعينهم، ويوجههم إلى الطريق المستقيم.
وتابع يقول: لقد نقل الأستاذ الزرقاء الفقه الإسلامي بخطوة واحدة جبارة من العصر العباسي إلى عصرنا الحديث، فإذا هذا الفقه الغني القوي الذي كان ملتفًّا في ثوبه العتيق القديم يخرج على الناس في ثوبه الجديد فتيًّا مشرقًا يزاحم الفقه كله بمنكبيه، ويعلن للناس أن فقه الإسلام هو الفقه، وأن شريعته هي الشريعة، وأن ما اختاره الله للناس هو الخير كل الخير للناس لو كانوا يعلمون.


وكتب الدكتور منير العجلاني عنه فقال: لم ينسج الزرقاء على منهاج من سبقوه من شراح مجلة الأحكام الشرعية، والتي كانت تمثل القانون المدني العثماني القديم، الذين جعلوا الفقه (فتاوى) و(قضايا) و(جزئيات) وإنما حاول أن يدرس المجلة كما يدرس الأساتذة الفرنسيون في كلية الحقوق بباريس مادة القانون المدني، فجمع من أحكام القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وآراء الفقهاء، من مختلف المذاهب، ما يؤلف نظريات عامة تشبه النظريات الأوربية الحديثة، وقد وفق في محاولته توفيقًا كبيرًا. فمن قرأ كتابه خرج منه بفائدتين: النظريات الفقهية الجديدة، وله فضل إخراجها، وآراء الفقهاء التي لخَّصت للقارئ، فأغنته عن قراءة عشرات من كتب الفقه.


اختيارات وعضويات:
دعته الجامعة الأردنية للتدريس في كلية الشريعة سنة 1971م، وظل فيها إلى نهاية عام 1989م ودرس فيها المدخل الفقهي العام، ومدخل العلوم القانونية، وقواعد القانون المدني الوضعي.
واختارته الدائرة القانونية في الأمانة العامة بجامعة الدول العربية عضوًا لوضع مشروع قانون مدني موحّد للبلاد العربية، مستمد من الفقه الإسلامي، في الفترة 1981-1984م.
كذلك اختارته رابطة العالم الإسلامي عضوًا في المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة منذ إنشائه عام 1978م.
كما اختير عضوًا في مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلام في جدة.
واختارته المملكة الأردنية عضوًا في مجلس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت) منذ عام 1981م.
وحين كان نائبًا في المجلس النيابي السوري اشترك في وضع قانون الأحوال الشخصية المستمد من الشريعة الإسلامية، ولا يزال هذا القانون نافذًا، واقتبسته كثير من البلاد العربية.
وشارك الزرقاء في تأسيس وتطوير مناهج عدد من الجامعات العربية، نذكر منها: كلية الشريعة في جامعة دمشق، وكليتي الشريعة وأصول الدين في الأزهر، والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكلية الشريعة بمكة المكرمة.


الزرقاء في المؤتمرات الدولية:
كان الأستاذ الزرقاء يتقن اللغة الفرنسية تحدثًا وكتابة، ويجيد اللغة الإنكليزية، ويعرف شيئًا من اللغة الألمانية. وهذه المعرفة للغات الغربية، إضافة إلى تفوقه العلمي قادته إلى حضور كثير من المؤتمرات العالمية، وقد كانت له بصمات واضحة في نتائج تلك المؤتمرات، نذكر منها ما يلي:


1- في عام 1937م عقد في لاهاي عاصمة هولاندا (مؤتمر الحقوق المقارنة) وكان من نتائجه أن اتخذ المبادئ الثلاثة التالية:
أ‌- اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع العام
ب‌- اعتبارها حية، قابلة للتطور.
ج- اعتبارها تشريعًا قائمًا بذاته، ليس مأخوذا عن غيره.


2- في 1948م انعقد في باريس (مؤتمر المحامين الدولي)، وانتهى المؤتمر إلى إصدار التوصية التالية:
اعترافًا بما في التشريع الإسلامي من مرونة، وما له من شأن، يجب على جمعية المحامين الدولية أن تقوم بتبني الدراسة المقارنة لهذا التشريع، وبالتشجيع عليها.


3- في عام 1951م عقدت شعبة الحقوق الشرقية من (المجمع الدولي للحقوق المقارنة) في كلية الحقوق من جامعة باريس للبحث في الفقه الإسلامي تحت اسم (أسبوع الفقه الإسلامي) برئاسة المسيو مِيّو MILLIOT أستاذ التشريع الإسلامي بجامعة باريس، دعت إليه عددًا كبيرًا من أساتذة كليات الحقوق العربية وغير العربية، وكليات الأزهر، ومن المحامين الفرنسيين والعرب وغيرهما، ومن المستشرقين. وكانت المحاضرات والمناقشات كلها باللغة الفرنسية. وعند انتهاء المؤتمر صرح نقيب المحامين في باريس فقال بالحرف الواحد: أنا لا أعرف كيف أوفق بين ما كان يحكى لنا عن جمود الفقه الإسلامي وعدم صلوحه أساسًا تشريعيًّا يفي بحاجات المجتمع العصري المتطور، وبين ما سمعناه في المحاضرات والمناقشات مما يثبت خلاف ذلك تماما ببراهين النصوص والمبادئ.


وانتهى هذا المؤتمر بالتوصية التالية:
إن المؤتمرين بناء على الفائدة المتحققة من المباحث التي عرضت أثناء (أسبوع الفقه الإسلامي) وما جرى حولها من المناقشات التي ظهر منها بوضوح تقرر:
أ- أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة (حقوقية تشريعية) لا يمارى فيها.
ب- وأن اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الحقوقية العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات، ومن الأصول الحقوقية، هي مثار الإعجاب، وبها يستطيع الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة، والتوفيق بين حاجاتها.
وإذا كان لنا من تعليق على هذه النتائج الرائعة التي ترفع الرأس فنقول: إنَّ الفضل، كان الفضل، لأولئك الذين نذروا أنفسهم، من أمثال الأستاذ الزرقاء وإخوانه العلماء الفطاحل الأفذاذ الكبار، والذين يستحقون منا أن نحيي ذكراهم، وأن ننشر للأجيال الحاضرة والقادمة سيرتهم وأعمالهم وأفضالهم، ونبيِّن بكل الألسنة وبكل وسائل النشر والإعلان ما قدموا لخدمة هذه الشريعة الغراء، وكيف أجبروا علماء التشريع والقانون في العالم إلى الاعتراف بالشريعة الإسلامية مصدرًا أساسيًّا من مصادر التشريع العالمية.


الزرقاء بين فقهاء المسلمين وعلمائهم:
في الستينيات من هذا القرن أقيم في دمشق (أسبوع الفقه الإسلامي) وقد حضره فقهاء كثيرون من مختلف بقاع العالم الإسلامي، وكان منهم الأستاذ الزرقاء، والشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور مصطفى السباعي – يرحم الله الجميع-. وكان فارسا المؤتمر في هذا الأسبوع الفقهي الزرقاء وأبو زهرة، وفي إحدى المسائل الفقهية المعاصرة، وقد تكون مسألة التأمين، اختلف العملاقان اختلافًا كبيرًا، وانتصر كل منهما لرأيه، وراح يأتي بالأدلة والبراهين، ولم ينته الرجلان إلى اتفاق.
وسئل الدكتور السباعي في جلسة خاصَّة عن سبب اختلاف العالمين، ورأيه فيما قالا، فقال: الأستاذ أبو زهرة مكتبة فقهية، والزرقاء ملكة فقهية. وكأنه رحمه الله يعني أن الفرق كبير بين المكتبة والملكة، ففي المكتبة عشرات أو آلاف المراجع المحفوظة والروايات المسجلة، بينما الملكة هي أول أدوات المجتهد.
ويحكي لنا الصديق الدكتور محب الدين أنه كان طالبًا في كلية الشريعة بدمشق، فالتقاه عميدها الدكتور مصطفى السباعي، فسأله: إلى أين أنت ذاهب الآن؟ فقال: إلى منزل الشيخ أحمد الحارون. وهذا الرجل المبارك أحمد الحارون يحبه أهل دمشق جميعًا، ويحبهم، ويزوره عظماء العلماء من شتى بلاد المسلمين، وكان من جملة زوّاره ومحبيه الشيخ الشربتلي، الوزير السعودي السابق، إذ كان كلما جاء إلى دمشق يبدأ بزيارته والسلام عليه، ذلك أن الحارون، يرحمه الله، كان فقيرًا، بسيطًا، متواضعًا، تقيًّا، وشبه مقعد. قال السباعي: وهل تعرف الشيخ الحارون؟ قال التلميذ: وكيف لا أعرفه ووالدي، يرحمه الله، عرفني به، وأوصاه بي، وأمرني ألا أنقطع عن زيارته، وأن آتيه كلما احتجت إلى شيء. قال الدكتور السباعي: إذن سلّم لي عليه. وتابع السباعي يقول: هذا الرجل عجيب والله، أذهب إليه أنا والأستاذ الزرقاء والشيخ محمد المبارك، والشيخ المنتصر الكتاني، ونجلس عنده، فيفتح لنا أمورًا في العلم، نحن لا نعرف كيف ندخل إليها. وفي مجلس الحارون نقلت إليه سلام أساتذتي. فقال: يا بني! هؤلاء الذين ذكرتهم قد يكون فيهم من لا يصلي صلاة الضحى، أو صلاة الأوَّابين، ولكنهم فيما يدعون إليه من العلوم الإسلامية، وما ينفعون به طلبة العلم والناس ربما كانوا أنفع من هؤلاء المصلين.


الزرقاء وفقه المغتربين:
يعترض المسلمين المتمسكين بدينهم والقاطنين في بلاد الغرب مشكلات دينية كثيرة، لا يعرفون موقف الشريعة الإسلامية منها، ولا يدرون أهي حرام أم حلال، وكثيرًا ما يتنادون إلى دعوة عدد من كبار فقهاء المسلمين وعلمائهم، وعقْد مؤتمر في بلد يحضره جميع من يهمهم أمر دينهم، ليعرضوا عليهم مشكلاتهم، وليتبينوا موقف الإسلام والشريعة منها، وحينئذ يتصرفون وفق ما ينصحهم أولئك العلماء الأخيار.
في أحد مؤتمرات باريس كان الأستاذ الزرقاء موجودًا ومستدعى لهذه الغاية، وحضر كذلك الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وكثير من كبار علماء العالم الإسلامي.
كان – يرحمه الله- يقدم لهؤلاء المغتربين فتاوى، في الموضوعات التي يسألون عنها. وإذا كان يمتاز بشيء فهو جرأته في قول ما يؤمن به.
حدثني من حضر ذلك المؤتمر فقال: لقد كان الأستاذ الزرقاء مرة يدلي برأي، وأراد الشيخ القرضاوي الاعتراض عليه، فرفع يديه يستأذنه بالكلام. ويضيف محدثي قوله: لقد هالني الأدب الرفيع الذي تحلى به الأستاذ القرضاوي، واللطف الكبير الذي تجلى في استئذانه، لقد شبهته بولد بار وحبيب يقف أمام والده العظيم بكل أدب واحترام، أو كأنه طالب في غاية الخلق العالي والتهذيب الرفيع يقف أمام أستاذه الكبير، لقد كان الشيخ القرضاوي، وهو من هو بين كبار العلماء، يتحدث مع الأستاذ الزرقاء على هذه الصورة. وكذلك كان يفعل الشيخ العالم الكبير أبو غدة معه ومع غيره. ولقد عرفت آنئذ وفي تلك الجلسات كيف يحترم العالمُ الكبير العالمَ الكبير، وتعلمت كيف يجب أن يناقش الرجل المهذب إخوانه وزملاءه حين يختلف معهم، وحين ينشب خلاف بين الآراء، وعرفت معنى قول الأسلاف: اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
ولا أدري لماذا ارتسمت أمام عيني- وأنا أصور اختلاف العلماء مع بعضهم، وكيف يعبرون عن هذه الاختلافات- تلك البرامج التلفزيونية التي تحمل عنوان: الرأي والرأي المعاكس. وما يظهر فيها من سباب وشتائم، وتماسك بالأيدي، وصراخ وزعيق، حتى إنك لتتمنى أن تطفئ شاشة التلفاز، وتستغني عن متابعة هؤلاء الذين تعروا عن الأدب، وابتعدوا عن أدب العلماء والمتناقشين العقلاء. أجل إنه الفرق بين علماء الشريعة وبين علماء غير الشريعة، أو نقاش العمالقة ونقاش الأقزام. ولا أريد أن أصفهم بأكثر من هذا.
كان الأستاذ الزرقاء قبل كل مجلس، أو ندوة، أو مؤتمر، أو نقاش، أو اجتماع يسجل أهم الفِكَر التي يريد أن يطرحها، كما يسجل كذلك براهينه وأدلته، ويكتب ما نسميه (رؤوس أقلام) في ورقة خاصة، ليكون دائمًا متهيئًا لكل طارئ. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الرجل لا يعتمد على ذاكرته وحدها، ولا على محفوظاته، وإنما كان يعود إلى مراجعه ومصادره، ويستيقن من كل ما يريد قوله والإدلاء به. ولعمري، إن هذا بعض سر نجاحه وشهرته، واحترام الناس والعلماء له.
في إحدى الدعوات التي وجهت إليه من قبل المغتربين، كان مزمعًا على السفر، وقبل خروجه من باب المنزل شعر بألم لا يطاق في إحدى ركبتيه، ولم يعد قادرًا على الحركة بأي شكل من الأشكال. ولما كان غيورًا على مصلحة أولئك المغتربين، وراغبًا في محافظتهم على دينهم، وفي وصول أجوبته إليهم بكل أمانة، فقد استدعى أحد تلامذته المجتهدين الأذكياء ممن يثق بهم، وبفهمهم، وباطلاعهم العميق على القضايا الشرعية، وحسن تصرفهم، وأنابه بالسفر إليهم، وإعطائهم أجوبته عن كل ما يسألون. وكان ذلك النائب الدكتور محب الدين أبو صالح.
وأضاف محدّثي قائلًا: رأيت العلماء يتناقشون، ويدلون بآرائهم، ويعترض بعضهم على بعض، ويظل هذا الجدل العلمي الرفيع المستوى في اندفاع، حتى إذا ما أفرغ كل منهم ما حمل في جعبته قال رئيس الجلسة: وما رأي الأستاذ الزرقاء في هذا الموضوع؟ فأبدأ بقراءة ما حملني.. وبه يكون الترجيح وفصل الخطاب في معظم الأحيان. وكأن جهيزة قطعت قول كل خطيب.


الزرقاء والبنوك الإسلامية:
كان يقال: إنَّ التحدي الكبير للمسلمين، وللفكر الإسلامي يتمثل في المعاملات الاقتصادية، ويذكر أن أول من أشار إلى هذه المشكلة، ولفت الأنظار إليها الأستاذ أبو الأعلى المودودي، يرحمه الله، ورسم الطريق الذي يجب أن يسير عليه الاقتصاد الإسلامي، والبنوك الإسلامية.
كان الأستاذ الزرقاء من أكبر الدعاة إلى توجيه البنوك الإسلاميَّة، ووضع أنظمتها في ضوء الشريعة الإسلاميَّة، وكان ساعده الأيمن في ذلك ولده الدكتور محمد أنس الزرقاء المتخصص في الاقتصاد الإسلامي، وهو اليوم أستاذ في كليَّة الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبد العزيز بجدة.
هذه البنوك الإسلامية نهضت أول الأمر وقامت كتجربة، وقد أصيب بعضها أول الأمر، فتعثرت، ثم توقفت، لأنها لم تكن تملك الكوادر العلمية، المؤهلة بالعلم الصحيح، والثقافة الاقتصادية الإسلامية الصحيحة، فكانوا يأتون بموظفين من البنوك العادية فتقع الأخطاء.
لكن مع توالي الزمن، ونشوء عدد من الكفاءات العالية، المتخصصة في الاقتصاد الإسلامي صارت معاملة هذه البنوك من الصحة والعافية والاستقامة إلى حد كبير.
زد على ذلك أن عددًا من البنوك العادية بدأت تخصص زاوية خاصة معينة لمن يريد أن يتعامل مع البنك وفق الشريعة الإسلامية.
نضرب على ذلك مثلًا بالشيخ الراجحي، صاحب المؤسسة المالية الضخمة في المملكة العربية السعودية، والتي تتعامل مع معظم المؤسسات المالية العالمية، ويشترك فيها آلاف المتمولين الحريصين على أن تكون معاملاتهم المالية ربحًا وخسارة وفق الشريعة الإسلامية.
لقد أنشأ في مؤسسته مكتبا خاصًّا سماه (مكتب البحوث والدراسات) وجعل على رأسه مصطفى الزرقاء، وعيَّنه مستشارا دينيًّا لجميع المعاملات التي تجريها مؤسسته، فكان نِعْم المستشار المؤتمَن. ويذكرون أنه كان يسجل جوابًا لإحدى الاستشارات المالية، وحين انتهى من كتابة الجواب سقط القلم من يديه، وخرَّ الزرقاء ميتًا. يرحمه الله.


الزرقاء يحصل على جائزة الملك فيصل العالمية:
مُنح جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام 1404هـ تقديرًا لإسهاماته المميزة في مجال الدراسات الفقهية، ولكتابه (المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي)، وهو الجزء الثالث من سلسلة "الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد".


الزرقاء في حفلات تكريمه في المملكة العربية السعودية:
لقد أحب الشيخ مصطفى الزرقاء السعودية والسعوديين، فبادلوه حبًّا بحب، وراحوا يكرمونه في ندواتهم، واحتفالاتهم، فما إن ترى ندوة رفيعة المستوى، عالية المقام إلا والزرقاء مدعو إليها، متصدر في مجالسها.


في ندوة العالم والأديب والشاعر الدكتور راشد المبارك الأسبوعية:
والتي يعقدها في دارته في الرياض، ويحضرها أكابر العلماء والأدباء، ويضفي صاحب الدار عليهم كل الود والاحترام والتكريم والضيافة الباذخة، اللائقة به وبضيوفه الكبار، وفيها يظل السمر العلمي، والأدب الرفيع، والقصائد الملقاة حتى ساعات الفجر الأولى.
والأستاذ الزرقاء عضو أصيل فيها ما دام في الرياض، وكثيرًا ما يطلب المنتدون منه بعض قصائده الغزلية، وأشعاره في بعض المناسبات الطريفة، فينشدهم، ويقص عليهم القصص الممتع، والنكات الحلوة. وكثيرًا ما كانت تدور في هذا المنتدى البهيج أشعار وقصائد قديمة أو مشكلات نحوية ولغوية، ويكون الزرقاء ابن بجدتها، فيذكر القاعدة النحوية، ويأتي بشواهدها، أو يأتي بالقصيدة القديمة كأنه يقرأها من كتاب مفتوح بين يديه.


وفي ندوة الشيخ عبد المقصود خوجه في جدة
يكون للشيخ الزرقاء مكان الصدارة، طالما هو في جدة. وإذا كان من عادة هذا السيد الكريم أن يستضيف علماء بلده فيكرمهم، فإنه وسع الدائرة، فجعل التكريم كذلك لعلماء العالم العربي والإسلامي، فكان يخصص للمكرم ليلة كاملة، يقدم له فيها لوحة مطرزة كستارة الكعبة الشريفة، عليها اسمه، وتاريخ تكريمه، كما يقوم بطبع كتبه التي لم تطبع، وتوزيعها بالمجان على نفقته. ولقد كرم هذا الوجيه السري في إحدى أمسياته الشيخ الزرقاء خير تكريم، وأظهر للناس أن هذا العالم الفذ لم يكن فقيهًا فحسب، وإنما هو شاعر من الطراز الأول.


وفي ندوة الشييخ عثمان الصالح بالرياض:
الشيخ عثمان الصالح رجل يعرفه الناس جميعًا في قلب المملكة وخارجها، فهو شاعر مبرز، وكاتب معروف، وقبل كل هذا فقد كان مدير مدارس الأنجال بالرياض. وهذه المدارس أنشأها المغفور له الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود لتعليم أبنائه الأمراء وأبنائهم.. فكل أمير من أبناء عبد العزيز دخل مدارس الأنجال، وتعلم فيها، وكان مديره الشيخ عثمان الصالح. لذلك فكل الأمراء يحبونه حب والد، ويحترمونه احترام معلم.
هذا الرجل الفاضل له دارة في الرياض، يعقد فيها يوم الثلاثاء في كل أسبوعين ندوة، يحضرها من أحبَّ من شداة الأدب، ومحبي الشيخ عثمان، وغالبًا ما تخصص الندوة النصف شهرية لعالم من العلماء، أو أديب من الأدباء.
ويشاء الله أن تكون آخر ندوة العام الحالي مخصصة لتكريم الأستاذ مصطفى الزرقاء، لا على اعتبار عالمًا كبيرًا من علماء المسلمين فقط، بل على كونه شاعرًا مبدعًا، له ديوان شعري كامل.
كان عريف الحفل يومذاك الدكتور عبد القدوس أبو صالح، فقد عرّف الحضور به أجمل تعريف، والأستاذ الزرقاء ليس بحاجة إلى مثل هذا التعريف، ولكنه أدب المجالس، وحق العلماء، وواجب الطلبة والمحبين.
ليلة يصفها الذين حضروها من أمتع الليالي، ومر الزمن ولم يشعر أحد من المنتدين بالوقت، والأستاذ الزرقاء ينشد القصيدة تلو القصيدة عن ظهر قلب، وكأنه يقرأ من ديوان بين يديه.
وصاحب الدار يملأ الجو بهجة، ويعلق بين الفينة والفينة بتعليقات طيبة، وينتصف الليل ويمتد، ويقترب الفجر، والجميع نشاوى بالشعر الجميل، والمجلس الطيب، والترحيب الكبير.


من آثاره الأدبية والعلمية:
1- أحكام الأوقاف.
2- في الحديث النبوي.
3- الاستصلاح والمصالح المرسلة في الفقه الإسلامي.
4- الفعل الضار والضمان فيه.
5- نظام التأمين، والرأي الشرعي فيه.
6- الفقه الإسلامي ومدارسه (بتكليف من منظمة اليونسكو).
7- رسالة بعنوان: عظمة محمد مجمع العظمات البشرية.
8- عقد الاستصناع وأثره في نشاط البنوك الإسلامية.
9- صياغة شرعيَّة لنظرية التعسف في استعمال الحق.
10- المدخل الفقهي العام ج1+2.
11- مجموعة فتاوى الشيخ مصطفى الزرقاء.


يرحم الله الشيخ مصطفى الزرقاء، ويرحم العلماء العاملين، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين بما يستحقون. إنه سميع مجيب.



وكتبه / الدكتور بكري شيخ أمين
حلب الشهباء
8 ربيع الثاني 1420هـ
21 تموز 1999

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين