لقد عثرنا على إجازتين للحديث من بعض المحدثين الأئمة من الشام لأحد علماء الهند من القرن الثامن، لا نعرف عنه الكثير، ولكن السندين يشيران إلى اهتمامه بالحديث وأنه كان قد استفاد من كبار علماء الشام، فلقد نجد في القرن الثامن رجالاً عدة من دمشق والشام وعدد من بلدان العالم الإسلامي في مدينة بهار القديمة العتيقة الشهيرة الآن ببهار شريف، ونجد أغلبهم في مجالس الشيخ الكبير الإمام شرف الدين أحمد بن يحيي المنيري رحمه الله المتوفى سنة 782هـ، والعثور على هذه الشخصية يكشف لنا عن ورقة مغمورة من التاريخ، كما يدلّ على التبادل العلمي والثقافي بين دمشق الشام وبهار الهند، فلقد كنا نقرأ في أمالي الشيخ المنيري ومجالسه أسماء كثيرة من علماء خارج المنطقة، فنجد الأسماء أمثال شمس الدين الدمشقي والشيخ جلال الدمشقي في مجالس الإمام المنيري يستفيدون منه.
كما نجد اسم خواجه البهاري من أصحاب الإمام المنيري، وهو الذي اهتم بتقييد بعض مجالسه وإفاداته العلمية باسم "مغز المعاني" في جزء صغير، وعسى أن يكون هذا الشيخ من أعقابه.
وفي هذا الصدد يقول الأستاذ المحقق الشهير العلامة أبو محفوظ الكريم المعصومي من رجال هذه البلدة: "وفي نفس هذه الدورة [القرن الثامن] سافر إلى بلاد الشام رجل يسمى شرف الدين أحمد بن يعقوب بن إسحاق بن خواجه الكرازي البهاري الحنفي وحضر مجالس الشيخ صلاح الدين أبي عبدالله محمد بن الشيخ تقي الدين أحمد بن الشيخ إبراهيم بن عبدالله المقدسي (المتوفى سنة 780هـ. 1380م) وسمع منه جزء منتقى من ثلاثيات مسند الإمام أحمد بن حنبل، وجاء اسمه على ما تقدم في عبارة السماع بآخر النسخة، وهذا الجزء نقلاً عن أصله العتيق موجود عندي وسينشر إن شاء الله تعالى، ولا نعرف عن الكرازي البهاري هذا أكثر مما قدمنا عنه، ولعله من جهة السن من صغار أقران الشيخ شرف الدين أحمد بن يحيى المنيري نزيل قصبة بهار ودفينها، ويعرف التالي على ألسنة الجمهور بلقب "مخدوم بزرك" أي المخدوم الكبير كما يعرف ابن خالته الشيخ أحمد جرم بوش بلقب "مخدوم خرد" أي المخدوم الصغير، وقد استقرّ أيضاً بنفس القصبة التي لا تزال منذ حياتهما في القرن الثامن إلى نهاية الدولة المغلية بالهند إحدى المراكز الثفافية الدينية الإسلامية".
والسماعان اللذان عثرنا عليهما فيما يلي:
أحدهما من المكتبة الظاهرية بدمشق وهو كذا: "الحمدلله رب العالمين. قرأ علي جميع هذا الكتاب كاتبه الشيخ الإمام العالم الفاضل الفقيه النبيه جامع المحاسن والفوائد جمال الطلاب شرف الدين أبو العباس أحمد بن يعقوب ابن اسحاق الهندي البهاري الحنفي، أحسن الله توفيقه وسلك إلى كل خير طريقه ونفعه بالعلم ونفع به، قراءة جيدة مقابلة معي بأصل سماعي المنقول أعلاه على الشيخ الأمام العالم الخطيب الصالح، تقي الله أبو العباس أحمد بن محمد بن عمر إمام الطائفة الحنفية بالمدرسة الشريفة المستنصرية، الخطيب بجامع السلطان طاهر مدينة بغداد بسنده فيه وصح ذلك، وثبت في مجالس وقع آخرها في يوم الاثنين، الثامن عشر من شهر جمادى الآخر من سنة أربع وستين وسبع مائة بمهر لي؟؟ من مدرسة شرف الإسلام. ..داخل باب الفراديس من دمشق.
وكتب يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد السرمري، حامداً لله ومصلياً ومسلّماً على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه اجمعين"وهو من مخطوط المجتنى من المجتبى لابن الجوزي المخزون في المكتبة الظاهرية بدمشق، قال المفهرس "كتبت بخط فارسي جميل، كتبه أحمد بن يعقوب بن إسحاق بن خواجه الكواري الهندي البهاري الحنفي سنة 763هـ، وعليه سماعه من يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد السرمدي في التاريخ المذكور"
والسماع الآخر في مخطوط لمجموع الإجازات مخزون بمكتبة خدابخش ببتنة رقم HL2547 بعد ذكر ثلاثيات الإمام أحمد بن حنبل التي قام بتخريجها وإعدادها الشيخ الحافظ محب الدين إسماعيل بن عمر المقدسي المتوفى سنة 613هـ، وهو كما يلي: "ثمّ قرأته على الشيخ الإمام الأصيل صلاح الدين أبي عبدالله محمد بن الشيخ تقي الدين أحمد بن الشيخ العز إبراهيم بن عبدالله بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي بسماعه له حضوراً على الشيخ محي الدين علي بن البخاري أو إجازته إن لم يكن سماعاً، فسمعه ابني محمد والشيخ الصالح سعدالدين سعد الله بن بهاء الدين عمر بن سعدالدين محمد الإسفرائيني والشيخ الصالح شرف الدين أحمد بن يعقوب بن إسحاق بن خواجه حاجي الكرازي البهاري الهندي الحنفي، وصح ذلك وثبت في يوم السبت خامس شهر ذي قعدة المحرم سنة ثلاث وستين وسبع مائة بالجبل برباط الفانسي بالصالحية وأجاز لنا ما يجوز له روايته والحمد لله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد وآله"
وقد نشر الكتاب أخيراً مع الزيادات على الثلاثيات للحافظ ضياء الدين المقدسي المتوفى 646هـ، بتحقيق الشيخ محمد ناصر العجمي من مكتبة دار البشائر الإسلامية سنة 1427هـ من بيروت.
وفي نهاية الكتاب ملاحق من مخطوط نسخة شستربتي ومخطوط المكتبة الظاهرية بدمشق، وأورد ما فيهما من قراءات وسماعات، وليس من بينها هذا السماع.
ولا نعرف عن الشيخ البهاري هذا أكثر من هذا، كما لم نعثر له على شيء من إجازته أو أخبار حياته، يدلّ السماعان المذكوران على استفادته من عدة علماء من دمشق في السنوات الخمسة الأولى من العقد السادس من القرن الثامن الهجري، ونجد في نسبته مع كلمة البهاري في مخطوط مكتبة خدابخش كلمة الكرازي وفي مخطوط دار الكتب الظاهرية بدمشق كلمة الكواري، فلا يمكننا التوصل إلى أصل الكلمة، والمكان الذي انتسب إليه، ولا نعلم اسماً لبعقة في هذه المنطقة الآن بهذا.
وعسى أن نظفر فيما يلي بأكثر من هذا عن الشيخ، وإلى ذلك الوقت نقدم إلى أهل العلم ما عثرنا عليه عن هذه الشخصية العلمية رجاء أنهم لو اطلعوا على شيء عنه فسيزودوننا به
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين