الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (6)

الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (6)

التصنيف: علماء دعاة مربون
الجمعة، ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٦ هـ - ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٤
162
محمد فاروق بطل
محمد فاروق بطل
الميلاد :1936 - 05 - 13- الوفاة :2024 - 07 - 24

12 ـ الفقيه الأصولي الشيخ محمد الملاح ـ رحمه الله تعالى ـ 1328ـ1408هـ =1910ـ1987م


درست معه علم مصطلح الحديث. كان الشيخ متمكناً في علم الفقه الحنفي وأصوله، معتزاً بما حظي به من صُحبة العلامة أحمد الزرقا، ثم ولده العلامة الشيخ مصطفى الزرقا وما أفاد من علميهما وتلمذته عليهما، ومن قبله والده الشيخ العلامة أحمد الزرقا، وجده الشيخ محمد الزرقا ـ رحمهم الله تعالى ـ كان يفاخر أنه التلميذ الخاص للشيخ مصطفى الزرقا. والشيخ الملاح تزوَّج وأنجب في سن متقدِّمة، لذلك كان متفرغاً لطلب العلم، عاشقاً للفقه، متبحِّراً فيه، حتى إنه يُقال : كان الشيخ الملاح يحفظ حاشية ابن عابدين التي درس شرحها على العلامة الشيخ أحمد الزرقا وأجازه فيها.كان سريع الغضب شديد، الحساسية، قوي الثقة بما حصَّله من علم وفقه ، شديد الاعتداد برأيه وفتواه. بعيد عن العمل العام، والشأن العام، قد فرَّغ نفسه لتحصيل العلم وبذله...


قال الشيخ تيسير كعيد في ترجمته (1) : هو الفقيه الحنفي الملازم لحاشية ابن عابدين ، والعالم الغيور على دينه ، والمتألم الحزين على حال كثير من علماء المسلمين الذين ذلَّوا وهانوا بتزلفهم وتملقهم للحكام والمسؤولين، والرافض لكل زيف وبدعة تسيء إلى سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم .


كذلك كان للشيخ مزاج خاص، مَنْ أحسن التعامل معه كسبه واستفاد منه، ومن عكَّر مزاجه أساء لنفسه وللشيخ.


13ـ الفقيه الشافعي النحوي الشيخ محمد ناجي أبو صالح ـ رحمه الله تعالى ـ 1322ـ1414هـ = 1904ـ1993م


كان من أكثر شيوخنا وأساتذتنا إفادةً لنا في ميدان اختصاصه، وهو النحو والصرف، فقد كان بحقٍّ متخصِّصاً، وكانت له طريقة مميَّزة في عرض المادة في مجال التطبيق، فقد كان يُدوِّن بيتاً من الشعر، أو شاهداً من النحو على السبورة، ويخرج الطالب ليفصِّل القول في كل حرف أو كلمة، أو جملة من الناحيتين النحوية أو الصرفية، وهكذا طالب بعد طالب على التوالي مع شواهد جديدة، وكــل ذلك بإشراف أستاذنا أبي محمود الشيخ ناجي ـ طيب الله ثراه ـ.


لقد كان الدرس مبهجاً وماتعاً وجذاباًَ لا يكاد يمل ، وفي جو من التنافس العلمي المحمود، رغم أن الشيخ كان حازماً جاداً، لكن طريقته كانت بديعة أفدنا منها الكثير، وحصيلتي من النحو والصرف، وتطبيقاتي لهما، والسَّليقة النحويَّة التي أكرمني الله بها ـ وهي من نعمة الله عليَّ ـ إنما يعود الفضل في ذلك بعد الله إلى هذا الشيخ الجليل ـ جزاه الله عني خير الجزاء ـ . إلى جانب ذلك فقد كان الشيخ أبو صالح متخصِّصاً في الفقه الشافعي، مدرِّساً لهذه المادة.


طلب إليه كبار علماء حلب وعلى رأسهم الشيخ نجيب سراج الدين والشيخ أحمد الشماع ، والشيخ سعيد الادلبي ، والشيخ عيسى البيانوني أن يترشح عام 1947م ، للمجلس النيابي عن مدينة حلب ، وليمثل أهل العلم والدعوة ، واستجاب لرغبتهم ، لكنه لم يحصل على الأصوات المطلوبة ، قيل إنه شارك في حملة الانتخابية ممثلون عن إخوان مصر.


وكان للشيخ ناجي أبو محمود نهج صوفي معتدل ، وكانت له صلات وثيقة ، ومحبة بالغة للشيخ أحمد حارون وللشيخ محمد النبهان.


تربطني بأبناء الشيخ صلة مودة ومحبة وأخوة، فالأخ الدكتور أحمد محب الدين أبو صالح رفيق صباي، وأنس شبابي، وصديق كهولتي، دَرَجنا معاً على مقاعد الدرس، بدءاً من المرحلة الإعدادية الشرعية، ثم المرحلة الثانوية، ثم المرحلة الجامعية في كلية الشريعة، ثم دبلوم التربية، وكنا نتخرَج معاً،بل ودرسنا الحقوق كذلك،لكنه تابع تخصُّصه التربوي حتى حصل على الماجستير، ثم الدكتوراه في مجال المناهج،وقد درَّس في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض فترة طويلة. ومن أبناء الشيخ الأخ الدكتور عبد القدوس أبو صالح، مُتخصِّص في الأدب العربي، ورئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية(2)، ورئيس تحرير مجلة الأدب الإسلامي التي تصدر من الرياض، كان أستاذ الأدب العربي في جامعة الإمام محمد بن سعود ولفترة طويلة، وفي قسم الدراسات العليا حيث تخرج على يديه كثير من حملة شهادة الدكتوراة، يتقدَّمني سناً. كان محل إعجابي بخطابته وفصاحته،وكان قدوة لنا في التزامه ونشاطه، له في نفسي محبة وتقدير, ومن أبناء الشيخ كذلك الأخ الأستاذ عبد الرحمن أبو صالح، وقد كان مفتِّشاً لمادة العلوم الطبيعية في حلب، كما كان نقيب المعلمين فيها، ونائب نقيب المعلمين في سورية ـ على ما أذكرـ. ومن أبناء الشيخ كذلك الأخ الأستاذ محمود أبو صالح (أبو ناجي) كبير أولاد الشيخ، كان صناعياً ومديراً للثانوية الصناعية، ثم تحوَّل إلى تجارة الآلات الصناعية،وقد وفَّقه الله في ذلك، وتوسَّع في هذه التجارة بين حلب ودمشق والرياض وفرنسا، وكثيراً ما التقيتُه في مدينة ليون بفرنسا صُحبة صهره وزوج ابنته الأخ الدكتور نذير حكيم عضو اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا والناشط الفعَّال فيها، ومن أبناء الشيخ ناجي الشيخ بدر الدين أبو صالح ـ رحمه الله تعالى ـ كان معلماً ابتدائياً، ثم تحول إلى واعظ، حاول أن ينهج نهج الشيخ جميل عقاد ـ رحمه الله تعالى ـ في طريقة وعظه ودروسه، هاجر مع مَن هاجر، دون أن تكون له مشاركة تُذكَر في الأحداث، لكنه هاجر احتياطاً، خاصة وأنه شقيق أحد كبار مسؤولي الإخوان وهو د. عبد القدوس أبو يمان، استُشهِد في مكة المكرمة في حادث سيارة. ولا أنسى فضله عليَّ ومساعدته إياي مادياً أيام هجرتي الأولى إلى مكة المكرمة ـ رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته ـ.


ومن بنات الشيخ الأخت الكريمة، والداعية النشيطة ناجية زوجة الشهيد الأستاذ عبد الرحمن الفاخوري ـ رحمهما الله تعالى ـ لم تحصل الأخت ناجية على شهادة جامعية،لكنها كانت مثقفة ثقافة شرعية ممتازة، وتمارس نشاط الدعوة إلى الله وسط الأخوات، وفي المسجد، وكان لها تأثير كبير،هاجرت مع مَن هاجر، ولازمت نشاطها الدعوي حتى أفضت إلى ربها ـ رحمها الله تعالى ـ وتقبَّل منها جهادها ودعوتها ـ.


سعدتُ وتشرفت بزيارة أستاذنا أبي محمود في مدينة الرياض في بيت ولده الأخ الدكتور عبد القدوس أبو صالح ، وقد كانت آخر زيارتي لي له حيث كان في مرض الوفاة.


ومن عجيب القصص الطيبة التي حكاها لي نجله الأخ الأستاذ محمود أبو ناجي أن والده كان مريضاً في سورية إلى الدرجة التي يئس الأطباء في دمشق من شفائه إلا أن يأذن الله ، وطلبوا نقله إلى منزله في حلب ليموت فيه ، ويشاء الله أن يعيش بعد هذا اليأس الطبي أكثر من خمس عشرة سنة ليموت في الرياض. يقول الأخ أبو ناجي محمود: حين أخبرت الطبيب اليائس في دمشق أن والدي لا زال حياً يرزق في الرياض، دُهِش وقال : مستحيل!! لكنها مشيئة الله وقَدَره ، ولا رادَّ لقدره.



14 ـ الشيخ عبد الوهاب سكر ـ رحمه الله تعالى ـ 1316ـ1407هـ =1898ـ1986م


عالم جليل، هادئ الطبع ، متئد الحركة، جميل الطلعة، أنيق اللباس، طويل القد، حلو البسمة، يتخيَّر الكلمات، إذا مشى انتصبت قامته كخط مستقيم، يلبس عمة مرتبة، وتُزيِّن وجهه لحية كثة جميلة طويلة منسقة.


درَّسنا مادة فقه السيرة وتراجم أبطال الإسلام لفترة قصيرة، بسبب أنه اختير عن مدينة الباب التابعة لحلب عضواً في البرلمان السوري، أو في الجمعية التأسيسية عام 1949م، وكان إلى جانب شيخنا السباعي والكتلة الإسلامية يخوضون معركة الدستور في مواجهة العلمانيين وأحزابهم اللادينية. وكانت معركة سياسية وبرلمانية وشعبية أفرزت دستوراً تضمن بعض المواد الإسلامية الهامة، تحدثت عنها تفصيلاً خلال حديثي عن أستاذنا السباعي ـ رحمه الله ـ ولا شك أنه كان لشيخنا عبد الوهاب السكر نصيب في هذه النتيجة الهامة، خاصة وأن هذا الشيخ الجليل كان ينسِّق في هذا الشأن شعبياً مع الشيخ محمد النبهان، والشيخ أبي الخير زين العابدين ـ رحمهما الله تعالى ـ وغيرهما من علماء حلب إلى جانب تنسيقه تحت قبة البرلمان مع الشيخ السباعي والدكتور الدواليبي والأستاذ المبارك و الأستاذ الدكتور عارف صدقي الطرقجي ـ رحمهم الله جميعاً ـ


كان الشيخ السكر تربطه زمالة دراسة في الأزهر مع الشيخ النبهان، ومع الدكتور الدواليبي، أيام الطلب في الثانوية الشرعية بحلب إلى جانب الشيخ النبهان.


وأختم الحديث عن هذا الشيخ الجليل أن الانطباع الذي تكوَّن لديَّ عنه خلال الفترة القصيرة التي عايشتُه فيها مدرِّساً أنه كان أنيقاً في كل شيء؛ في كلامه، في لباسه، في مشيته، في عمته، في لحيته ـ رحمه الله تعالى ـ.



15ـ الأستاذ الشيخ علاء الدين علايا ـ رحمه الله تعالى ـ


درَّسنا مادة علم النفس، كان قد قدِم من مصر مجازاً في الشريعة من الأزهر، وأُوكل إليه تدريس هذه المادة،وهو وإن كان غير مختص، فقد كان يُحلِّق فيها، وخاصَّة أنه كان يحلو له أن يقرِّرها في الهواء الطلق، وحديقة الثانوية الشرعية.


والأستاذ علايا كان نشيطاً متكلماً قوي الشخصية، شغل وظيفة مفتش مادة التربية الإسلامية في مدينة حلب، وقد أكون ورَّطته ذات يوم ـ من غير قصد ـ، مما أفقده الموقع والمنصب على يد المسؤولين البعثيين العلمانيين في مديرية التربية بحلب، ذلك أنني أطلعته ـ بحكم مهمته ومسؤوليته كمفتش للمادة ـ أثناء جولة تفتيشية له في ثانوية التجارة أو إعدادية الحكمة، أطلعتُه على النشاط الديني الذي كنت أمارسه بصفتي مدرساً لمادة التربية الإسلامية، وبخبراتي التعليمية والدعوية والتربوية،توصلت إلى تقعيد هذا النشاط في عمل مؤسسي أشرك فيه الطلاب، وأوزع عليهم المهام، على مستوى المسجد، أو الفصل، أو المدرسة، تحت مُسمَّى: جمعية المسجد...، أُعجِب الأستاذ علايا بهذا النشاط المؤسساتي، وطلب إليًَّ إعطاءه ما كتبته تخطيطاً وتنظيماً لهذا الشأن، فاستجبت لطلبه،ولم يخطر على بالي أنه سيتبنَّاه رسمياً... وأُفاجأ أن الشيخ علايا ـ حفظه الله ـ تبنَّى هذه الأوراق، وعمَّمها على مدرسي مادة التربية الإسلامية بخطاب رسمي صادر عن مديرية التربية في حلب، ويبدو أن مسؤولي الحزب المهيمِنين على مديرية التربية ومدارسها، والمنفذين لخطة تبعيث التعليم والطلاب، تنبهوا إلى خطورة هذا النشاط وهذا التعميم، فسحبوا التعميم، وأوقفوا النشاط، ونقلوا الأستاذ علايا من التفتيش إلى التدريس، وكان الرجل راضياً كل الرضى، ولم يعاتبني في شيء، ثم إنه ـ رحمه الله تعالى ـ كان ممن أُدرج اسمه في مذبحة التعليم الشهيرة عام 1979م، حيث نقلوا مالا يقل عن خمسمائة من مدرسي الجامعة والثانوي ومعلمي الابتدائي، نقلوهم بسبب نشاطهم الإسلامي وشخصياتهم المؤثرة من ميدان التعليم والتدريس إلى أعمال إدارية في مختلف الوزارات والإدارات، كان نصيبه ونصيبي من ذلك أننا نُقلنا إلى مديرية التموين، مجمَّدين لا عمل لنا ولا نشاط، قاتل الله العلمانيين البعثيين الظالمين.


ولاستكمال صورة شيخنا الأستاذ علايا أضيف أنه كان يتمتع بشخصية قوية جريئة حازمة نشيطة متكلمة... ولكن لا أدري كيف تغيَّرت صفاته المميزة هذه إلى شخصية ساكنة منعزلة، تُقِل من الكلام والحركة والنشاط... أتساءل ـ وأرجو أن أكون مخطئاً ـ هل كان ذلك بسبب مسلكه الصوفي الجديد، صحبة شيخنا محمد النبهان ـ رحمه الله تعالى ـ الذي كان صاحب شخصية آسرة، تعرف في وجهه الرجولة والشجاعة والزعامة والقيادة، لقد كان الأستاذ علايا حقاً مريداً بكل ما تقتضيه هذه الكلمة أتذكره وقد وقف يحمل إبريق العصير ليشربه الشيخ بعد خروجه من الحمام.


تركته في حلب قبل ثلاثين سنة، وهو يتولى إدارة المعهد التابع للشيخ النبهان المسمَّى الكلتاوية.


توفي في حلب بتاريخ 17/5/1431 الموافق 30/4/2010 ـ رحمه الله تعالى ـ وأسكنه فسيح جناته.


ملاحظة :


أحمد الله أنني ما كتبته هنا عن شيوخي وأساتذتي ـ جعل الله مقامهم في الجنة ـ هو ما بقي في ذاكرتي من معلومات شخصية عنهم تكونت من خلال معايشتي لهم وذكرياتي معهم . ثم اطلعت على كتابين هامين يترجم لعلماء حلب هما :


1 ـ علماء من حلب للأستاذ محمد عدنان كاتبي.


2 ـ موسوعة الدعاة والأئمة والخطباء في حلب (العصر الحديث) للشيخ أحمد تيسير كعيد.


أسأل الله سبحانه أن يجزيهما خير الجزاء عني ، وعن كل طلاب شيوخنا الأجلاء، وأعتبر هذين العملين نوعاً من الوفاء لعلمائنا الأبرار، وللثانوية الشرعية التي سلكنا فيها مسالك العلم بين أيدي مَن اجتباهم الله لتبليغ رسالته ، ونشر دينه ، وإشاعة النور الذي بُعِث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقول : إن هذين العملين العلميين يعتبران كذلك وفاء لمدينة حلب الشهباء التي قدمت من أبنائها هذه النخبة المميزة من علمائها الذين نشروا العلم في مختلف المدن السورية ، وبخاصة في حلب ، وإدلب ، وحماة ، والجزيرة ، ودير الزور وريفها الواسع...


يسعدني أن أعترف أنني استكملت من هذين الكتابين بعض المعلومات اليسيرة جزى الله المؤلفين خير الجزاء وأوفاه.



ب ـ المجموعة الثانية :أساتذتي الكرام في العلوم العربية والكونية والفنية


بعد جولة الذكريات الماتعة مع أساتذة أحباء، وعلماء أبرار، كان لهم أثرهم في تربيتي وتكويني،وكان لهم الفضل بعد الله في نشأتي الإسلامية، وسلوكي صراط الله السوي، وخدمة دين الله القويم، أذكر أساتذتي في الاختصاصات الأخرى غير الشرعية، إذ كان لهم فضلهم كذلك في تكوين ثقافتي وتنويع معرفتي، ومعايشتي للعصر الحديث وعلومه ومعارفه.



1ـ الأستاذ عبد الرحمن عطبة ـ حفظه الله تعالى ـ


كان الأستاذ أبو محمود عطبة مدرساً محبوباً درَّسنا مادة الأدب العربي في المرحلة الثانوية الشرعية، وسبب محبَّتِنا له وتعلقنا به مجموعة صفات هي:


1 ـ كان مدرساً ناجحاً في عطائه وأدائه.


2 ـ كان رجلاً شعبياً يألف ويُؤْلَف، خاصة وأنه نشأ في حي باب النيرب ، وهو حي عشائري.


3 ـ كان متواضعاً أزال الحواجز بينه وبين الطلاب.


4 ـ وأهم من ذلك كله كان داعية ملتزماً، متحمساً للعمل الإسلامي خطيباً مفوَّهاً، قائداً جماهيرياً.


سأتحدث عنه في مكان آخر ـ إن شاء الله ـ من حيث تأثري به في انتمائي الدعوي، والتزامي بكبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث.



2 ـ الأستاذ محمد نجيب جبل ـ رحمه الله تعالى ـ


درَّسنا الجغرافيا والجبر في المرحلة المتوسطة من الثانوية الشرعية، وقد كان متميزاً بطريقة أدائه، وروعة أسلوبه، وكان بحق أحد الروَّاد الأوائل في الحركة التعليمية على مستوى مدينة حلب الشهباء.



3 ـ الأستاذ محمود شعبان ـ رحمه الله تعالى ـ


درَّسنا الرياضيات في المرحلة الثانوية، وقد كان لطيفاً ودوداً رقيقاً، يتفنَّن في أساليب شرحه، ويُغيِّر طرائق عرضه، حتى يفهم الطالب عنه، كان أنموذجاً في الأخلاق، مربياً ناجحاً،وقد كان من أنجح مدرسي الرياضيات على مستوى مدينة حلب، كان يدرس في ثانوية المأمون، وحين باشر تدريسنا في الثانوية الشرعية، كان قد قدِم من فرنسا للتو، مُبْتَعثاً من وزارة التربية للدراسة العليا، أذكر أنه اختبرني في مادة الرياضيات شفهياً إضافة إلى الاختبار التحريري في الامتحان النهائي للحصول على شهادة الثانوية الشرعية وقد جرت الاختبارات النهائية في مقر الثانوية الشرعية في دمشق (التكية السلمانية)(3).



4ـ الأستاذ الدكتور محمد ريحاوي( طبيب أسنان) ـ رحمه الله تعالى ـ


درَّسنا مادتي الفيزياء والكيمياء في المرحلتين المتوسطة والثانوية، كان حَيياً، يحمرُّ وجهه مع أيِّ نكتة أو غضبة، وكان مثقفاً، مولَعاً بالسياسة، يقرأ كثيراً، ولشدَّ ما كان يستطرد في دروسه بالحديث عن بعض الشؤون السياسية المعاصرة، وقد كان له دور مهم في بناء وعينا السياسي المبكر.



5 ـ الأستاذ: محمد عجنجي ـ رحمه الله تعالى ـ


كان يُدرَّسنا اللغة الانجليزية على النحو الذي تعلَّمه، عنيتُ أن الأستاذ كان في الاصل مدرساً للغة الفرنسية في الثانوية الشرعية، فلما تقرَّر إلغاء الفرنسية كمادة دراسية وإبدالها بالإنجليزية، ورغبة منه بالاستمرار في التدريس، ذهب يتعلم الانجليزية في معهد من معاهد حلب، وما يتعلمه هناك يعلمنا إياه.


وبسبب هذا... وبسبب أنه كان غير متفرغ يعمل في البنك العربي، ويدرِّس ساعات خصوصية، كان يأتينا إلى المدرسة على دراجته الهوائية، متعَباً مرهَقاً، وبالتالي كانت حصيلتنا من اللغة الانجليزية ضعيفة، ونطقنا بها غير سليم، وسبحان مَن سترنا حين كنا ندرس في الجامعة، واللغة الانجليزية إحدى المواد المطلوبة رئيسياً، ومن الطرائف التي مرت بي أنني كنت أقرأ نصاً باللغة الانجليزية في كلية الشريعة على مسمع من أستاذنا د: فؤاد حموده ـ رحمه الله تعالى ـ، لم تعجبه قراءتي ولا لفظي، فقال بلهجة مصرية محببة( إيه ده يا بْني يا فاروق ) فقلت له: معذرة... أنا أقرأ بلهجة أمريكية، وأنت لهجتك انجليزية، والفرق بينهما كبير ـ كما تعلم!! ـ، فضحك الأستاذ طويلاً ـ رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته ـ


وسترني الله مرة أخرى في كلية الحقوق ، فقد كان مقرر اللغة الانجليزية ملحَقاً بإحدى المواد، فأجلتها إلى عام قادم للهرب منها ، فلما جاء موعد الامتحان القادم وجدت أن مقرر اللغة الإنجليزية قد أُلحِق في مادة حقوقية سبق أن نجحت فيها وهكذا سلمتُ ونجاني الله من امتحان عسِر.


والأستاذ عجنجي كان يغلبه الجد أو التعب، فلا يكاد يضحك، ولا يسمح لنفسه أو لطلابه أن يستطردوا في أي موضوع، أو أن يخرجوا عن موضوع الدرس، وكان ـ رحمه الله تعالى ـ خلوقاً هادئاً واسع الصدر شديد الصبر.



6 ـ الأستاذ فاتح المدرس: (الفنان والرَّسام المعروف).


تمَّ التعاقد معه أيام الأستاذ مصطفى طلس المدير المنتدب للثانوية الشرعية. رغبة منه في تدريس مادة الرسم، وفوجئ أنه قد كان لدى الأساتذة والطلاب اعتقاد بحرمة الرسم والتصوير، وثار نقاش شديد، مما اقتضانا أن نفصل الرأس عن الجسد في رسم أي حيوان ذي روح، فاضطر الأستاذ المدرس أن يحوّل تعليمنا إلى رسم المعالم الجميلة، التي تُزيِّن مسجد الخسروية الأثري حيث مقر الثانوية الشرعية.


لكنه لم يطل به الأمر، وسرعان ما استقال وغادرنا، وأظنه سافر إلى إيطاليا ليتخصص في الرسم والنحت، وعاد أستاذاً جامعياً في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وذاع صيته كواحد من كبار الفنانين السوريين، لكنه قبل ذلك قدَّر الله أن نلتقي كزملاء في ثانوية المتنبي بإدلب عام 1960 وأذكر أن سهرة ضمتنا، وطلب إليه الزملاء أن يحلل تواقيعهم، فاستجاب، حتى إذا جاء دور تحليل توقيعي، وقف طويلاً أمامه، يدرس أبعاده، ويحلل شكله، وأذكر أنه قال: إنه توقيع مميز يحكي التنسيق والتوازن والجمال.



يتبع في الحلقة السابعة، ونبدأ فيه الحديث عن عدد من شيوخ كرام لقيتهم واستفدت منهم ولم أدرس بين أيديهم




(1) موسوعة الدعاة والأئمة والخطباء في حلب (العصر الحديث) ج 1 ص123.

(2) خَلَفاً لمولانا الداعية الرباني الشيخ العلامة الشيخ أبي الحسن الندوي ـ رحمه الله تعالى ـ .

(3) أقاموا في صحن هذا الجامع وهذه التكية متحفاً حربياً ليقابل المتحف العام الواقع أمام إدارة جامعة دمشق وقاعة المحاضرات الكبرى فيه.


تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين