الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (9)

الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (9)

التصنيف: علماء دعاة مربون
الجمعة، ٢١ جمادى الأولى ١٤٤٦ هـ - ٢٢ تشرين الثاني ٢٠٢٤
118
محمد فاروق بطل
محمد فاروق بطل
الميلاد :1936 - 05 - 13- الوفاة :2024 - 07 - 24

يتبع .. شيوخ كرام لقيتهم واستفدت منهم ولم أدرس بين أيديهم


3 ـ الداعية العالم ، والواعظ الرباني الشيخ محمد جميل العقاد ـ رحمه الله تعالى ـ
الشيخ جميل العقاد ، أبرز من حبَّبني بالإمام الشهيد حسن البنا ـ رحمه الله تعالى ـ في سنٍ مبكرة من حياتي ، وأبرز مَن جرَّأني على مواجهة الجماهير ، وبالتالي فهو أول من أصعدني المنبر في جامع بني أمية الكبير في حلب.
كان رحمه الله تعالى طويل القامة ، ناصح الجسم ، ضخم المنكبين ، أبيض البشرة ، حليق اللحية ، يلبس لباس العلماء؛ جبة وعِمَّة سورية ، يؤثر الحديث والمزاح باللهجة المصرية المحبَّبة ـ في الشارع الحلبي ـ يألف ويُؤلف ، كانت لديه جاذبية شعبية ، تعلَّق به جمهور واسع عريض ، شديد التواضع ، شديد الحرص على خير الناس والإصلاح بينهم ، وبذل العلم والمعروف لهم.
كنت أرتاد الجامع الكبير لأحضر خطبة يوم الجمعة ، كانت خطبة قصيرة بليغة ، يهدف مِن خلالها تزويد المصلين ببعض النصوص والمعلومات والأحكام الخفيفة، أملاً في أن يحفظوها ويبلِّغوها مَن وراءهم ، ولذلك كان يُكرِّر الحديث النبوي الوارد في خطبته ثلاث مرَّات أخذاً بالسنة النبوية الشريفة.
وإذا ما فرغ من الخطبة ، وصلَّى بالناس السنة ، صعد (العرندس) (1) ليعظ الناس وينصحهم من خلال أحاديث قِصار يكررها ويشرحها ، ويتأكد من حفظ الحضور لها، وبخاصة الشباب أمثالي . فكان ينادي عليَّ بالاسم، وبأعلى صوته : قوم يا بني يا محمد... يا فاروق... يا بطل.. هكذا على التوالي : اسماً بعد اسم ، فأمتثِل أمره، وأصعد العرندس، وأردد الحديث.
لقد كان ـ رحمه الله تعالى ـ مدرسة مميَّزة ، وجامعة مفتوحة ، دائم العطاء ، دائم النصح ، دائم الحضور العلمي: في المنزل ... في المسجد... في الشارع... في الباص... في المدينة ... في الريف... في السفر... في الحضر... مع الشباب والشيوخ، مع الرجال والنساء، مع الأطفال والأشبال... في كل مكان ، ومع كل شرائح المجتمع.
حقاً كان الشيخ جميل نسيج وحده ، لم يستطع أحد أن يجاريه في طريقته ، أو يقلده في أسلوبه... بعد وفاته ـ رحمه الله تعالى ـ حرص الشيخ بدر الدين أبو صالح ـ رحمه الله تعالى ـ أن يتبع أسلوبه ونهجه وطريقته ، لكنه لم ينجح بالقدر الكافي .
أحياناً كنت أراه في السوق ، فأُسلِّم عليه بحب وشوق ، وأستفسر منه عن الإمام البنا ـ رحمه الله تعالى ـ فتدمع عيناه ، ويضع رأسه على رأسي، متأثراً بتلك الشخصية الربانية الفذة ، ويقول الشيخ بلهجة مصرية : دَه.... شخصية عظيمة ، وداعية كبير ، ويدعو الله له بالرحمة والرضوان... حدث معي ذلك مرتين، وفي موقفين. كان الإمام الشهيد البنا قد ذكر الشيخ جميل العقاد الحلبي في مذكراته، وأثنى على جهوده ، وأنه كان يشاركه الدعوة والوعظ في الحدائق والساحات العامة ودور السينما...
المرة الأولى كانت عند مديرية التربية في حلب تحت القلعة قديماً ، والمرة الثانية كان عند باب أنطاكية تحت (كُلَّة معروف)... وفي الموقفين سعدت بمعرفة التعاون بين الداعيتين الربانيين العظيمين البنا والعقاد. وكيف كان العقاد يلصُق رأسه برأسي بقدِّه الطويل، وقامتي القصيرة يومئذ، تدمع عيناه لذكر زميله ورفيق دربه ودعوته ، أقول له : شيخي لماذا لا تتبنَّي جماعته ودعوته هنا في حلب . فيقول الشيخ الجليل : يا ابني الوضع هنا مختلف، وليس هناك مَن هو شبيه بالبنا.
وورثتُ حب الشيخ جميل كذلك من والدي ـ رحمه الله تعالى ـ الذي كان يُحبُّه كذلك، ويلزم دروسه كان يصحبني يوم الثلاثاء من كل أسبوع إلى بيته ، وقد كان يسكن قريباً من خان الحرير ، وفي مرة كان يسكن قريباً من باب الجنين ، وقد زرتُه في البيتين معاً صحبة والدي وجدي ، وكان يقسم سهرته إلى ثلاثة فصول : الفصل الأول يلقي فيه موعظته ، والفصل الثاني يعطيه لحِجِا عصره الحاج جميل الساعاتي(2) ، يقول الشيخ إذا فرغ من درسه وموعظته : ابدأ يا حج جميل!! فيقول الحاج : شيخي أنا لم أقاطعك في درسك، فلا تقاطعني في هلسي ، يقول الشيخ جميل : خود راحتك ، فيحكي حكايا وطرائف من الواقع، وليس من المرويات. أي إن هذه الطرائف مارسها بنفسه، وفعلها بنفسه ، منها قصة عميان الجامع الكبير ، وقصة النسوان الضراير ، وقصص أخرى كثيرة كنا نضحك لها من أعماقنا.
ولو أتيح لهذا القَصَّاص مِن راوية لسجَّل له طرائف تفوق طرائف جحا.
كان الحاج جميل يجلس بين والدي وجدي فيقول له الشيخ جميل مازحاً : يا حاج كيف تجلس بين الأدالبة؟! ألا تخاف على نفسك؟ فيقول حج جميل : الأدالبة مظلومون يا شيخي!! والله لقد سكنت في إدلب خمس عشرة سنة لم يؤذِني أحد ، ولم يتحارش بي أحد (يقولها باللفظ الصريح) لكنهم كانوا ينظرون إليَّ... ولا أدري هل كانوا ينظرون إليَّ فيُصلُّوا على النبي صلى الله عليه وسلم أم كانوا ينظرون إليَّ وهم يشتمون الدين؟! ثم يجيب نفسه فيقول : بالتأكيد كانوا يصلُّون على النبي لفرط جمالي، وإلا لماذا سمَّاني والدي جميلاً ؟ ويبدو أنني حين وُلدتُ برق القمر، فرآني في عينه جميلاًَ ، يقول هذا... لأنه كان يعرف نفسه قبيح الشكل أصفر اللون، طويل الوجه ، جاحظ العينين ، نحيف البدن ، ويضحك الشيخ جميل والحاضرون...
ولولا خشية الاطالة لرويتُ ما سمعته من الحاج جميل الساعاتي ، في حضرة الشيخ جميل العقاد، ولقد كان للشيخ ثُلَّة من تجار حلب وأغنيائها المحبين تجمعهم سهرات ورحلات ، كان الحاج جميل نجمها الدائم ، ومضحكها الدائم ، وهكذا كان أجدادنا رحمهم الله تعالى يمزجون بين الجد والمزح، بين العلم والمتعة ، بين الإنشاد والإرشاد ، قوم كانوا يعيشون قمة السرور ، وقمة المتعة ، وقمة الحب، وقمة الصداقة... فأين نحن اليوم منهم؟! نحن نعيش أيام الكدورات والأحزان فما تقع عينك على قناة فضائية إلا وتقرأ أخبار قتلى المسلمين في كل مكان، والحروب الدامية في بلاد المسلمين، والخلافات الدائمة بين المسلمين، والمؤامرات على المسلمين، وأخبار الكوارث والزلازل... وحسبنا الله ونعم الوكيل . ووالله إننا لم يعد في صدورنا متسع لمزيد من الآلام والشكوى.
وبقَدْر ما كان الشيخ جميل قريباً من جمهوره... يعظه ويعلِّمه وينصحه، ويعالج قضاياه، ويصلح بين أبنائه... بقدْر ما كان بعيداً عن قضايا الحكم والسياسة، والشأن العام... بل أستغفر الله إذ أقول: كان بعيداً عن جو العلماء الآخَرين، قلَّ أن يخالطهم، أو يلتقي معهم في شأن عام ، علماً أن الرجل كان جريئاً، شجاعاً في قول الحق، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر ، وقد كان سفره إلى مصر وإقامته فيها مدة /14/ عاماً متواصلة دون انقطاع، كان بسبب غضبه لله وكراهيته ظهور السافرات...
وقد ذُكِر في قصة سفره إلى مصر عام 1922 أنه كان بسبب كراهيته للسفور ، ونقمته على السافرات كان يرشهن بالماء المخلوط بالحبر(الكوبيا) ، ضمن مجموعة من الشباب... . لكن بعض هؤلاء الشباب كانوا يرشونهن بماء حارق (هو حمض الكبريت) (3).
لكن بعد عودة الشيخ من مصر، وتجاوزه مرحلة الشباب والحماس، كان نهيه عن المنكر يتسم بالحكمة والرقة والود ، بل كان عملياً في مواجهته للمنكر، فإذا لمح أحداً يتختم بالذهب، أو يتحلَّى بسوار ذهب، سأله عن اسمه فإذا قال : إن اسمه محمد قال : بل اسمك حميدة!! فإذا ما استغرب محمد جواب الشيخ!! ذكر له الشيخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً بشماله، وذهباً بيمينه ، ثم رفع بهما يديه وقال : إن هذين حرام على ذكور أمتي ، حل لإناثهم ، ثم يقول للمتختِّم بالذهب : إن الشاب لا يجمِّله الذهب والأساور ، وإنما يجمِّله خُلُقه وعلمه.
ومرة رأى امرأة سافرة متزِّينة متجمِّلة صحبة زوجها في سيارة عامة، فأخذ الشيخ يُحملِق فيها، وطالب ركاب الباص أن يفعلوا ذلك، فاستشاط الزوج غضباً وقال للشيخ : حاجة شيخي...!! فيجيبه الشيخ بقوله : أنت تقول لنا تطلَّعوا إليها بفعلك لا بقولك ، لأنك قد جمَّلتها وزينتَها وخرجتَ بها إلى الشارع وكأنك تقول : انظروا هذه زوجتي، مباح النظر إليها ، ولو كانت زوجتك لوحدك لسترتَها بحجاب الله ، فما كان من هذا الرجل إلا أن عاهد الله وعاهد الشيخ على أن يحجب زوجته ، ثم اعتذر ، وغادر السيارة.
هكذا كان أسلوبه مع تارك الصلاة والمدخِّن ومع كل مجاهر بالمنكر(4)...
لكن الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ بلغ قمة الغضب مع ظهور كتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي) وقد أنكر المذكور الشعر الجاهلي من أساسه ، وأنكر المُعلَّقات وغيرها ، ثم شكَّك في ثبوت القرآن الكريم ، وقد اقتفى في هذا الكتاب أقوال المستشرقين الحاقدين...!! وقد غضب الأزهر عند ظهور هذا الكتاب، وغضبت مصر... وغضب العلماء... وثار الشارع المصري ... وأحرقوا كتبه ، وتحركت أقلام العلماء الفحول في نقده والرد عليه ، وكان للشيخ العقاد صولة وجولة في هذا الشأن، حتى سمَّى طه حسين ( أعمى البصر والبصيرة) وقال عنه : (كان يرى العالم بعيني زوجته الفرنسية ) ونظَّم قصيدة في هجائه، قال فيها :

فأملى الله للأعمى طويـــلاً ** كذاك الله يملي الظالمين
له قلب يرى الإلحاد دينـــاً ** ويهوى سب خير المرسلين
يعيب كتابناً زوراً وإفكــــاً ** فطه حسين كذاب لعين
وطه حسين قد أبدى جموداً ** وطه حسين شر الماكرين
ويراوغ في الكتابة مع شكوك ** يبث سمومه في الناشئين
فتبَّاً يا عدو الله تبـــــــــــــــــــاً ** فأنت دليل كل الماجنين
جعلت الشك والتشكيك دأباً ** وسرت وراء إبليس اللعين
خزاك الله ربي كل حــــــــــــين ** وفزت بلعنة في كل حين
(5)


وما كان غضب الشيخ في ذلك إلا لله ، وحميَّةً لدين الله ، وثورة على أعداء الله ، كان إذا ذُكِر أمامه طه حسين ثار ثورة إيمانية ، يرتفع صوته ، ويحمر وجهه ، ويفنِّد أكاذيبه، ويردُّ على قِلة أدبه(6) ووقاحته، كان يكفي أن يُستثار بكتابه اسم طه حسين على السبورة من قِبَل بعض الطلاب المشاغبين بقصد خبيث... فإذا ما رأى ذلك غضب لله أشد الغضب ، وحق له ذلك ـ رحمه الله تعالى ـ إذ لم يُعرف عنه في حياته أي مهادنة لأهل الفساد والإلحاد والمنكر.
وكان من حرص الشيخ جميل على استقرار الأسرة واستمرار الحياة الزوجية أنه كان يكره الطلاق، وينفِّر منه، ويُشرّق ويغرِّب للإصلاح بين الزوجين، وإنقاذ أسرتهما ، وكان يكره كذلك أن يفتي في الطلاق ، وقد روى الزميل العزيز والأخ الكريم الأستاذ محمد رائد العقاد في كتابه القيم عن والده شاهداً طريفاً في هذا الشأن فيقول : (كان سيدي الوالد ـ رحمه الله تعالى ـ يركز دائماً على الحديثين الشريفين: تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش) رواه ابن عدي ، وحديث : (أبغض الحلال إلى الله الطلاق ) رواه أبو داود... صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ونظراً لخطورة الطلاق وأهميته وما ينتج من تبِعات سيئة على الزوجة والأولاد والأسرة... وبسبب سوء استخدام هذا السلاح الشرعي مِن قِبَل كثير من الرجال ، كان ـ رحمه الله تعالى ـ يرفض أن يجيب من يسأله في قضية استُخدِم فيها يمين الطلاق في بيع أو شراء أو لباس أو طعام أو زيارة أو ما شاكل ذلك ، ثم يزجره بعنف شديد غير مسبوق، قائلاً له : إذا كنت تبيع حماراً يرفسك ، أو بغلاً يعفس في بطنك ، فلماذا تأتي بفرج زوجتك أمام الرجال لتقسم عليه؟ أليس عندك نخوة؟ أليس عندك رجولة ؟! ثم يأمره بالتوجه إلى فضيلة المفتي ليحصل منه على الجواب زيادة في إحراج السائل ، علماً أن الشيخ قد دَرَس الطلاق ودرَّسه في الأزهر الشريف.
وقد عُرِف عن الشيخ الجليل الدقة في الفتوى ، والحرص على استيعاب القضية المستفتَى فيها، أذكر من ذلك شاهدين:
أ ـ سُئِل الشيخ عن (جول جمال) الذي نُسِب إليه تدمير البارجة الفرنسية (جان بار) عام 1956 بعملية فدائية انتحارية ، سُئِل هل هو شهيد؟ فأجاب بالحديث الشريف : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) علماً أن هذا الجواب كان يكلِّفه غضب المخابرات والجيش يومئذ.
وقد عايشنا نحن مدرسي مادة التربية الإسلامية هذه المشكلة ، كان المطلوب منا أن نجيب كذباً : هو شهيد . فإن لم نفعل كان سيف المخابرات فوق رؤوسنا تحقيقاً وتهديداً .
وقد كنت أوردت في هذه الذكريات أنني سمعتُ من المحامي الكبير الأستاذ رياض العابد مستشار الرئيس شكري القوتلي ـ رحمهما الله ـ أن القصة كانت مُدبلَجَة ومُفبرَكَة بشكل مقصود لرفع معنويات المسيحيين في حلب بعد وقوع الفتنة بينهم وبين المسلمين في الخمسينيات من تلك الفترة(7).
ب ـ وكان ـ رحمه الله تعالى ـ إذا سُئِل في قضايا الرضاعة والزواج يمسك بالورقة والقلم فيكتب اسم الراضع، واسم المرضعة، وبناتها، ثم يشرح للسائل وضعه بالنسبة لهم، ووضع إخوته وأخواته بالنسبة له وذلك بالأسماء منعاً لكل التباس(8).
ولَشدَّ ما كان الشيخ يكره أن يُنادِيَه أحد : يا حجي...! فيقول له : لماذا لا تقول لي: يا مصلي فلان؟ أو يا صايم فلان ؟ أو يا مزكي فلان؟ وكلها أركان الإسلام . وكان هدف الشيخ مِن هذا الإنكار أن لا تُجعَل كلمة (حاج) تغطية لأمور غير مستَحَبة يُستخدَم فيها هذا اللفظ للتغطية والتمويه (9).
كذلك كان الشيخ يكره النفاق والمنافقين ، ويعمل على نشر هذا الكره ، ويحاول أن يتوصل إلى هذا الكره بالوسائل الملموسة ، كان مثلاً : إذا نزل إلى السوق لشراء الخضار والفواكه، يسأل البائع : هل بضاعتك هذه مؤمنة أم منافقة؟! فيستغرب البائع هذا السؤال ! ويسأل الشيخ بالتالي : هل يوجد مؤمن ومنافق في البضائع؟! وسرعان ما يفهمون عن الشيخ قصده ، فالبضاعة المؤمنة هي التي ظاهرها كباطنها ، دون تزيين أو غش أو خداع... وأما البضاعة المنافقة فهي التي يُرى فيها وجه البضاعة مزيَّناً جميلاً ، وأما ما تحتها فترى السيء والرديء من البضاعة ، ويؤكد الشيخ هذه المعاني بقوله صلى الله عليه وسلم : من غش فليس منا (10).
ولعل كرهه للسياسة تأتي من هذا القبيل، أو مِن خوفه من الوقوع في أحابيل السياسة، ودهاليز السياسيين كان ـ رحمه الله تعالى ـ إذا ذُكِرت السياسة أمامه قال : اللهم إني أعوذ بك من : ساس ـ ويسوس ـ وسائس ، ومسوَّس ، ومن حرف السياسة وما تفرع عنها . ويقول كذلك ناصحاً : إذا ذُكِرت السياسة فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم فعلى ذكرها تحضر أرواح الجن والأبالسة... نفي السياسة إثبات ، وإثباته نفي(11) ...
وحين زار جمال عبد الناصر حلب عام 1958 وتقرَّر أن يصلي الجمعة في الجامع الكبير، وكانت الخطبة من دور الشيخ طلب إليه مدير الأوقاف تغيير خطبته بما يناسب مجيء الضيف ، لكن الشيخ رفض أن يغير منهج خطبته ، وأن يتملق أو أن يتزَّلف أو أن يقول مالا يعتقد ، ـ رحمه الله تعالى ـ كم كان رجلاً شجاعاً حراً أبياً وكم كان عالماً عزيزاً يرفض أن يساوم أو ينافق ، كان يقول : خير العلماء مَن وُجِد الأمراء في أعتابه ، وشر العلماء مَن وُجِد في أعتاب الأمراء (12).
لكن ليس معنى هذا أن الشيخ كان لا يبدي رأيه في قضايا الأمة الهامة أو لا يبين موقفه الشرعي في هموم شعبه، والتحديات التي تواجهه، بل كان يستحثُّ الشعب لأن يثور، وأن يقف صفاً واحداً في وجه المعتدين الطامعين... ففي قضية مؤامرة سرقة بترول الأمة من قبل الدول الكبرى قال ـ رحمه الله تعالى ـ شعراً :

فالنفط في أوطانكم هو روحهم ** صونوه قسراً عن حِماهم يصغُروا
يأتوكُمُ متواضعين أذلَّــــــــــــــة ** يرجون عطفاً منكُمُ أن تنظــــروا
قوي التنافس بينهم من أجلـــه ** هبُّوا بوجههم جميعاً شمِّــــــروا
(13)


وها هو يدعو أبناء وطنه إلى الوحدة والثورة لتحرير سورية من الاستعمار الفرنسي فيقول ـ رحمه الله تعالى ـ :

يا لَقومي إن عيدي أن أرى ** سائر العُرْب جميعاً زمجـــــــروا
وحَّدوا الصفَّ وكونوا وحدة ** وانبذوا الخُلفَ عليهم تظهروا
كانوا علينا نكسة مشؤومــــــة ** فالمعتدي لا بد يوماً يُقهَــــــــر
(14)


ويدعو إلى حمل السلاح لحراسة الوطن فيقول :

يا بني قومي استجيبوا للسلاح ** وخذوا العدة وامضوا للكفاح
فاز قومٌ حرسوا أوطانهـــــــــم ** بنضال وجهاد وســــــــــــلاح


وأما فلسطين فقد كانت في قلب الشيخ جميل وعقله، وفي عاطفة الشيخ وفكره، وفي أدبه وشعره ، في سفره وفي حضره ، في أحاديث وفي خطبه ، يدعو العرب والمسلمين أن يتنبَّهوا لما يُراد بفلسطين ، وما يُخطط له يهود والصليبيون من عدوان على المقدسات، ومِن ثَمَّ على المسلمين أن يعدوا للأمر عدته ، وأن يجهزوا أنفسهم للمواجهة بكل أشكالها ، وأن ينبذوا الفرقة والخلاف ليكونوا جبهة واحدة، وصفاً واحداً وقيادة واحدة ، حتى يحموا فلسطين وشعب فلسطين ، ويصونوا مقدسات المسلمين... يقول ـ رحمه الله تعالى ـ شعراً :

يا بني يعرب هُبُّوا ** لفلسطين اشرَئِبُّـــــــــــــوا
يا بني قومي بِداراً ** أسرعوا فالخطب صعب
يا بُراقاً لك نَصَبوا ** وسواه لا نُحِـــــــــــــــبُّ
أنت رمز للعروج ** لك في الأرواح حُـــــــبُّ
(15)


ويقول كذلك منبِهاً إلى أهمية القدس ومشيراً إلى الخطر الذي يحيق بها منذ عام 1937 فيقول :

إني أرى خطراً يحيط بقُدسنــا ** حَتْمٌ علينا في الحياة جهـــــــاد
غيثوا فلسطيناً تمادى خصمها ** وطغى وجار كل ذاك عنــــــاد
لا تخذلوهم إنهم أنصارهـــــم ** صانوا البراق بفعلهم وأشادوا
أبشر صلاح الدين فالعُرب انبَرْوا ** فهُمُ إذا حق اللقاء آســـــــــــاد
(16)


ويدعو إلى بذل الدم رخيصاً في سبيل الله ، وفداء لمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعراجه الشريف فيقول:

واكرعوا الموت هنيئا ** فهو للأحرار نخْبُ
ثم خوضوها جهاداً ** ولِنار الحرب شُبُّوا
لم يمت قط شجاع ** وهو للموت يُحِبُّ
إنما الميت جبـــــــــان ** لا يخوض النقْع خب
قدِّموا المال احتساباً ** في رضا الرحمن يربو


وقد قال الشيخ شعراً كثيراً في أبواب متنوعة كثيرة في قضيتنا الإسلامية المركزية قضية فلسطين، أفرد لها نجل الشيخ الأخ الأستاذ محمد رائد عقاد محاضرة قيِّمة ألقاها في النادي العربي الفلسطيني بحلب عنوانها : فلسطين في شعر الوالد ، ومَن يقرأ هذه المحاضرة يتبيَّن أن كل ما حذر منه الشيخ في شأن فلسطين قد وقع، مما يؤكد بُعد نظر الشيخ وبصيرته النافذة ، وغيرته الصادقة ، لقد كان الشيخ واعياً كل الوعي لمكر اليهود ومخططاتهم ومؤامراتهم وطموحاتهم منذ الثلاثينات من القرن الماضي ، بل كان واعياً لتحالف الصليبية العالمية مُمثَّلة بالدول الكبرى مع الدولة العبرية إسرائيل، وأنهم سيمدونها بأسباب البقاء والاستمرار والقوة ، وما يجمعهم في ذلك إلا الكيد للإسلام، والرغبة في إجهاض تقدمه والقضاء على مقومات نهضته، والتآمر المستمر لتفكيك أواصره ونهب خيراته ، وإشعال النيران في أرضه... ومَن يقرأ شعر الشيخ العقاد يتبيَّن مجمل هذه المعاني.
ولا عجب في ذلك فالشيخ أبو الفضل العقاد والذي حفظ القرآن الكريم منذ الصغر، واستظهر معانَيه في شبابه، عبَّر بشعره عما ورد في القرآن الحق من طبائع اليهود ، وسوء فِعالهم ، وشدة كفرهم ، وخبث طويتهم ، وعِظم حقدهم ، وقلة أدبهم ، وعنف ماديتهم ، وقسوة أخلاقهم ، ووحشية عدوانيتهم...
وأخيراً فأستاذنا العقاد ـ رحمه الله تعالى ـ لم يكن شيخاً تقليدياً ، وإنما جمع الله له مواهب متعددة ومتنوعة ، فإن شئته خطيباً كان ذلك الخطيب البارع المتميز : صوت جهوري ، وكلام بليغ، وعبارة واضحة ، وتكرار في النصوص والمعاني مفيد ، حتى لا يفارقه مستمع إلا وقد حفظ شيئاً يُبلِّغه مَن وراءَه ، كل ذلك في خطبة قصيرة يتأسَّى فيها بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
وإن شئتَه فقيهاً أفتاك بعد علم بفقه وورع وصدق.
وإن شئتَه واعظاً : ملك عليك القلب، وأطرب منك الروح ، وأسعد الفؤاد ... ولَشدَّ ما تاب على يديه أصحاب المعاصي والمنكرات .
وإن شئتَه داعية : أقبلت عليه العقول والأفكار، بحججه الدامغة، وفكره النيِّر ، وأسلوبه الحكيم ، وثقافته الواسعة ، وقد أسلم على يديه كثير من النصارى في مصر ، حتى ضجَّت منه الكنيسة ، وثار عليه(17) رجالها .
وإن شئتَه مصلحاً : رأيته متحركاً من حي إلى حي ، ومن قرية إلى قرية ، ومن عشيرة إلى عشيرة ، يُصلِح هنا ويصلح هناك ، ويقرِّب قلوب المتباعدين ، ويعمَّر ما تهدَّم من علاقات ، ويصل ما انقطع من وشائج وصلات .
وإن شئتَه شاعراً : حرَّك المشاعر ، واستثار العواطف ، وولَّد الحماس ، وهيَّج الحمية...
وإن شئتَه قائداً شعبياً : انجذبت له الجماهير ، واندفعت وراءه الجموع ، وانقاد له الشعب بحب وطاعة ، وثقة بالغة ، وحماس صادق.
وإن شئتَه مربياً : فقد خلَّف وراءه آلاف الطلاب ، المحبِين المعجَبين الذين لا يكفون عن ذكره ومديحه والثناء عليه ، وقد أورد نجله الأخ الأستاذ محمد رائد كثيراً من كلمات هؤلاء التلاميذ وقد بلغوا مكانة كبيرة ، في العلم والمنصب والمكانة والجاه(18).
وإن شئته صاحب طرفة ونكته : كان ـ رحمه الله تعالى ـ يطرَب لِلنُكتة ، ويسعد بالطُرفة ، ويحرص على وجود المتقِنِين المبدعين في هذا الفن ، يصحبهم في أسفاره ورحلاته ، ويُدنيهم منه في مجالسه ، ويتسع صدره لما يبدر منهم من كلمات غير مألوفة ، ومعانٍ غير معتادة، طالما أنها نكتة أو طُرْفة، يُقصَد منها التسرية عن النفوس ، ومبدؤه في ذلك : (أجمِّوا النفوس بشيء من اللهو فإنها لتصدأ كما يصدأ الحديد) أو الأثر النبوي : (روِّحوا عن النفوس ساعة بعد ساعة فإنها لتصدأ كما يصدأ الحديد).
بل كان ـ رحمه الله تعالى ـ يتحبَّب إلى تلاميذه بالنكتة والمزحة العفيفة ، فيقول لضيفه إن زاره في بيته ممازحاً : (إذا أردت الطعام فضع في نصف رغيف من الخبز : درويشين كبة مقلية ، وقرصين كبة مشوية ، وقرصين عجة ، وكوسايتين محشي بلبن، وقرصين لحم بعجين).
ويقول لِمَن يسكب فناجين القهوة : الفنجان الأول للضيف ، والثاني للكيف ، والثالث للضرب بالسيف(19).
وقد حفظتُ عته سماعاً قوله وقد رددتُه كثيراً : (أُحبُّ في الشاي ثلاث أن تكون للشُفَّة ، وتحرق الشُفَّة ، ويكون لونه بلون الشفة) ، وبرَّر الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ حبه للنكتة والطرفة بقوله شعراً :

أفدِ طبعك المكدود بالجد راحة ** يجِمُّ وعلِّله بشيء من المـــــــــــزح
ولكِنْ إذا أعطيتَه المزح فليكـن ** بمقدار ما يُعطَى الطعام من الملح
(20)


وهكذا كانت شخصية الشيخ جامعة، ومواهبة متنوعة ، ولا أغالي إذا قلت : كان الشيخ نسيج وحده، ليس له شبيهٌ ولا مثيلٌ بين المشايخ والعلماء على كثرة من عرفتُ منهم.
وأختم الحديث عن الشيخ فأقول : كان مدرسة متحركة ومفتوحة لبذل العلم والمعرفة، والنصح في كل مكان : في المنزل وفي السوق ، في المدرسة وفي السجن ، في المسجد وفي الشارع ، أو في الحديقة ، في السَفَر أو في الحضر ، في المدينة وفي الريف ، راكباً أو ماشياً ، مع الرجال أو النساء ، مع الشباب والشيوخ ، مع الأشبال والأطفال .
وأقول جازماً كان الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ رائداً من رواد النهضة العلمية في مدينة حلب أعطى الكثير، وربَّى الكثير...كما شهد بذلك كثير من رجال النهضة العلمية في حلب وأساتذة الجامعات.
سعدت بمعرفة أولاده الذكور، عرفت نجله الكبير الأخ محمد الفضل، ولم ألقه إلا قليلاً فقد كان يعمل في مشروع الطبقة وبناء سد الفرات ، كما عرفت الأخ الأستاذ محمد رائد أخاً كريماً وزميلاً عزيزاً ، مدرساً لمادة الرياضيات في ثانويات حلب، لكن معرفتي الأوسع والأطول والأعمق مع نجله المهندس الأخ سداد عقاد (أبو جميل) الذي تجسَّدت فيه كثير من صفات والده : ومن يشابه أباه فما ظلم ، كما يردِّد أئمة النحو ، والأخ سداد الذي عرفتُ فيه بحكم قربي منه : التفاني في العمل الإسلامي ، والإبداع في النشاط الميداني ـوالإعلامي والفني ولا أزكيه على الله ولا أحكي من صفاته إلا ما رأيت فيه وما لمست منه ـ ، عرفت فيه عُمقاً في الفكر ، وسَعةً في الثقافة ، وخِفَّة في الروح ، وحباً للنكتة ، ودَأَباً في العمل ، وزهداً في المال ، مع حرصه على العطاء ، وخاصة في ميدان الشباب والأشبال والأطفال ، هَجَر الهندسة ، وكان يمكن بذكائه وبعد توفيق الله له أن يكون من كبار المهندسين المستثمرين بعد قرابة ثلاثين سنة من تخرجه من الهندسة ، لكنه لم يعمل في الهندسة إلا قليلاً، ليلتفت إلى قطاع الفن المسموع أولاً حيث أنشأ (دار سنا) بالتعاون مع إخوة فنيين متخصصين ، وعلى رأسهم الأخ الشاعر المبدع الأستاذ سليم زنجير ، أصدَرَت هذه الدار كثيراً من الأشرطة والكاسيتات بكلمات معبرة، وألحان جميلة، وأصوات مطربة ، ثم طوَّر العمل ـ بحمد الله ـ فأنشأ بالتعاون مع هؤلاء الإخوة المتميزين قناة فضائية دعوية مختصة بالأطفال، تُربّي الأطفال على قِيَم الإسلام وأخلاقه وآدابه وتعاليمه، بالصوت والصورة والحركة، باللحن الجميل ، والإيقاع البديع ، والإيحاء اللطيف، والتنوع البهيج. وبسرعة قياسية قفزت هذه القناة إلى مصاف قنوات الأطفال المتخصصة، رغم عُمرُها القصير، وإمكاناتها المادية الضعيفة ، وهاهم الأطفال يتابعونها بشغَفَ في معظم الدول العربية، بل والكبار كذلك.
والأمل بالله أولاً أن يمنَّ على إخوتنا القائمين على هذه القناة بالتوفيق والتسديد، والرزق الوفير، والعطاء الجزيل.
ولابد في الخاتمة أن أتوجه بعميق الشكر للأخ الحبيب الأستاذ محمد رائد عقاد الذي أتحفنا بهذا الكتاب القيِّم وأقول له : لقد عاش في ذاكرتي ولا يزال كل ما ورد في هذا الكتاب من معلومات، وكنت بحمد الله شاهداً عليها، ومعاصراً لكثير منها، فألف ألف شكر لما خطَّه قلمك، وبما استوعبته ذاكرتك وما ظفرت به يداك من وثائق وأوراق .
وأهنئك يا أخ رائد! فقد كنت وفياً لأبيك ، باراً به ، تقبل الله منك ومن إخوتك هذا البَّر وهذا الوفاء .

يتبع في الحلقة العاشرة، ونبدأ فيه الحديث عن الشيخ طاهر خير الله ـ رحمه الله تعالى ـ



(1)وهو كرسي كبير مرتفع يصعد إليه بدرجات قليلة .
(2) والد الطيار الذي سقط من طيارته المحترقة في ساحة الملعب البلدي بحلب خلال المهرجان الرياضي وقد شاركت فيه حيث كنت طالباً في المرحلة الابتدائية.
(3) محمد جميل العقاد (سيرة ومواقف) تأليف محمد رائد عقاد ص28.
(4) انظر السابق ص 109.
(5) انظر السابق ص 58.
(6) فمن أقواله البذئية : لقد نسيت حذائي حيث نسيت القرآن ،السابق ص 53.
(7) السابق ص123.
(8) السابق ص 76.
(9) السابق 108.
(10) السابق ص 110.
(11) السابق ص 121.
(12) السابق ص 121.
(13) السابق 121.
(14) موسوعة الدعاة والأئمة والخطباء في حلب (العصر الحديث ) ص75.
(15) الشيخ محمد جميل عقاد سيرة ومواقف ص230.
(16) السابق ص 230.
(17) انظر تفاصيل ذلك في كتاب ولده محمد رائد 38 و39.
(18) السابق انظر ص 135 وما بعد حتى ص 197.
(19) كتاب الشيخ مححمد جميل العقاد ص 100.
(20) السابق ص 69.





تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين