انتقل إلى رحمة الله تعالى أستاذنا الكبير محمد الغزالي، ومثل الغزالي لا يَغيب عن الحياة إلا بجسمه، فمؤلفاته الرائعة، ومَواقفه الجهيرة، وسلوكه المثالي قد كَتب له في سجلِّ الخلود صفحات تقرأها الأجيال، فتردِّد ذكرَه العاطر بألسنة الثناء والتقدير.
كان الغزاليُّ رحمه الله تعالى مَدينةً حافلة ذات مَيادين شتى، مُتَّسعة الأرجاء، فهو مؤلف بارع، ومجاهد صادق، وخطيب مُؤثر، وعالم بأدواء المجتمع الإسلامي في شتى ربوعه، ومثل هذا المقال المتواضع لا يكفي في إيضاح جانب واحد من جوانبه، كما لا يكفي أن تصف شارعاً واحداًُ من مدية آهلة، لتقول إنَّك قد وصفت المدينة، بل الحق أن تقول إنك تسطر ما يَفِدُ على خاطرك في ساعة من الزمان.
كلنا يعرف نشأة الأستاذ الغزالي العملية، فقد تربى في بيئة مُؤمنة بإحدى قرى مديرية البحيرة، وحفظ القرآن، وقرأ الحديث في مَنزل و الده قبل أن يَلتحق بالأزهر، ومَضت حياتُه العلميَّة في هذا المعهد الخالد حتى نال درجة التخصُّص في الوعظ والإرشاد، وعُيِّن واعظاً فور تخرجه، ولعلَّ من توفيق الله سبحانه أن يلتحق بكلية العقيدة والفلسفة؛ لأنَّ ميوله الأدبيَّة وتمتعه بالبيان العربي المشرق في زمن الطلب، واطلاعه على أمهات الكتب في عهد الدراسة الثانوية مما كان يرشحه لكلية اللغة العربية، ولكن الله يعلم أنَّه سيكون مُناضلاً باسلاً في ميدان الدعوة الإسلامية وسيصير زعيماً إسلامياً تلتفُّ حولَه القلوب، فهُيِّئ له أن يَلتحق بكلية أصول الدين، وأن يخرج منها مُجاهداً بقلمه ولسانه معاً، بلسانه في الندوات وفوق المنابر، وبقلمه في حقل التأليف العلمي، وهو حقلٌ مديد.
لقد كان الغزالي من أكبر دعاة الإسلام في عصره، إذ يَملكُ من رَوعة البيان وقوَّة الإيمان وصلابة العقيدة أسلوباً حاراً يتوهَّج حميَّة، ويلتهب غيرة، أسلوباً يملك مشاعر المستمع حين يكون الغزالي خطيباً، ويأسر عواطفه حين يكون الغزالي كاتباً، إذ تكفَّلت كتبه الكثيرة بشرح الفكرة الإسلاميَّة الصحيحة في عصر الإلحاد والانبهار بمُغريات الغرب، فكوَّنت مكتبة إسلامية تقف في وجه الطوفان الزاحف من بلاد الافتراء الصارخ على الإسلام، فاكتسحت الأراجيف، وتركت ذوي الريبة حُفاةً عُراة.
إنَّ الدارس لفكر الأستاذ الغزالي رحمه الله تعالى يجد مشابه كثيرة بين كفاح الإمام محمد عبده، والأستاذ محمد الغزالي، فقد واجه الأستاذ الإمام منذ قرابة قرن وربع حقد الأوروبيين في وقت كانت لهم السيطرة على أكثر بلاد الإسلام، وقد مكَّنت لهم قوتهم السياسية من الإرجاف بالإسلام على أوسع نطاق، فادَّعَوا عليه كثيراً من المثالب المفتراة، ورأوا أن لا صلاح للمسلمين إلا بهجر مبادئه التي تُصادم العقل، وتُعرقل أسباب الحضارة، وتصدُّ عن العلم والثقافة، فانبرى الأستاذ الإمام لنسف هذه الأراجيف بحجج نارية تحرقُ المفترين حتى استطاع بمنطقه المفحم أن يوضح قيادة الإسلام الرشيدة للإنسانية، في سبيلها الحضاري، فكوَّن رأياً عاماً إسلامياً يقف أمام هذه المفتريات فإذا هي هباء.
ومضى الإمام إلى ربِّه، واستكبرَ الغرب بقوَّته الماديَّة، وجبروته الحربي، فازداد بغياً وتطاولاً، وله ذيول يَنهجون نهجه، ويتبعون سبيله، فجدَّدوا الهجوم الآفك على الإسلام بأسلحة جديدة غير التي شرعوها في عهد الإمام، فهيَّأ الله الأستاذ الغزالي ليكون في طَليعة من حملوا الراية في ميدان الجهاد العلمي المناضل.
وقد ترك من المؤلفات ما يملأ مكتبةً مُستقلة يمكن أن تسمى (مكتبة الغزالي) وليست المسألة مسألة كم فقط، ولكنها مسألة كيف أصيل ممتاز في كل ورقة خطَّها الكاتب الغيور، كل مؤلف من مؤلفاته يؤدي رسالة ضروريَّة كان أداؤها فرض عين يلزم القادر عليه، وكانت المعركة حامية الأوار، ولكنها انجلت عن ظهور الحق واكتساح الضلال، وقد اضطهد الداعية الكبير فعَرَفَ مرارة السجون مرَّات مُتعدِّدة لا مرَّة واحدة، وحورب في وظيفته، فانتقلَ إلى بلاد الله الفسيحة، وكانت النقلة خيراً وبركة على البلاد التي أمَّها أستاذاً بالجامعات، ولأن الطلاب في الدول الشقيقة رأوا في دروسه ما لم يروه عند الكثير، بل عند نفر اصطفاهم الله ليكونوا مَصابيح تُضيء الظلام، والدرس الواحد من هؤلاء الأجلاء يُغني عن عشرات من الدروس التقليديَّة، لأناس يحملون الشهادات فحسب!.
كان الغزالي ومن شابهه من هذه الصفوة المختارة يحادثون الطلاب بأعصابهم قبل أن يَنطقوا بألسنتهم، وإنَّ في وجوههم الكريمة لساناً آخر ينطق بأفصح بيان، لساناً يقول للطلاب: إنَّه لقول فَصْلٌ، وما هو بالهزل، لذلك يُنْشِئون من التلاميذ من يَهِيمون بهم، ويَعْكُفون على آثارهم، وهؤلاء هم الذين عَنَاهم شوقي حين قال:
أَعِلْمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي ** يَبني وينشئُ أنفساً وعقولا!
كان الغزالي - رحمه الله تعالى - أول من ألَّف في محاربة المذاهب الاقتصاديَّة التي يتشدَّق بها المأجورون، حاربها بالدليل القاطع الذي يُثبت أنَّ للإسلام من الفكر الاقتصادي ما يَدْفع إلى الثروة والنماء، والتكافل الاجتماعي العام، لقد صدر كتابه: (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) ليقول – في طبعته الأولى سنة 1947م، كلمة الحق عن الطبقات المترفة والطبقات البائسة، ورأي الإسلام فيهما، وقد اقتحم القول في إيضاح الأسباب الاقتصاديَّة للرذائل المنتشرة في المجتمع الإسلامي ومردُّها إلى الفقر الكاسح، والجهل الطاغي، والمرض الموغل، مُتحدثاً عن أوباء السرقة والزنا والبطالة، ومُنتقلاً إلى ما تسببه المعيشة الكريمة من ترفُّع وإباء، معيشة الكفاح المثمر، لا معيشة الترف العاطل المبيد.
وكان حديث المؤلف صريحاً عن الاستعمار الداخلي المنكفئ على لذاته وأنانيته حين كان السبب في الاستعمار الخارجي، ولم يلبث أن صار أداته في البطش والقهر، أما العلاج الصحيح فهو ما اتجه إليه المؤلف مُستقياً أدلته من نصوص التشريع الإسلامي الحاسمة، إذ وضَّح حق الناس في المال وبيَّن مكان الزكاة من الاقتصاد الإسلامي، وفرض الضرائب للصالح العام، ثم ختم الكلام بما سمَّاه (الحقائق المؤسفة) وهي حقائق مؤسفة ومخجلة لمن يتدبَّر عن قلب ذكي، وفكر رحيم.
وما كاد كتاب (الإسلام والأوضاع الاقتصاديَّة) يشغل أذهان الناس، ويَنتهي بهم إلى ضرورة حلٍّ إسلامي مُريح، حتى أصدر الغزالي رحمه الله تعالى كتابه (الإسلام والمناهج الاشتراكيَّة) مكمِّلاً للحلقة الأولى في مَيدان الإصلاح الاقتصادي، فشرح ما يُراد بالتأمين الاجتماعي، وتوزيع الملكيات على السنن الصحيح، وموضع الفرد من الأمَّة، ومسؤولية الأمَّة عن الفرد.
وكان صريحاً حين تحدَّث عن الملكيَّات الزراعيَّة في مصر، وعما يجرُّ الوبال مما يجري بعيداً عن حكم الإسلام في مؤسسات الربا والاحتكار والاستغلال، وشركات التأمين، وحقوق العمال، وقد فاجأ الأستاذ قُرَّاءه بذلك كله؛ لأن حديث الاقتصاد الإسلامي لم يكن يجري على ألسنة الوُعَّاظ والمرشدين قبل أن ينهض الكاتب الواعظ برسالته، إذ كان همُّهم الأكبر متجهاً إلى محاربة البدع والمنكرات من أمثال التبرُّج والنذور وشرب المسكرات، أما الطَّرْقُ الملحُّ على الإصلاح الاقتصادي في ضوء الإسلام فقد بدأه الغزالي في قومه وسار وراءه مُعجبون مُتبعون!.
لم يتحدَّث الغزالي رحمه الله تعالى عن مُشكلات الاقتصاد والعدالة الاجتماعية في كتبه فحسب، بل كان منبر الجمعة كل أسبوع مذياعاً خطيراً يُبشِّر به الغزالي مُستمعيه بآرائه الجريئة، فأعاد للخطبة الدينيَّة يوم الجمعة اعتبارها المفقود، وأخذت الجموع تَهْرع إلى المسجد قبل الميعاد لتجدَ المكان المطمئنَّ فإذا ضاقت رحابُ المسجد تكتَّل الناس في الطرقات من حوله، وقد بسطوا السجاد ليؤدوا الفريضة مُستمعين إلى النقد الجريء الحرِّ بلسان عربي صادق لا يعرف الجبنَ والخداع.
وحين كان الأستاذ خطيباً للجامع الأزهر حقبةً من الدهر، أصبحت خطبه النقديَّة حديث الناس جميعاً، وسجَّلتها الأشرطة لتتناقل في الربوع النائية فيُعيدها خطباء المساجد في الأقاليم مَرَّة ثانية..
وقد اجتمع أحد وزراء الداخلية مع نفر من الصحفيين ليقول لهم: إنهم فقدوا التأثير الشعبي؛ لأنَّهم يكتبون في مناصرة الحكومة، ولا يستمع إليهم أحد، ومحمد الغزالي يلقي خطبة في مسجد مصطفى محمود يوم العيد فيردِّدها الخطباء في عشرات الآلاف من المساجد في القرى والمدن، ولا يستطيع أحد أن يمنع خطيب الجمعة إذا استندَ إلى القرآن والحديث ونقل كلام الغزالي في قدرته على الإبداع والإقناع!
وإذا كان الجامع الأزهر في قلب العاصمة، والذهاب إليه يسير غير عسير، فقد رأى المغرضون أن ينقلوا الخطيب إلى مسجد عمرو بن العاص بأقصى المدينة في مصر القديمة، ظناً منهم أنَّ الطريق إليه وعر، ولن يهرعَ الجموع إلى سماعه بمكانه القاصي، ولكن الناس هم الناس، فقد تقاطروا على مسجد عمرو بن العاص تقاطرهم على الجامع الأزهر من قبل، وتعرَّض الخطيب فيما تعرَّض له ذات جمعة إلى قانون مشبوه بشأن الأسرة حاولت بعض الجهات تمريره، فأحدث كلامه دوياً في الناس، وتناقلت الإذاعات الأجنبيَّة – وأقول الأجنبية عن عمد – كل ما هاجم به الخطيب هذا المشروع الجائر، وضاقت مصر على الرجل فآثر الهجرة إلى السعودية أستاذاً بالدراسات العليا بجامعة أم القرى حتى جاء نصر الله، وذهب عهد وجاء عهد، فرجع الشيخ ليصدع بحكم الله كما يَراه دون تَهيُّب أو انتظار!
أليس في ذلك ما يُعيد أمجادَ خطباء الإسلام من قبل، كالمنذر بن سعيد الأندلسي، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية حين واجهوا الباطل في المسجد الجامع، وما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا.
هذه لفتة جانبيَّة أعود بعدها إلى جولتي السريعة في فكر الأستاذ الغزالي رحمه الله تعالى، فأعلن أنَّه بعد كتابيه السابقين ألَّف كتابه المزعج: (الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين) وأقول المزعج، عن خبرة واعية بأثره البعيد؛ لأنَّه أزعج طائفتين مُتعارضين كلتاهما تتمسَّح بالإسلام و هو منها بريء: طائفة الرأسماليَّة التي تعلن أنَّ الإسلام يؤيد اكتناز الذهب والفضة والعقار عملاً بمبدأ الحرية في الامتلاك، وهي واهمة مخطئة، وطائفة الشيوعية التي تتمسَّح بنصوص قرآنية تفسِّرها على غير وجهها، فجاء الكتاب الفذ ليعلن أنَّ الإسلام ذو منهج عادل في تحقيق التكافل الاجتماعي، ولم يبتغ إرضاء المذاهب المغرضة، وهذا الكلام يحتاج إلى بسط، شرحه المؤلف في كتابه.
فتحدَّث عن آثار الرأسماليَّة البارزة في الاستغلال المادي الصارخ ... [هنا يوجد سقط في الأصل] .
وإلى تتمة هذه الترجمة لهذا العَلَم الشامخ في الجزء الثاني من المقالة.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: (مجلة الأزهر، ذو القعدة 1416 - الجزء 11).
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين