
7 ـ الداعية الكبير الشيخ محمد أبو الخير زين العابدين ـ رحمه الله تعالى ـ 1335ـ1393/ 1916ـ1973.
إنه المجاهد ابن المجاهد الكبير شيخ أنطاكية الشيخ محمد زين العابدين ـ رحمه الله تعالى ـ قاوم الحكم الأتاتوركي العلماني القومي الطوراني الذي قضى على الخلافة العثمانية، وقاوم بعده الاستعمار الفرنسي، ونتيجة للاضطهاد والملاحقة هاجر إلى حلب عام 1939، فاستقرَّ فيها حتى تُوفي، ودُفِن في حلب ـ رحمه الله تعالى ـ وكان سكنه ملاصقاً لمدخل الجامع الأموي الكبير في حلب، وتحت مئذنته الكبيرة.
ربَّى أولاده في مدرسته المنزلية، فكانوا علماء فحولاً، ونابغين مُبْدعين، تأثرتُ باثنين منهم: أولهما: الشيخ أبو الخير زين العابدين، والثاني: الشيخ عبد الرحمن زين العابدين، الذي كان عوناً لوالده في تعليم إخوته وخاصة أخاه الشيخ محمد أبا الخير
كان الشيخ أبو الخير مدرساً داعية، وخطيباً داعية، أما في التدريس فقد درَّسنا مادة التفسير وعلم التوحيد بروحانيَّة عالية، وربانية خالصة، كان يمزج التدريس بالتوجيهات الدعوية، والمواقف الإيمانية، وكان يُعطي من نفسه القدوة في العمل الصالح، والجهر بالحق، ومعايشة هموم الأمة وأحداث سورية والعالم الإسلامي. مما كان له أكبر الأثر في تكويني الدعوي، والتزامي بالخط الإسلامي. على أن الشيخ لم يكن ملتزماً بجماعة ولا بهيئة، وإنما كان أمة وحده...
حكى لنا ذات مرة في أحد دروسه في الثانوية الشرعية: أنَّ أحد إخوته ارتكب خطأ في تقديم خدمة بسيطة لجندي فرنسي، وبلغ الخبر أُمَّهُ فاحتجبت منه، وحين أراد أن يدخل عليها طردته، وقالت له: أُخرج يا كافر...يا مرتد... قال: ماما!!إنها خدمة مادية بسيطة! قالت: أُخرج، فما زالت محتجبة منه، حتى تاب إلى الله تعالى، وعاهد أن لا يعود. وقد حكيتُ هذه القصة للعماد علي دوبا حين كنت معتقلاً عام 1979 وكان مديراً للمخابرات العسكرية في سورية ، لأثبت له أن المسلم المؤمن الملتزم لا يمكن أن يتعامل مع العدو أو يتآمر معه ، ففي عقيدتنا أن هذا التعاون هو ردة عن الإسلام وكفر به ، وكنا في هذا اللقاء في حوار وجلسة تفاوض ، بحثاً عن حل لأزمة البلد ، وقد تم هذا اللقاء بناء على موافقة الرئيس حافظ أسد
ثأثير الشيخ أبي الخير لم يكن قاصراً على شخصي، بل كان تأثيره شاملاً على كل الطلاب، بل على معظم أبناء حلب ، وخاصة المثقفين منهم من خلال خطبه ومواقفه الإيمانية الجريئة والشجاعة، يحبونه ويتحركون بأمره.
عشتُ معه مواقف كثيرة أذكر منها موقفين: موقفه يوم الدستور، وقد كانت الجمعية التأسيسية عام /1949/في صدد وَضْع دستور علماني للبلاد ترفض ـ بالأكثرية ـ أن يتضمن الدستور مادة تنصُّ على أن دين الدولة الإسلام، وأن الإسلام دين رئيس الدولة،وثارت غضبة الشيخ أبي الخير مع ثلة من العلماء الشباب، فحرَّكوا العلماء الكبار، ونزلوا إلى الشارع، واعتَلَوا المنابر، ونظموا الإضرابات والمظاهرات، ودبَّجوا العرائض،وكنا نحن الطلاب في الثانوية الشرعية وطلاب الإخوان في مختلف الثانويات نتحرك بين أيديهم، ولا زلت أذكر كيف توزعنا نحن الطلاب ـ طلاب المتوسطة ـ على المساجد نلقي الكلمات، وإن أول خطبة في حياتي كانت تلك الخطبة التي ألقيتها في الجامع القريب من سوق الزرب وسوق القطن. نتحرَّك بين أيدي هؤلاء العلماء الثائرين الذين كانوا سَنَداً ودعماً للعلماء في المحافظات الأخرى،وكانوا كذلك دعماً للجبهة الإسلامية في مجلس النواب السوري، وعلى رأسها أستاذنا الشيخ الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ الذي كان القائد والمحرك والفارس الذي استطاع ـ بفضل الله ـ ثم بفضل هذا الدعم الشعبي الكبير أن ينتزع من البرلمان مواد إسلامية جيدة، تضمَّنها الدستور. لكنها لم تكن تمثِّل كل الطموح. وإنما كانت خطوات هامة في أسلمة الدولة والقوانين..
أما الموقف الثاني للشيخ أبي الخير، فقد كان في عهد قائد الانقلاب العسكري الثالث أو الرابع للزعيم أديب الشيشكلي الذي ارتكب خطأ فادحاً حين استعدى العلماء عليه: بإصداره مرسوماً يقضي بتوحيد زِيِّ العلماء بعمَّة على طربوش أبيض وجُبَّة وياقة، متأثراً بزي رجال الدين النصارى، وزي رجال الكهنوت. ولما كان الإسلام يرفض الاعتراف بوجود طبقة أكليروس أو طبقة رجال الدين، لذلك فإن هذا المرسوم كان محل رفض واستنكار، ولئن كان معظم العلماء قد تعاملوا مع الواقع، وطبَّقوا المرسوم، فإنَّ الشيخ أبا الخير وبعض العلماء والدعاة الشباب كالشيخ محمد الحموي والشيخ محمد أديب الصالح وغيرهم... رفضوا تنفيذ المرسوم، ورفضوا هذا اللباس، وآثروا اللباس الشعبي العادي مع الطربوش عليه الغباني ( نسيج مطرز أصفر) وبعضهم آثر أن يكون حاسر الرأس، كأساتذتنا السباعي والزرقا والدواليبي والكرمان وغيرهم...
كان الشيخ أبو الخير داعية بحق ، مؤثراً بقوله وسلوكه وحاله ، كان جميل الصورة، منور الوجه، أبيض البشرة، أكحل العينين ، يملك جذابية مدهشة كان يتكلم العربية الفصحى مع لكنة تركية على أنها أقل من لكنة أخيه الكبير عبد الرحمن رحمهما الله تعالى.
وبرزت أفكار الشيخ أبي الخير من خلال منبر الجمعة، فقد كان يخطب في جامع الشعبانية، وبعدها خطب في جامع السبيل، فكان خطيباً مؤثِّراً لا بصوته ونبرات كلامه، وإنما كان مؤثراً بإخلاصه، وأفكاره، وطرْح القضايا العامة، وهموم الأمة، ومعالجة المشكلات المعاصرة، وكان مسجده يوم الجمعة مقصوداً ومزدحماً بالمصلِّين إعجاباً بفكره وشجاعته، وارتباط موضوع خطبته بالأحداث.وللشيخ مواقف أخرى كثيرة.
قيل : إنه توفي إثر حادث سيارة مقصود ، وقد كان يمشي على رصيف الشارع في حلب ، نتج عنه ارتجاج ونزيف داخلي ، مات بقدر الله على أثر هذا الحادث ـ رحمه الله تعالى ـ لكنني لم أتمكن من المشاركة في تشييع جنازته حيث كنت قيد الاعتقال عام /1973/.
شرَّفني بزيارتي في منزل والدي بحي الجلوم إثر الحادث الأليم الذي تعرضت له قريباً من مدينة حمص عام /1956/، وزرته في منزله مرة في سكنه بسبيل الحسبي المؤدي إلى باب الحديد ، ومرة ثانية زرته في سكنه بحي السبيل القريب من القنصلية العراقية.
8 ـ الأستاذ أمين الله عيروض ـ رحمه الله تعالى ـ 1325ـ1390هـ = 1907ـ1970م.
كان الأستاذ عيروض عالماً لا يلبس زِيَّ العلماء، ثائراً ليس له أنصار، كاتباً ليس له قرَّاء، زوجاً ليس له أولاد، فقيراً ليست له أموال، عفيفاً زاهداً ليس في تلاميذه أغنياء ولا تجار، بيته متواضع، وفرشه متواضع، يحب تلاميذه أن يزوروه في البيت، فهم الأقرب إلى نفسه، ينشر أفكاره بينهم من خلال ما يقرره عليهم في دروسه وزياراته، وما يكتبه من بحوث مطبوعة على ورق متواضع، وبغلاف متواضع. لم يلازمه من الطلاب إلا القليل، وبكل أسف إنهم لم يكونوا على الجادة السويَّة، فهموه خطأ، لقد كان الأستاذ عيروض أشبه ما يكون بجمال الدين الأفغاني ثورة وتحرُّراً وتمرُّداً على المؤسسات الدينية التقليدية، وكان يلبس الطربوش واللباس الفرنجي، كثير النقد لأقرانه، لا يعجبه منهم أحد، كان له أسلوب ساخر في النقد، وكان حريصاً على عزته وكرامته ولا يقبل أن يساوم عليهما ، حكى لنا مرة أنه سلَّم على أحد معارفه برفع يده إلى رأسه ، ولكن صديقه ردَّ التحية برفع يده إلى صدره ، فتأثر الشيخ ، واعتبرها إهانة! وقال : في مرة قادمة إن رأيته سوف أحييه بوضع يدي على بطني وأشار إلى أسفل بطنه. وكان معتدّاً بعلمه، خريج الأزهر والنجف وإيطاليا(1).لم أسمعه يوماً يُثني على أحد باستثناء اثنين الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، بأنه كان قاموساً عربياً ناطقاً، كما شهد للسيدة نديمة المنقاري زوجة الشيخ عطا الله الصابوني مدير الثانوية الشرعية ثم مديراً للأوقاف في حلب، والتي كانت تصدر مجلة أدبية نسائية شهد لها بأنها كانت مرجعاً في اللغة العربية على مستوى مدينة حلب.
درَّسنا أكثر من مادة، أذكر منها مادة النحو ومادة الخطابة،وكان يؤلمني أننا لا نكاد نُنْجز من المنهج المقرَّر ـ في المادة التي يدرِّسنا إياها ـ إلا القليل، وقد أثَّر هذا سلباً على تحصيلنا العلمي في مثل هذه المواد.بسبب استطراداته الكثيرة وتعليقاته على الأحداث الجارية.
كان ـ رحمه الله تعالى ـ يشغل نصف الزمن المقرر للحصةـ إن لم يكن أكثر ـ في الشؤون العامة سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية نقداً لها، وقد عرف عنه الطلاب ذلك، فكانوا يُكثرون عليه السؤال في هذه الشؤون، بعضهم بقصد الفهم، وبعضهم بقصد تضييع الوقت، ولا شك أن أسلوب الأستاذ عيروض ـ رحمه الله تعالى ـ كان له أثره في توجيه الطلاب وتكوين اتِّجاهاتهم، ويؤسفني أن أقول ـ وأستغفر الله مسبقاً ـ: إن الطلاب الذين لازموه ـ على قلتهم ـ كانوا أميل إلى الخط الاشتراكي اليساري في البلد، عكس الأستاذ الشيخ أبو الخير زين العابدين ـ رحمه الله تعالى ـ فقد كثر تلاميذه المحبون، وتأثروا به،وكانوا ملتزمين بالخط الإسلامي الصحيح والدعوة الإسلامية الراشدة.
وكان للشيخ عيروض ـ رحمه الله تعالى ـ نشاط من نوع آخر، هو الاتِّصال بعالم الجن، لكنني وزملائي الطلاب، لم نكن نعرف عنه هذا، ولم يسبق للشيخ أن تحدَّث بمثل ذلك، ولم يُعرَف عنه في الوسط الاجتماعي شيء من ذلك، حتى فُوجئت ـ وأنا مدرس ـ بمثل هذه الممارسة... وأسبق إلى القول: أن الشيخ لم يتَّخذ هذا العلم وسيلة تكسُّب، أو سبيل احتراف،خاصَّة إذا علمنا أنه كان صاحب عزة وكرامة وأنفة، وإنما كان ـ رحمه الله تعالى ـ يُقدِّم هذه الخدمة مجاناً لِمَن لهم مكانة في نفسه، أوصلة وثيقة به، وهذا ما حدث تماماً… فقد أُصيبت بنت عم لي بمسٍّ من الجنِّ إلى الدرجة التي كانت تؤذيها، بإغماض عينيها فترة من الزمن مرة، أو تصلُّب ساقيها لأيام مرة أخرى، وقبض أصابع كفَّيها لأيام كذلك تارة أخرى، كان يجري ذلك لها بين الفينة والفينة، واجتهد زوجها في معالجتها طبياً لدى المختصِّين في حلب وحمص وغيرهما، لكن دونما فائدة، حتى قال له أحد الأطباء المسيحيين ـ كما حدَّثني الزوج(2) : هذه الحالة ليست من اختصاصنا، وليست من مجال عملنا، لأننا بالتشخيص العضوي والتصوير والتحليل، لم يتبيَّن معنا أي سبب لهذه الحالات، أنصحك الاستعانة بالمشايخ المختصِّين في هذا الشأن.
وفعلاً فإنَّ الزوج قد أخذ بالنصيحة، وسار بها شرقاً وغرباً...بحثاً عن شيخ مُعالِج في حمص وحلب وإدلب،واستقرَّ الأمر عند شيخ طريقة من إدلب: اسمه الشيخ صَطُّوف ـ رحمه الله تعالى ـ. كان رجلاً بسيطاً أقرب إلى الأمية، فقيراً فلاحاً، كانت إذا اشتدت الحالة عند بنت عمي، وتعرضت لشيء من الإيذاء، كان زوجها يستدعي الشيخ، وبالرجاء... وكنتُ أحياناً أُدعىَ لمشاهدة بعض صور العلاج، بحضور زوجها ووالدي ووالد زوجها ـ رحمهم الله تعالى ـ وكنتُ أرى عَجَباً ومفارقة بين حالتين تعتريانها، ما قبل العلاج وما بعده، يحدث تغيُّر عجيب في شخصيتها، في لغتها، في كلماتها، في سلوكها الاجتماعي، في وضعها النفسي... ما قبل العلاج، يختلف حالها تماماً عن حالها بعد العلاج، كأنني أمام شخصيتين مختلفتين، في الحالة الأولى: تكاد لا تعرف أحداً، ولا توقِّر أحداً، ولا تلتزم بسلوك متوازن، ولا بلفظ منضبط، وفي الحالة الثانية تعود إلى شخصيتها العادية بكل خُلق وأدب والتزام ـ كما هو العهد بها ـ.
أما أسلوب العلاج فقد كان الشيخ يقرأ بعض الآيات الكريمة، ويتوسَّل ويرفع صوته مستغيثاً بالله حتى يخرج الجنِّي المؤْذي من جسدها، بأمر ملوكه ـ كما يقول الشيخ ـ وحين يخرج الجني، كان وضع السيدة يختلف تماماً، فكان أكثر من شخص لا يستطيع ضبطها، لأنَّ الجني كان متمرداً، لا يريد أن يتركها، وحين يُجَبر على الخروج، كنت أسمع صوت خلخلة في عظامها، وما إن يحدْث ذلك، ويتم خروج الجني المؤذي، حتى تعود بنت العم كما كنتُ أعهدها أدباً واحتراماً واحتشاماً، وسيدة عادية وقورة. لكن لم يكن ذلك شفاء تاماً، وراحة كاملة، فكان يعاودها الأشقياء من الجن مرة بعد مرة.
وفي إحدى الحالات استعصت حالتها، وساءت صحتها، واشتَّد إيذاؤها، ويحثوا عن الشيخ المعالج في إدلب فلم يجدوه، فقال جارهم الأستاذ تيسير هبراوي المراقب ( الموجه) في ثانية المأمون، والذي أضحى بعدها محاسباً ـ رحمه الله تعالى ـ: أنا آتيكم بشيخ يعالجها. قالوا: مَن؟ قال: الشيخ أمين الله عيروض، ولَشدَّ ما كانت دهشتي واستغرابي؟! فقلتُ: تقصد الشيخ أمين الله عيروض المدرس في الثانوية الشرعية؟ قال: نعم. قلت: عجيب أمره!! درَّسني خمس سنوات، ولا أعرف عنه هذا الأمر. ولم أسمع بذلك البتة!!. قال الأستاذ تيسير: نعم الأمر كذلك، الشيخ خبير في هذا الشأن، ولكنه غير محترف، ولا يريد أن يُعرف عنه هذا، ولا يستجيب إلا لمن له ثقة به، وله مكانة خاصَّة عنده... وفعلاً جاء الأستاذ عيروض وأنا حاضر، ومعي الوالد ـ رحمهما الله تعالى ـ وبدأ الشيخ معالجته، فسمعت ورأيت أموراً عجيبة، والأصح أن أقول: سمعت أمراً عجيباً، أعطى الشيخ زوج السيدة المصابة (بالمس) خاتَمه المتوَّج بحجر كريم، فقرأ الشيخ بعض الآيات الكريمة، وبعض الأدعية والأذكار، وردَّد كلمات لم أفهمها، خاطب بها القوم في العالم الآخر، وقد بَدَا على الشيخ جديَّة وصرامة، والتفت إلى الزوج وسأله: انظر إلى الحجر الكريم. فماذا ترى؟ قال الزوج: أرى أرضاً فلاة، كأنني في صحراء، ثم نطق الشيخ بكلمات يخاطب بها القوم في العالم الآخر، وقال للزوج: ماذا ترى؟ قال: الزوج: أرى قوماً سود البشرة قد حضروا، فوجَّه الشيخ خطابه للقوم وبأسلوب صارم. قائلاً: مَن أنتم؟ إن كنتم مسلمين فارفعوا الهلال، وإن كنتم نصارى فارفعوا الصليب، والتفت إلى الزوج وسأله: ماذا ترى؟ وأظن أنه قال: أراهم رفعوا الصليب، ولا أذكر أنه قد قال: إنهم رفعوا الهلال. المهم أنَّ الشيخ عيروض خاطبهم بحزم وصرامة وجديَّة قائلاً: أليس حرام عليكم أن تُؤذوا هذه المرأة، وتضرُّوها مع زوجها في بيتها، وتقعدوها عن أيِّ عمل، وتشلُّوا حركتها، يوماً حركة العينين، ويوماً حركة اليدين، وأخرى حركة الرجلين؟؟!!، ووعدوه أن يرفعوا أذاهم عنها، إلا من زيارة في الشهر مرة، دون أذى أو ضرر، وفعلاً فقد تمَّ شفاؤها بحمد الله، ولم تعاودها تلك الحالات البتة، رحم الله أستاذنا الشيخ أمين عيروض رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته وغفر له ذنبه.
وختاماً فأستاذنا العيروض كان واسع الثقافة ، ومنوعها ، وجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الكونية ، وقد ساعده على ذلك إتقان اللغات الانجليزية والفرنسية والإيطالية وأنه درس في الأزهر والنجف وإيطاليا على تنوع ثقافاتها ومناهجها وتنوع موادها ، ومذاهبها وطريقة بحثها.
9 ـ الشيخ محمد بلنكو مفتي الحنفية في حلب ـ رحمه الله تعالى ـ 1315ـ1412هـ =1897ـ1991م
درست معه مادة مكارم الأخلاق، وتولَّى إدارة الثانوية الشرعية لبعض الوقت،كان يتمتَّع بقدْر كبير من الذكاء والدهاء، ولديه بعض صفات الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية العربية السورية، على أنَّ الأخير كان خطيباً واعظاً متحركاً، يقود جماعة صوفية في دمشق وغيرها، واسع الصِّلات، جريء الفتوى، وَصَفه الداعية الرباني الإمام العلامة مولانا أبو الحسن الندوي ـ رحمه الله تعالى ـ بأنه شيخ السلطان في كتابه ( مذكرات سائح في الشرق العربي) الذي صدر أواخر الخمسينيات.
تولى الشيخ البلنكو منصب الإفتاء في مدينة حلب منذ عام 1957وحتى عام 1967 وكان التنافس شديداً بينه وبين الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمهما الله نجح بدعم السلطة وشيوخ السلطان ، خلفه في المنصب الشيخ محمد الحكيم وبنفس الطريقة ونفس الدعم.
كان ـ رحمه الله تعالى ـ يسكن في الفيض قريباً من جامع (عمر سالم) وكان له مجلس فقه بعد صلاة الجمعة.
كان الشيخ فكيهاً تمتزج بسمته بالنظرات المعبرة والساخرة أحياناً ، على أن شيخنا أبا عمر كان له نشاط سياسي في مقارعة الاستعمار الفرنسي ، في صفوف الكتلة الوطنية ، وكان له نشاط اجتماعي في قيادة العمل الخيري ورئاسة الجمعيات الخيرية ، وكان يتحرك هنا وهناك ليجمع لها الزكوات والتبرعات وكان للشيخ مكانة هامة في نفس شيخنا النبهان فقد كان يثني عليه بقوله : أبو عمر رجل ، ومَن يعاشره يدرك معنى هذا القول ، وكان يجمع الاثنين الالتزام بالطريقة النقشبندية.
وكنت أشعر أن الشيخ يُكِنُّ لي محبة وتقديراً، ويسمعني ـ رحمه الله تعالى ـ بعض كلمات الثناء الودودة وقد شجعني ذات يوم على متابعة نصح ابنته التي كانت طالبتي في إحدى الثانويات الخاصة.
10ـ المقرئ الشيخ مراد الحيلاني ـ رحمه الله تعالى ـ
درست معه التجويد وبعض مواد اللغة العربية في المرحلة المتوسطة، كان حافظاً لكتاب الله تعالى، مقرئاً، فقير الحال، إمام مسجد، طيباً صافي النفس، عظيم الخُلُق، أجزل الله مثوبته، وغفر الله للتلاميذ المشاغبين الذين كانوا يؤذونه أثناء الدرس.
ولأنها ذكريات أسمح لنفسي ـ مستغفراً الله سبحانه إن كان اجتهادي خطأ ـ أن أذكر مشهداً مؤسفاً كان يمارسه بعض هؤلاء المشاغبين ليضحكوا الطلاب، كان الشيخ الطيِّب أجرودياً إلا من بعض شعرات في ذقنه . كثيراً ما كان يداعب هذه الشعرات ، وكثيراً ما كان يضرب براحة كفه على المقعد الدراسي الذي يقف بجانبه ، وكان من شيطنة بعض الطلبة أنه كان يسكب بعض الحبر الأزرق السائل على طرف المقاعد القريبة من الشيخ ، فإذا ضرب يده على هذا المقعد اصطبغت بالحبر السائل ، وإذا ما داعب الشيخ شعرات لحيته اصطبغت بالحبر الأزرق. ويتضاحك الطلبة غفر الله لهم . إنها المراهقة والولدنه. ويؤسفني إن أقول أن هذا العبث البشع كان يصدر عن أبناء بعض المشايخ ، فيتألم الشيخ ، ويتكلم معهم كلاماً له دلالته المعبرة أعفُّ عن ذكرها.
ومِن عبث هؤلاء المراهقين أنهم كانوا يحضرون نصف شفرة حلاقة ويثبتونها في المقعد ، ثم يحركونها بشيء ما حتى تصدر أصواتاً موسيقية ، ولا يعرف الشيخ مصدر هذه الأصوات!!.
والحقيقة أن ما صدر عن هؤلاء العابثين حدث مثله في الجامعة بل في كلية التربية التي كان من رسالتها أن تؤهل الخريجين للتدريس ، حتى قال لهم الدكتور عبد الله عبد الدائم حين صدرت عن بعض الطلاب حركات مزعجة (3) قال : يخرب بيتكم، تفعلون هذا وأنتم في الدبلوم العالي المؤهل للتدريس؟!. ماذا عساكم أن تقولوا لطلابكم غداً حين تنتقلون إلى حقل التدريس!!.
والحقيقة أن الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ كان من كبار المقرئين المجودين ، كان يقرأ من إذاعة حلب ، وتخرَّج على يديه آلاف الخريجين من الثانوية الشرعية ومعهد العلوم الشرعية ، ودار الحفاظ. أجزل الله مثوبته وأحسن إليه.
11 ـ العالم الرباني الفقيه الشيخ محمد سلقيني ـ رحمه الله تعالى ـ 1330ـ1422هـ =1912ـ2001
إنه من سلالة أسرة علمية كريمة تنتسب إلى مدينة سلقين غرب مدينة إدلب، درست عليه أصول الفقه، وكان عالماً ربانياً جليلاً، فقيهاً مخلصاً، والده الشيخ إبراهيم سلقيني، أحد كبار العلماء في حلب، لكني لم أعاصره، وقد سُمِّي حفيده الأخ الكريم الدكتور الشيخ إبراهيم سلقيني باسمه، وهو مفتي حلب حالياً، وعميد كلية الشريعة في جامعة دمشق سابقاً، وعميد كلية الدراسات الإسلامية في دولة الإمارات العربية المتحدة ـ دُبي ـ... أسرة كريمة وذرية طيبة، تربطني بأولاد الشيخ: إبراهيم وعبد الله وأحمد وغيرهم روابط محبة وتقدير، حفظهم الله ونفع بهم، كان الشيخ عالماً عاملاً ومدرسة متحركة من درس إلى درس...(4)، ومن مسجد إلى مسجد متبرعاً بها لوجه الله ولنشر العلم، أعفى نفسه من الشؤون العامة وتفرغ لبذل العلم.
وأغبط الشيخ الجليل أن معظم أولاده تخصصوا في علوم الشريعة، وتابعوا الدراسات العليا واكتسبوا من أبيهم اللطف والرقة والأدب الرفيع :[وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا] {الفرقان:74} .
ولمِا للشيخ محمد ووالده من مكانة علمية، نال ولده الأخ الدكتور إبراهيم أعلى الأصوات في انتخابات برلمان الجمهورية العربية المتحدة، وفاقت أصواته الأصوات التي نالها المشير عبد الحكيم عامر، وفرْق كبير بين أصوات ينالها الشيخ إبراهيم شعبياً، وأصوات ينالها رجل بمنصبه الرسمي قد سخَّر الدولة والأجهزة الرسمية في ذلك، ولا شك أن هذا كان تكريماً شعبياً كبيراً للعلماء، كذلك فإن الشيخ إبراهيم خاض معركة الانتخابات في الستينات، ونجح كذلك بأصوات كبيرة، عُرضت عليه الوزارة أكثر من مرة، لكنه كان يعتذر، ـ والأسباب لا تخفى على أحد ـ. ورغم هيبة أستاذنا الشيخ محمد ووقاره، فكنتُ ألقاه في مصيف البدروسية (اللاذقية) وأفراد عائلته، ولشدَّ ما كنت أعجب بسباحته الماهرة في البحر، ويشرف على تدريب أولاده ـ رحمه الله تعالى ـ ذكوراً وإناثاً.
واستطراداً أقول: كان شيوخنا وأساتذتنا ـ رحمهم الله تعالى ـ يمارسون الرياضة، ويعطوننا القدوة في ذلك، لازلت أذكر الشيخ أبو الخير زين العابدين، والشيخ أحمد البيانوني، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وغيرهم يحملون الأثقال في مركز الإخوان المسلمين بالجميلية في حلب، كذلك كانت تجمعهم أحواض السباحة في بساتين حلب.
يتبع في الحلقة السادسة، ونبدأ فيها الحديث عن الفقيه الأصولي الشيخ محمد الملاح ـ رحمه الله تعالى ـ
(1) درس الرياضيات في جامعة روما وتخرج فيها، لكننا لم نكن نعرف هذا!، ولم يسبق له أن قال لنا هذا! لكن الأخ محمد عدنان كاتبة ذكر هذا في كتابه: علماء من حلب في القرن 14 ص 331..
(2)وهو من آل الدواليبي ـ
(3) كان هؤلاء الجامعيون إذا مضى ثُلُث الوقت المخصص للمحاضرة يحركون أرجلهم على الأرض قصداً فتصدر أصوات مزعجة . وذلك رغبة في إنهاء المحاضرة.
(4) يذكرني عطاؤه العلمي وحرصه على بذل العلم ونشر الفقه بشيخنا محمد علي مشعل متعه الله بالصحة.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين