الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (7)

الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (7)

التصنيف: علماء دعاة مربون
الجمعة، ١٤ جمادى الأولى ١٤٤٦ هـ - ١٥ تشرين الثاني ٢٠٢٤
619
محمد فاروق بطل
محمد فاروق بطل
الميلاد :1936 - 05 - 13- الوفاة :2024 - 07 - 24

شيوخ كرام لقيتهم واستفدت منهم ولم أدرس بين أيديهم


1 ـ الشيخ محمد النبهان ـ رحمه الله تعالى ـ

عرفته شيخاً جليلاً، وزعيماً كبيراً، وأنا صغير طالب في المرحلة المتوسطة من الثانوية الشرعية (الخسروية). وقد كان والدي ـ رحمه الله تعالى ـ كما قدمت ـ يصحبني إلى جلسات الذكر عند الشيخ البادنجكي في باب النيرب، وعند الشيخ الدرعزيني في الجلوم، وعند الشيخ محمد النبهان في جامع الكلتاوية بباب الأحمر ـ ـ رحمهم الله تعالى وأجزل مثوبتهم ـ أسبوعاً هنا، وأسبوعاً هناك... ولكلٍ طريقته وأسلوبه.


وكان أمتع هذه الحلقات حلقة الشيخ أبي أحمد النبهان فقد كانت طريقته الشاذلية التي أخذها عن شيخه الشيخ محمد الهاشمي التلمساني ـ رحمه الله تعالى ـ كما سبق له أن أخذ الطريقة النقشبندية عن الشيخ محمد أبي النصر خَلَف الحمصي(1)، الذي كان ذائع الصيت، وشديد التأثير على مستوى سورية، وليس على مستوى حلب وحمص وحماة ومنبج... وخميس المشايخ الذي كان يحضره معظم علماء سورية وجميع المشايخ في حمص، كان يتم بإشراف الشيخ أبي النصر ـ رحمه الله تعالى ـ .


كان مسجد النبهان (الكلتاوية) ومسكنه القريب منه يقعان في باب الأحمر على مرتَفَع يطل على قلعة مدينة حلب الشهيرة وفي باحة المسجد حديقة جميلة وذات إطلالة رائعة... وقريباً من مسجد الشيخ وسكنه كان يقع مسكن أسرة الدكتور محمد معروف الدواليبي ـ رحمه الله تعالى ـ ولعل مجاورتهما في السكن، ودراستهما معاً في الثانوية الشرعية هي التي أنشأت علاقات وطيدة بين الشخصين، استفاد منها الدكتور الدواليبي في زعامته لحزب الشعب، وقد كانت مدينة حلب المركز الرئيسي لهذا الحزب الذي حكم سورية فترة لا بأس بها أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الماضي.


على أن دراسة الرجلين قد افترقت ، فالشيخ النبهان ذهب إلى مصر ودرس في الأزهر ، والتقى كبار علمائها كالشيخ محمد عبده ، والشيخ محمد بخيت ، والشيخ زاهد الكوثري ، والشيخ محمد أبو زهرة... وغيرهم ، بينما الدكتور الدواليبي ذهب إلى دمشق ودرس الحقوق ثم ابتعث إلى باريس فدرس في السوربون وحصل على الدكتوراة في الحقوق الرومانية ومقارنة الأديان


وَجْهُ الشيخ محمد النبهان وجه ريفي فأبوه من قرية الدويرينة (القريبة من حلب) وأمه من حلب محلة باب النيرب، لكنَّ قسمات وجهه تحكي الرجولة والشجاعة والبأس، حتى إن نظراته وطريقته في الكلام كانت تحكي هذه المعاني الجميلة، خاصة وأنه كان يزين عينيه بكحل أسود.


كانت شخصية الشيخ شخصية مهيبة، وكانت محل الاحترام والتقدير من كل علماء سورية، وبخاصة علماء حلب وشعبها الذي أعطاه الثقة والطاعة والاحترام، ومن ثم فقد كان كثير من علماء حلب يصدرون عن توجيهه كالشيخ محمد أبو الخير زين العابدين، والشيخ عبد الوهاب سكر، والشيخ عبد الله سلطان، والشيخ بكري رجب، والشيخ محمد الشامي والشيخ محمد أديب حسون وبقية العلماء الشباب من أساتذة مادة التربية الإسلامية ـ رحمهم الله أجمعين ـ.


وفي هذا السياق إن أنس لا أنسى وجوه علماء ثلاثة كانوا يجمعون بين العلم والزعامة الشعبية، وكانت وجوههم المضيئة تحكي الهيبة والرجولة والشجاعة وقوة الشخصية، وهم: الشيخ حسن حبنكة في دمشق، والشيخ محمد الحامد في حماة، والشيخ محمد النبهان في حلب، كانوا أقطاب سورية بحق، وانتهت إليهم الإمامة الدينية والزعامة الشعبية ـ رحمهم الله تعالى ـ


طبعاً تألَّقت هذه الشخصيات، وظهر تأثيرها أيام الحرية، وفي ظل الحكم الديمقراطي الذي ساد سورية في الخمسينات من القرن الماضي، ولكن حين تسلط الحكم البعثي الديكتاتوري الطائفي، غابت تلك الزعامات الدينية، بل غابت أيضاً الزعامات السياسية والشعبية والجماهيرية، ليحل محلهم شيوخ السلطة والمنافقون والانتهازيون الذين يمثلون رغبة الدكتاتور وأوامره وتوجيهاته، فهم ليسوا إلا أبواقاً ككل الأبواق الإعلامية التي توظفها السلطة المطلقة، ويدعمهم الطغاة المتسلطون.


الشيخ النبهان ـ رحمه الله تعالى ـ إلى جانب أنه كان مهيباً وسيماً فقد كان كذلك أنيقاً في لباسه، أنيقاً في مجلسه، أنيقاً في كلامه، لا يتكلم إلا القليل، يحضر مجلسه كبار تجار مدينة حلب المترفون، وهو نفسه كان ابن تاجر ثري، وكان مالك أطيان وقرى، وتدرُّ عليه الزراعة والتجارة موارد طيبة.


وفي حلقة الذكر التي كان يتصدرها الشيخ النبهان، استمعت لكثير من المنشدين أمثال المنشد بكري الكردي، والمنشد عبد الوهاب الصباغ، والمنشد الدايخ، بل كان المطرب صباح فخري ممن كان ينشد في هذه الحلقة، ولا عجب في ذلك فقد كان المذكور مؤذناً قبل أن يتحول إلى الغناء والطرب، كذلك كان المنشد والمطرب وشيخ الملحنين في حلب صبري المدلل، على رأس هؤلاء المنشدين إلى جانب أنه كان مؤذناً، حتى إن الموشحات الحلبية التي اشتهر بها هؤلاء المنشدون كانت تنشد قبل ذلك في حلقات الصوفية مع حركاتها الإيقاعية، ومن ثم فقد كانت حركة الذاكرين تؤدى على إيقاع ألحان هؤلاء المنشدين، وغالباً ما تتسارع هذه الحركة المصحوبة بالتأوهات والدموع والأصوات مع معاني الإنشاد وألحانه، على أن الشيخ النبهان ـ رحمه الله تعالى ـ كان ساكن الحركة، جالساً على كرسي وسط الحلقة، عند محراب المسجد، يتابع الذكر بخشوع، وحين ينتهي الإنشاد والذكر، يتقدم الذاكرون للسلام على الشيخ بتقبيل يده، وذات مرة أقبل أحدهم يريد تقبيل قَدَمه، فأمسك الشيخ به ورفعه، وقال له مؤنباً قلت لكم: لا تُقبِّلوا اليد فأقبلتم على القَدَم، عجيب أمركم!!


حين توليت الإشراف على دورة الموجهين في جماعة الإخوان المسلمين بحلب جعلت من برنامج الدورة أن أحضر وإياهم جلسة الذكر في جامع الكلتاوية أسبوعياً رغبة مني في إذكاء النشاط الروحي لدى هؤلاء الإخوة المرشحين لتولي عملية التربية والتوجيه، فالتزكية لابدَّ منها في بناء شخصية المسلم الداعية، وقد أفاد الإخوة من هذه الأجواء الروحية وسُرَّوا كذلك بحمد الله تعالى.


كان الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ يشكل المرجعية الدينية والشعبية في مواجهة تحديات العَلمانيين والملحدين وكان يتصدَّى لها ... أذكر من هذه الأحداث ما يلي:


1 ـ في معركة الدستور عام 1949وحين كانت تخوض الكتلة البرلمانية الإسلامية معركتها بقيادة شيخنا الدكتور السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ لإثبات هوية الأمة، وتأكيد حقها في الخضوع لكتاب ربها، وحكم دينها، بحكم أكثر يتها التي تقدر بتسعين في المائة.


كانت جماهير شعبنا في سورية وراء علمائها تأييداً لمثل هذه المطالب الحقة... كنا نحن يومها طلاباً في المرحلة المتوسطة من الثانوية الشرعية، وكنا بتوجيه من الأخ الشيخ عبد الله علوان ـ رحمه الله تعالى ـ نحرك الشارع، ونغلق الأسواق، ونقود جماهير الطلاب، ونخطب في المساجد، استنكاراً لتوجهات العَلمانيين في الدستور، والتي تستهدف تزييف إرادة الأمة بكثرتها الكاثرة عبر البرلمان النيابي.


وكان الشيخ محمد النبهان يقود العلماء والوجهاء ورجال الأسواق والشارع كله؛ مطالباً أعضاء البرلمان أن يحترموا إرادة الشعب، ويحققوا رغبته في أن يُحكَم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.


2 ـ وحين تهجم الدَّعِيُّ الفاجر الملحد أبو شلباية في جريدة برق الشمال على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسخر منه، وردَّد كالببغاء أقوال بعض أساتذته من المستشرقين اليهود الحاقدين في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم وشَتَمه بوقاحة وجهالة وقلة أدب، تصدى أهل حلب بقيادة علمائهم وزعماء أحيائهم وشاركه تجارهم وطلابهم في مظاهرات صاخبة غاضبة، كان يقودها الشيخ محمد النبهان ـ رحمه الله تعالى ـ وكاد الشعب الغاضب أن يفتك بهذا الكاتب العلماني الملحد، لولا أن محافظ حلب قد أنقذه بتهريبه خارج مبنى المحافظة ثم خارج مدينة حلب، ولم أسمع له ذكر من يومها.


3 ـ وحين أراد زعيم عصبة الفساد والإلحاد، ومدير الانقلابات أكرم الحوراني أن يزور مدينة حلب ليحضر مؤتمر حزب البعث العربي الإشتراكي، تصدَّى الشيخ الجليل محمد النبهان، وقاد مظاهرة شعبية ضخمة تستنكر هذه الزيارة. خاصة وأن أحد أزلامه المحامي عبد الفتاح زلط استكبر أن يكون عبداً لله، ووضع على باب مكتبه لوحة يسمي نفسه (الفتاح الزلط) أي: إنه أسقط اسم عبد!! وسمَّى نفسه بالفتاح إلحاداً واستكباراً، ومن قبله تجرأ الصليبي البعثي إلياس فرح في محاضرة ألقاها في مقر حزب البعث بالجميلية على اتهام الإسلام بالرجعية والتخلف والجمود.


وهكذا كان شعب حلب بقيادة علمائه وزعمائه ضد هذا الحزب ا لملحد الطائفي البغيض الذي تكشفت هويته وهوية زعمائه فيما بعد، وأنه ليس إلا أداة للصليبية والدول الكبرى في إسقاط المشروع الإسلامي، ولم ينس الشعب جريمة نواب هذا الحزب في الجمعية التأسيسية للحيلولة دون أسلمة الدستور، أو أن يتضمن ما يلبي طموحات ورغبات الأكثرية الكاثرة من جماهير الشعب السوري المسلم الموحِّد، ولولا أن هذا الحزب استعان بالأقليات المسيحية والباطنية، ثم استعان بالجيش وفبركة الانتخابات التي قضت على الحرية والديمقراطية ليعيش شعب سورية الحر الأبي في ظل الديكتاتورية البعثية الباطنية، وفي ظل قانون الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم العسكرية الاستثنائية منذ الخمسينات في القرن الماضي وإلى تاريخ اليوم من عام 2010.


4 ـ وحين اعتُقِل بعض علماء سورية كالشيخ حسن حبنكة والشيخ عبد الفتاح أبي غدة وغيرهما أراد الشيخ النبهان أن يحرك الشارع غضباً واستنكاراً فكان له الحكم العسكري البعثي بالمرصاد، فمنع المظاهرة، فقام الشيخ الجليل بدعوة العلماء والوجهاء إلى لقاء في مسجده، وتتالت كلمات العلماء المعبرة عن الغضب والاستنكار، والطلب إلى الحكومة بالإفراج عن الشيوخ الأجلاء، فما كان من السلطة إلا أن قطعت التيار الكهربائي عن المسجد، لينفضَّ الناس، لكن كانت مصابيح الكاز مُعدَّة وجاهزة واستمر اللقاء الحاشد.


واستمرت الكلمات الغاضبة... لكن كانت السلطة مِن الصَمَم فلم تستجب واستمر اعتقال الشيوخ حتى موعد الاستسلام والهزيمة في 5 حزيران سنة 1967م.


5 ـ وفي الختام لابدَّ أن أشهد أن العلماء الشباب من أساتذة مادة التربية الإسلامية كانوا يعتبرون الشيخ محمد النبهان ـ رحمه الله تعالى ـ سندهم بعد الله في الرجوع العلماء، وتوحيد كلمتهم، وفي تعبئة مشاعر الشعب وتوليد غضبه، وتحريك مظاهراته فيما يواجهنا به العلمانيون من خطط ومؤامرات لإفساد أجيالنا وتبعيث أبنائنا وتعرية بناتها قاتلهم الله(2).


أواخر حياته ـ رحمه الله تعالى ـ اختلف مع بعض مريديه وتلامذته في شأن مالي، وأطلقوا ألسنتهم في التعريض به والنيل منه، وتذكرتُ كلمة الشيخ حسن حبنكة ـ رحمه الله تعالى ـ حين قال لنا وكنتُ مع الشيخ: سعيد حوى ـ والشيخ عبد الله علوان: أوصيكم بالشباب... اهتموا بالشباب... ولا ترتكبوا الخطأ الذي ارتكبناه حين اعتمدنا على التجار والعوام الذين ظننا أنهم عمدتنا، لكنهم خيَّبوا الظن، وأخلفوا الوعد، وقد رجوتهم أن يُمدِّدوا إضرابهم يوماً واحداً، فحقائب البعثيين أضحت في المطار، استعداداً للهرب أمام غضبة الشعب، وإرادة الأمة، لكنهم جبنوا ولم يفعلوا، وآثروا مصالحهم.


تُوِفي الشيخ محمد النبهان ـ رحمه الله تعالى ـ عام 1974م وكنت معتقلاً ومن ثم فلم أتمكن من تشييع جنازته.


لكني تذكرته ـ رحمه الله تعالى ـ بالدعاء حين كنت في المؤتمر القومي الإسلامي الذي عُقد في بغداد عام /1992/ وقد فوجئنا بدخول حشد كبير من طلاب العلم الذين تزَّينوا بالعمة التي تشبه عمة الشيخ النبهان فتذكرت أن الشيخ كان له حضور في العراق وكان له تلاميذ كثير وكان له صلات وطية بكبار علمائها ، كالشيخ أمجد الزهاوي ، والشيخ محمد محمود الصواف ، والشيخ عبد العزيز ا لبدري رحمه الله تعالى .


وأعترف أنه قد جيء بهم وأجلسوا في مقدمة القاعة الكبيرة ليجلسوا أمام الرئيس صدام حسين الذي فاجأ الحضور بقدومه وإلقاء كلمته وواضح من ذلك أن حضور هذا الحشد الكبير من طلاب العلم بزيهم الشرعي كان هدفه إعلامياً.


كنت أتوقع أن يخلف الشيخ النبهان بعد وفاته الشيخ محمد أديب حسون فقد كان أكثر المشايخ ملازمة له!! كما كنت أتوقع أن يخلفه الشيخ محمد الشامي لأنه كان بمثابة الوزير المفوض والمستشار المتحرك بين يديه، لكنه كذلك لم يفعل!! وكنت أتوقع أن يستخلف أستاذنا الشيخ علاء الدين علايا فقد كان عالمِاً مثقفاً، قوي الحجة، وكان مفتشاً لمادة التربية الإسلامية، وكان مريداً ملازِماً على قوة شخصيته، لكنه لم يفعل ـ رحمه الله تعالى ـ ولا شك أن الأمر يخصه فهو أعلم وأدرى.


لكني فوجئت بعد خروجي من السجن عام 1975 بأنه قد استخلف ولده أحمد الذي لم يسبق لي أن رأيت له حضوراً في حلقة الذكر أو مجالس الشيخ.


والسيد أحمد هو أكبر أولاد الشيخ وبه يكنى وهو والد الأخ د. محمد فاروق النبهان الذي زاملتُه في جامعة دمشق، على أنه ليس في سني ولا من زملاء الدراسة في كلية الشريعة، لكنني كنت أراه في جامعة دمشق حين كنتُ أدرس في كلية الحقوق، ثم إن الأخ الدكتور محمد فاروق صاهر الشيخ الذي أُحِبُّه وهو الشيخ عبد الباسط أبو النصر ـ رحمه الله تعالى ـ ثم إنه ارتحل إلى الكويت والمغرب، ولم أره بعد ذلك، وكنت أسأل عنه أستاذنا الشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري ـ رحمه الله تعالى ـ ، وقد أغنى الأخ د.فاروق المكتبة الإسلامية بكثير من كتبه ومحاضراته.وإنه لنفس السؤال الفضولي والمصحوب بالاستغراب...! تكرر معي حين توفي الشيخ عبد القادر عيسى ـ رحمه الله تعالى ـ ولعل السبب في ذلك هو جهلي بطريقة القوم في الاستخلاف، فقد كان المأمول حين كان الشيخ مريضاً أن يستخلف أحد تلاميذه العلماء ممن لازموه طويلاً، وكانوا قريبين منه وأوفياء له كالشيخ سعد مراد، والشيخ عدنان سرميني، والشيخ نديم الشهابي، وغيرهم ممن لم أعد أذكر أسماءهم، ونُفاجأ أن يستخلف الشيخ عبد القادر (3)ـ رحمه الله تعالى ـ شيخاً من تركيا غير معروف لدى القاعدة الدينية العريضة من أتباعه أو مريديه، ثم إنه لا يعرف اللغة العربية، ولا يُسمح له بزيارة سورية ـ كما سمعت ـ.


أستغفر الله إن كنت قد أخطأت في تدوين هذه الذكريات أو هذه الملاحظات ذلك هو العهد الذي أخذته على نفسي أن أحكي ذكرياتي بكل شفافية وبكل وضوح.


لابدَّ أن أذكر في ختام هذه الترجمة الموجزة أن الشيخ النبهان ـ رحمه الله تعالى ـ قد ترك أعمالاً جليلة منها على سبيل المثال:


1 ـ مسجد (الكلتاوية) الذي أعاد بناءه ووسَّعه، وأحاطه بحديقة جميلة، وجعله مركزاً إسلامياً عامراً، كان يؤمه كثير من ضيوف حلب كالشيخ أمجد الزهاوي، والشيخ محمد محمود الصواف، والشيخ عبد العزيز البدري، وكثير من علماء سورية وزعمائها، بل إن كثيراً من المفكرين كانوا يزورون الشيخ في هذا الصرح الإسلامي لسؤال الشيخ عن بعض الاشكالات، وخاصة تلك التي تتعلق بالصوفية وما يُنسَب إليها.


2 ـ المدرسة الشرعية التي أقامها داخل المسجد عام 1384ـ1964 وجهزها وأنفق عليها، شاركه في ذلك تلامذته من تجار حلب، وقد تولى إدارتها أستاذنا علاء الدين علايا ـ رحمه الله تعالى حياً أو ميتاً ـ وقد انضم إلى هذه المدرسة كثير من أبناء الريف، ولا تزال قائمة حتى اليوم تخرج الأئمة والخطباء، وقد بلغني أنه قد أُلحق بها فرع للطالبات.


ولا شك أن هذه المدرسة الشرعية هي الثالثة على مستوى مدينة حلب من حيث تاريخ التأسيس. إضافة إلى الثانوية الشرعية (الخسروية) التابعة للأوقاف، ومعهد العلوم الشرعية بإشراف وإدارة العالم الرباني الشيخ عبد الله سراج الدين ـ رحمه الله تعالى ـ وأجزل مثوبته، هذا المعهد هو أول معهد شرعي أهلي ينفق عليه أهل الخير والإحسان... وبعد هذا المعهد تأسست ثانويات شرعية خاصة للذكور والإناث بحمد الله تبارك وتعالى كان معهد الشيخ النبهان هو الثاني بعد معهد العلوم الشرعية الذي أسسه الشيخ عبد الله سراج الدين.


3 ـ جمعية النهضة الإسلامية أسسها ـ رحمه الله تعالى ـ عام 1976 وكانت رائدة في نشاطها؛ جمعاً للزكاة، وتوزيعاً لها على الفقراء والأيتام وذوي العاهات وعلاج المرضى، ورعاية الأحداث... وغيرهم كانت هذه الجمعية هي الأصل والأساس لكل الجمعيات التي تشكلت فيما بعد في مدن حماة وإدلب والمعرة وغيرها.


وقد تبع تأسيس هذه الجمعيات إقامة مدارس شرعية مُلْحَقة بها وتُدِرج في ميزانياتها جمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين، فجزى الله الرائد المؤسس خير الجزاء وأوفاه.


4 ـ تحويل ملهى (المونتانا ) إلى مسجد ومركز إسلامي، هذا الملهى كان ملهى راقصاً فاسداً يرتاده المترفون والفاسقون حيث يمارسون المنكرات وألوان الفجور على أنغام الموسيقى وفي أحضان الفاجرات وموائد الخمر والمسكرات.


ألهم الله الشيخ الجليل أبا أحمد النبهان أن يقوم بفكرة تحويل هذا المكان الجميل والذي يقع في هضبة من هضاب حلب المطلة على المدينة حوله... إلى مسجد جميل، ومبنى جميل، وكان يده اليمنى في ذلك الشيخ محمد الشامي ـ رحمه الله تعالى ـ الذي واجه غضب السلطة والمفسدين من جهة، وحثَّ من جهة أخرى الأغنياء والتجار، على جمع الأموال والتبرعات وتحول الحلم إلى حقيقة بحمد الله، وأضحى هذا المسجد مسجد الفرقان تاجاً يتوج مدينة حلب من مدخلها الرئيسي.


اللهم أجزل ثواب كل من أعطى وبذل ، وكل من نصح وأعان ، وكل من سعى وقدَّم ، اللهم آمين يا رب العالمين.



يتبع في الحلقة الثامنة، ونبدأ فيه الحديث عن العالم المربي الداعية الشيخ أحمد البيانوني ـ رحمه الله تعالى ـ



(1) لم أتشرف بالتعرف عليه أو لقائه بسبب صغر سني، وإن كنت قد تشرفت بمعرفة ولده وخليفته الشيخ عبد الباسط وحفيده الشيخ د. إسماعيل الذي كان يحكي لي المراسلة التي كانت تتم بين الإمام الشهيد حسن البنا وجده الشيخ أبي النصر ـ رحمهما الله تعالى ـ وأظنه لا زال يحتفظ بهذه الرسائل اعتزازاً منه بها كما كان يحتفظ بها أبوه.


(2) وحقاً ما قاله الأخ الأستاذ فتحي يكن أمير الجماعة الإسلامية في لبنان ـ رحمه الله تعالى ـ: حين رثاه في جريدة الشهاب اللبنانية قائلاً: العالم الجليل وركن الحركة الإسلامية في حلب يعرفه الناس رائداً من رواد الصوفية، ولكنهم ل يفتقدوه قط في كل موقف في نصرة الحق بل هو دائماً في الطلية ـ علماء حلب في القرن الرابع عشر للأخ الأستاذ محمد عدنان كاتبي.


(3) دفن الشيخ عبد القادر عيسى في تركيا بعد أن منعت السلطان السورية نقل جثمانه إلى حلب ، هذا هو شأن أعداء الله يحقدون على المسلم حياً وميتاً .


تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين