الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى -2-

الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى -2-

التصنيف: علماء دعاة مربون
الأربعاء، ١١ محرم ١٤٣٨ هـ - ١٢ تشرين الأول ٢٠١٦
1704

 

 

هكذا مضى الغزالي يتتبَّعُ عَثَرات المستشرق المجري خطوة خطوة، فوقف وقفة ناقدة عند قول الباحث: إنَّ الإسلام ليس من صنع محمد، ولكنه من صنع الأجيال بعده، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بتعاليم استقاها من اليهوديَّة والمسيحيَّة حين اتصل بهما؟ 

أما كيف اتصل بهما على الوجه المثبت لانتفاعه بتعاليهما فهذا مما يعجز المؤلف عن إثباته، ثم يجول المؤلف في إيضاح فروق بين التشريع المدني والمكي، لا لينتهي إلى ما قرَّره الفقهاء ومؤرِّخو التشريع بشأن هذه الفروق، بل ليقول بتأثير اليهود في شريعة محمد واتجاهه؟ ولا أطيل في تسجيل هذه العورات فقد كشف عنها الغزالي بما جعلها رماداً تَذْرُوه الريح.

وهكذا مرَّة أخرى مضى الغزالي يشرح في خلال نقوده الحاسمة رسالة الإسلام الخاتمة، ويدفع الهجوم الظالم على السنة المطهرة، ومحاولة توهين مصادرها ذات الأصل الراسخ متحدثاً عن رأي الإسلام في مسائل القضاء والقدر والجبر والاختيار، ومجال العقل ومجال الوحي، وموقف جولد تسيهر من علم الكلام، وتتبعه أقوال المبتدعة والمنحرفين ليلصقها بالإسلام لصقاً مكرهاً كله احتيال، حتى انتهى الناقد إلى إيضاح مرونة الفكر الإسلامي، ومدى الأحكام، والوحدة الإسلامية، ولابد لقارئ كتاب الحقيقة والشريعة الذي ألَّفه المنقود الجريء أن يتابع نقد الغزالي في كتابه ليقذف الله بالحق على الباطل فيمحوه.

أما كتاب (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام)، فقد كتبه الأستاذ الغزالي رحمه الله تعالى على مَضَضٍ، لأنَّه لا يُريد إثارة الشدائد بين عنصري الأمَّة المصرية، فالغزالي في كل اتجاهاته داعية وِفاق لا شِقَاق، ولكنه وجد كاتباً يُثير الشقاق إلى درجة الالتهاب، ويقذف بالاتهامات الظالمة في وجوه المسلمين من المصريين منذ دخل عمرو بن العاص رضي الله عنه الكنانة فاتحاً حتى عهد المؤلف المتعصب، ولم يدع سطراً من السطور في أسفل التاريخ البعيدة والقريبة يُشم منها  تنابذ بين العنصريين، إلا جسَّده وغلَّظه، ونادى به من فوق مُرتفع شاهق ليسمعه جميع الناس، وقد غفل غفلة مقصودة عن مظاهر الالتحام بين العنصريين كما سجَّلتها كتب التاريخ التي بحث فيها عن الهنات ليلتقطها مُتعسِّفاً وليبالغ في تحليلها مُبالغة تدعو القارئ المحايد إلى النفور والانقباض، وما هكذا سبيل البحث التاريخي النزيه!. 

وقد ذكر الأستاذ الغزالي في مقدمته أنَّ ناصحاً أميناً حدَّثه بشأن العرض فقال: (قد طلب إلي أن ألتزم حُسن العرض، وأن أكتفي بتنحية القذى عن طريق الإسلام دون غضب أو تحد، وقد بذلت الجهد في إجابة نصحه، وإن كنت أشعر أحياناً بسَوْرات الغيظ تملَّكُني وتجرفني إذ أجد حقاً يغطي الهوى وجهه المبين، وعسفاً يراد فرضه على الطريق المستقيم، وما كان الإسلام ينتظر ممن أحسن لهم في أرضه أن يتربَّصوا به، ويُعينوا عليه، أو يتلمَّسوا لأهله الأبرياء العيوب).

وفصول الكتاب قوية مُنصفة، فقد تحدَّثت عن الإسلام بين العصبية والتعصب، وعن المسلمين وأهل الذمَّة وعن مسلك عمر الفاروق في مُعاملة أهل الكتاب، وعن الفتح الإسلامي في العصر الأول، وعن أسلوب التوسُّع والمعاملة في تاريخ الديانتين، ووقف وقفات مُتأنية في الحديث عن دخول المسيحيَّة في مصر وكيف دخلها الإسلام، مُسجلاً موقف الصليبيين من نصارى الشرق، وموقف الأقباط من الاحتلال الفرنسي، وفي هذه العناصر ما يعطي فكرة كافية عن الكتاب السديد.

أما كتاب (من هنا نعلم) الخاص بنقد كتاب من هنا نبدأ) فيسرنا أن نعلن أن الكاتب الكبير الأستاذ خالد محمد خالد مؤلف الكتاب قد رجع عن كل سطر قاله فيه، وألَّف كتاباً آخر تحت عنوان: (دين ودولة) يمضي مع كتاب الأستاذ الغزالي في كل حقائقه، وقد رجع الكاتب إلى الحق بعد بحث شاق مُتصل فأعطى مثلاً صادقاً لمن يكتبون الخطأ ثم يُبادرون إلى تصحيحه. 

وأعجب العجب أنَّ ذيول الشيوعيين في مصر كانوا يُصفِّقون للأستاذ خالد محمد خالد، وينعتونه بالكاتب الكبير وينقلون ما جاء به في كتابه محتفلين مُنوِّهين، حتى إذا ألَّف الأستاذ كتابه الجديد همدت حماستهم تلقاءه، وضاع وصف الكاتب الكبير الذي كانوا يصفونه به، ولم يدعوا الكتاب بعد أن نقده مؤلفه، بل حرصوا على إذاعة ما دُوِّن فيه، ولذلك سيظل كتاب (من هنا نعلم) يؤدي رسالته في تسفيه من يَعتنقون الضلال عن عمد راسخ.

لقد كان خطأ الأستاذ خالد في كتابه أنَّه اعتقد أنَّ الإسلام كالمسيحية، لا صلة له بأمور الدنيا، وهو خطأ جوهري عرفه الأستاذ فيما بعد فتجافى عنه، كما جعل في الإسلام رؤساء من رجال الدين يحلِّلون ويحرِّمون، كما يفعل البابوات في كنائس أوروبا، والإسلام بريء من سيطرة إنسان يحلِّل ويحرِّم دون اعتماد على نصٍّ من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه الفقهاء، وإذا جدَّ حدث لم يأت من قبل، فلدينا القياس وهو من أوسع أبواب الاجتهاد في الفقه الإسلامي، كل ذلك مُقرَّر مدروس. 

وقد أجاد الغزالي في تأييده، بحيث أدَّى رسالة ضرورية كان من المحتم أداؤها، وأذكر أن الكاتب الكبير الأستاذ محمد فريد وجدي - رحمه الله تعالى - قد نقد كتاب الأستاذ خالد نقداً واعياً على صفحات مجلة الأزهر في حلقات مُتتابعة لم تجمع في كتاب مُستقل، وقد قرأت ما كتبه الأستاذ وجدي، وهو من الغزالي بمنزلة الأستاذ، بسبقه المحمود في حلبة الجهاد العلمي النزيه، فوجدت توافقاً كبيراً في الحقائق العلميَّة التي اهتدى إليها الرجلان الفاضلان، لا لأنَّ أحدهما قد نقل عن الآخر، فمنطق البحثين لا يوحي باطلاع أحدهما على ما قاله صاحبه، ولكن حقائق الإسلام وحدَها كانت من الرسوخ لديهما بحيث استطاعا أن يتحدثا عنها حديث الرجل الواحد. 

وهذا مما يؤيد أنَّ الحق أبلج لا مرية فيه، وأنَّ النفوس إذا خلت من الغرض اتضح لها وجه الحقيقة بعد البحث الجادِّ دون لَبْس أو تدليس، وقد كان فيما كتبه الباحثان الكبيران مقنع لمن يعرف الحق، أو يسعى إلى معرفة، ولكننا نرى كتباً ضالَّة تظهر مُتحدية الحقائق الصريحة لتعلن انفصال الدين عن السياسة، وتجد هذه الكتب من وسائل الإعلام والتنويه في الصحف والإذاعات المختلفة ما تضيق به الصدور، ولكن العجب حقاً أنَّ هذه الدعاية الواسعة على هذا النحو الممتد الفسيح، لم تحظَ بقبول الجماهير القارئة، فهم يميزون بين الطيب والخبيث عن نظر بصير.

هذا بعض ما اتجه إليه الأستاذ الغزالي في تفنيد أباطيل خدعت الناس، ورانت على عقولهم، فطلبوا الاهتداء إلى الحق، ووجدوا لدى الأستاذ ما يُريح، وهو كدأبه يتحسَّس أماكن الحاجة إلى التثقيف الضروري للمسلم، ينهض إلى ساحاتها غير وانٍ! لقد لمس تصوراً شنيعاً في توضيح عقيدة المسلم حيث اقتصرت معرفة هذه العقيدة على ما جاء في كتب علم الكلام، المسمى بعلم التوحيد، وهذه الكتب في تراثها الماضي لم تعد تؤدي رسالتها في إحياء العقيدة، وإذكائها في نفس المسلم على وضع يجعلها تترقرق دماً في عروقه؛ لأنَّ هذه الكتب تعرَّضت لآفات كثيرة، أهمها أنَّها سلكت سبيل الفلاسفة في تقرير حقائقها الإيمانيَّة فجعلت المنطق الأرسطي سبيل التدليل وآية الإقناع، والمنطق الجدلي – كما نشهد في أمور كثيرة – يثبت الشيء ونقيضه، لأنَّه يفترض صحَّة المقدمات، ولا يهتمُّ إلا بالنتائج، وإذ ذاك تجيء النتيجة باطلة وفق المقدمة إذا كانت باطلة، كما أنَّه فرع من البحث يؤدي إلى الجفاف الفكري، وغايته أن يكون تمريناً عقلياً، لا اهتداء قلبياً، لذلك يشك الشاكون عن وسوسة الشيطان ثم يقدمون إلى هذه الكتب آملين أن يجدوا بها برد اليقين، فتزيدهم غليلاً.. 

ومن أراد التعمُّق في المطولات الكبيرة بدل المختصرات الموجزة فماذا يجد؟ يجد حرباً ضروساً بين طوائف مختلفة عفى عليها الزمان ولم يعد لها وجود بيننا الآن، هذه الطوائف تتنازع في أمور عقلية أو سياسية لم تعدْ مجال التنازع اليوم، وقد حرص مؤلفو علم الكلام على تتبع أقوالها، وترداد أدلتها، والقارئ المعاصر تحوطه الشبه في كل اتجاه، شبه الكفرة من الماديين والملاحدة والعلمانيين، ولا تجد في كتب التوحيد ما يشفي الغلة، لذلك شاء الأستاذ الغزالي رحمه الله تعالى أن يضع ما يعرف بعلم التوحيد وضعاً جديداً، يقنع العقل، ويرضي العاطفة معاً، وضعاً يأخذ أدلته من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم من المشاهد المحسوس في ملكوت السموات والأرض، فبدأ كتاب (عقيدة المسلم) بحديث مقنع عن أدلة وجود الله عزَّ وجل بدأه بقوله: 

(وجود الله من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، ويهتدي إليها بطبيعته، وليس من وسائل العلوم المعقَّدة ولا من حقائق التفكير العريضة، ولولا أن شدَّة الظهور قد تلد الخفاء واقتراب المسافة جداً قد يُعطِّل الرؤية، ما اختلف على ذلك مؤمن أو ملحد. ثم قال: 

وقد اقترنت حضارة الغرب التي تسود العالم اليوم بنزوع حاد إلى المماراة في وجود الله تعالى، والنظر إلى الأديان جملة نظرة مُتنقص، أو قبولها كمسكنات اجتماعية لأنصارها والعاطفين عليها، ولا شك أنَّ المحنة التي يعانيها العالم الآن أزمة روحية منشؤها كفرة بالمثل العليا، فلا نجاة له مما يرتكس فيها إلا بالعودة إلى هذه المثل، يهتدي إليها بفطرته، كما يهتدي سبيله الجنين في ولادته، والفرخ في بيضته.

بهذا الأسلوب النير سار الأستاذ في فصول الكتاب، حين تحدث عن العالم وهل خُلِق صدفة؟ وعن صفات الخالق جلَّ علاه، وعن الوحدة المطلقة، وعن القضاء والقدر، والجبر والاختيار، وقيمة العمل ومنزلته من الإيمان، وعن الخطيئة والمتاب، وعن النبوة والوحي والعصمة والمعجزة، وعن الحياة الأخرى فيما وراء الحياة الدنيا، وعن البعث والجزاء، ولا يكفي القارئ أن يعلم رؤوس هذه الموضوعات، بل من واجبه أن يسارع إلى قراءتها ليجد العقيدة الإسلامية قد برزت في ثوب قَشِيب.

ولم ينسَ الأستاذ أن يكتب عن السلوك في الحياة كتاباً رائعاً تحت عنوان: (خلق المسلم) كما كتب مؤلفه عن (عقيدة المسلم) وهو بهذا يهيئ الاطمئنان النفسي للمسلم روحياً وعملياً فاقتناعه بما جاء في كتاب العقيدة سبيل إلى الاطمئنان الروحي، واقتناعه بما كتب في (خلق المسلم) سبيل إلى الاهتداء العملي في دروب الحياة.

لقد درس الأستاذ الغزالي كتب الأخلاق في مظانها المختلفة، وألمَّ بما ذكره الفلاسفة والعلماء عن الخير والشر من لدن أفلاطون، ولابد لمن يكتب كتاباً في الأخلاق أن يدرس هذه الدراسة المستوعبة، غير أنَّ المؤلف لا يفاجئك بآراء الأخلاقيين، ولا يصدمك بالمصطلحات العلميَّة، وكلها منطق جاف، ولا يحشد لك النقول الصافية؛ لأنَّ مطالعات الغزالي قد تفاعلت واختمرت، حتى أصبحت فكراً هادئة مرتبطة بالتوجيه الإسلامي للأخلاق، فهو في تحليله الهادئ يبرز ثمار معارفه، وقد تمثَّلت في نفسه، فكادت تكون مادة أخرى بعد أن صهرت في بوتقة الذاتيَّة دون أن يفقد القارئ الحصيف بذور آرائه، ومُقدماته الأصيلة. 

وقد يقول قائل: إنَّه يكتب الأخلاق من زاوية الإسلام فلا صلة له بآراء الفلاسفة وعلماء الأخلاق، ولكننا نعلم أنَّ الأخلاق الإسلامية نهضت قمَّة عالية تضم في لبناتها المتراصة أجزاء من الفكرة الإنسانية العامَّة التي تهدف إلى الحق والخير وإلى الجمال، فهي في نسقها القرآني مجال للدراسة والموازنة والتحليل.

وكتاب (خلق المسلم) يؤدي رسالة دائمة لا تتقيد بزمان أو مكان، فهو دستور المسلم أنى وجد، وحيث كان، وهو بهذا الوضع لا يغفل حاجات عصره، وأخطاء زمنه، بل يتَّخذ منها أمثلة يكشف بها القناع عما يريد، فهو حين يتحدث عن الصدق يوضح ما تجرُّه الصحافة الكاذبة من نكبات، إذ يتَّسع ضررها ويمتدُّ حتى تشمل الكذبة الواحدة آلاف  القرَّاء، ثم يتكلَّم عن الانتخاب البرلماني فيرى في تزكية غير الكفء كذباً وزوراً أي زور، وحين يتحدث عن الأمانة يرى من الخيانة إسناد المناصب في الدولة إلى غير أربابها، كما يشوي الوساطات والشفاعات والمحسوبية بسياط مُلهبة، ثم حين يتكلم عن الوفاء بالعهد يعلن أنَّ الشروط المكتوبة لا حرمة لها إذا تعارضت مع الدين، وحين يتحدث عن القصد والعفاف، ينعي على الشباب ما فُتن به من الأناقة والطراوة والولوع بالمظهر واللباس، حتى صار الواحد منهم معرضاً للأزياء، وهكذا يُطارد الكاتب رحمه الله تعالى أوبئة العصر في علاج شامل لما يتعاقب من الأجيال؛ لأنَّ الداء ممتد يستطيل.

وإذا جاز أن تكون هناك كتب للقراءة ذات الموضوع الواحد لطلاب المدارس الثانوية فمن الخير لهؤلاء الطلاب أن يكون كتاب (خلق المسلم) أحد هذه الكتب التي تقدم لهم، لأنَّه جمع الأسلوب الجيد، والنصوص الأدبية المنتقاة من كتاب الله تعالى وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وله بعد ذلك صحة الهدف، ونبل الغاية وشرفها، إذ يرسم الطريق إلى حياة صحيحة، وسلوك سليم، مع وضوح التعبير بل مع إشراقة الوضيء.

لقد سئل الأستاذ الغزالي رحمه الله تعالى عن أحبِّ كتبه إلى نفسه فلم يذكر كتاباً من الكتب التي تعرَّضت لها في هذه العجالة ببعض التحليل، ولكنه ذكر كتاب (فقه السيرة) وهو كتاب خاص بتدوين سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشفوعة بما نفحه إيمان الكتاب من التحليل الشارح، والتعليل الموجَّه. 

وأشهد أنَّ كتاب (فقه السيرة) يمس شغاف قارئه مساً قوياً؛ لأن حب الكتاب لرسوله صلى الله عليه وسلم قد تجسَّد في كل كلمة خَطَّها، وليس هذا مأخذاً؛ لأنَّ الحب يكون مأخذاً مُنحازاً إذا كان حباً أعمى لا يَعتمد على دليل صادق، أو برهان كاشف، أما إذا كان الحب وليد اعتقاد قوي راسخ الأركان وطيد البناء فإنَّه يدفع قلم الكاتب دفعاً إلى تسطير عواطفه المؤمنة دون تريُّث، إذ يجد من فيضها الزاخر ما يتيح له أن يُسوِّد عشر صفحات في مجلس واحد فالينبوع دافق، والمعاني واضحة لامعة، والإعجاب دافع سائق. 

وأذكر أني قرأت عشرات الكتب عن السيرة المطهرة، وما زلت أقرأ كل ما يقع في يدي من حديث هذه السيرة مما يكتبه الفضلاء ذوو العطاء السخي المشبع، ولكني وقفت فيما قرأت عند كتابين قد احتلا مكانتهما الكبيرة في نفسي، إذ وجدت فيهما ما لا أجد في سواهما، فكتاب عبقرية محمد للأستاذ العقاد على صِغَر حجمه يُعطيه من المعاني المبتكرة الندرة ما لا تكاد تجده في سواه؛ لأنَّ ملكة التحليل العقلي التي اشتهر بها الكاتب قد بدت في تألقها الزاهر وضيئة فيما كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحليلاً وتدليلاً واستكناها، ومأخذه الأوحد – إن عُدَّ هذا مأخذاً – هو الصرامة الجافَّة في الإيجاز؛ لأنَّ بعض البسط كان يشفي الغلة قطعاً. 

أما الكتاب الثاني فهو (فقه السيرة) للأستاذ الغزالي رحمه الله تعالى، حيث أتمَّ رسالة العقاد من ناحية ثانية، لأنَّ العقاد - رحمه الله تعالى - قد اهتمَّ بالنظر العقلي، والصيال الفكري دون أن يَلتفت إلى سبحات الروح، وخلجات النفس، وهذا ما التفت إليه الأستاذ الغزالي فجاء كتابه جامعاً بين منطق العقاد وروحانيَّة الغزالي الداعية المتصوِّف، وأقول المتصوف عن عمد لأنَّ تصوف الغزالي تصوف عملي مُكافح يدفع إلى التأمُّل، ويدعو إلى البناء، في ظلٍّ من حبِّ الله، وخشية من عقابه، ولم يكن الغزالي بعيداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كتب مؤلفاته الأخرى فالرسول صلى الله عليه وسلم ماثلٌ بروحه في كل خطٍّ كتبه الغزالي توجيهاً وطاعة وامتثالاً، ولكن كتابة سيرته المطهرة بقلم الغزالي قد ساعدت على إكمال الصورة الجميلة التي يراها الأستاذ لنبيِّه الكريم.

قلت: إنَّ الغزالي أديب مطبوع، لو ترك له المجال للعكوف على الأدب وحده لكان أديباً من طراز حجَّة الأدب ونابغة الإسلام الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله تعالى، ولكن مشيئة الله قد وجَّهته إلى الدعوة والنضال في حومة الأفكار المتصارعة، فكان أديب دعوة، وأديب الدعوة الإسلامية أشمل وأعم وأوفى من أديب، إنَّه دعوة أخرى لأن دعوة الإسلام هي دعوة الحياة.

وبعد فهل تُراني – في هذا البحث السريع – قد بلغت بعض ما أريد من جولتي الخاطفة في بعض كتب الغزالي - أشهد أني قصرت – ؛ لأن الحديث الطائر عن بعض الكتب الغزاليَّة لا يغني عن التحليل الدقيق لكل كتاب على حدة، وأذكر أني كتبت منذ زمن بعيد تحليلاً وافياً لكتاب (كفاح دين) للأستاذ الغزالي، ووجدت من الأوفق أن أخصَّه فيما بعد بمقال منفرد في غير هذا المكان ليكون نموذجاً مُتواضعاً للحديث عن منهج الغزالي، كما أراه على قدر ما في طاقتي من توضيح. 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة الأزهر، السنة الثامنة والستون، ذو الحجة 1416 - الجزء 12).

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين