
«طلب العلم فريضة على كل مسلم»
المسيرة الدراسية
مقدمة:
مرت مسيرتي الدراسية في أربع مراحل هي :
1 ـ مرحلة الدراسة الابتدائية : 1945ـ1950.
2 ـ مرحلة الدراسة المتوسطة والثانوية : 1950ـ1955.
3 ـ مرحلة الدراسة الجامعية :
أ : في كلية الشريعة: 1956ـ1959.
ب : في كلية التربية : 1960.
جـ ـ في كلية الحقوق : 1962ـ1964.
4 ـ مرحلة الدراسات العليا.
1 ـ في المرحلة الابتدائية
درست المرحلة الابتدائية في مدينتين ومدرستين:
1 ـ السنة الأولى /1946/كانت في المدرسة الرئيسية في مدينة إدلب، وكان مديرها الأستاذ كامل حكيم ـ رحمه الله تعالى ـ كان إدارياً ناجحاً، له شخصيته وهَيْبته وحزمه، لا زلت أذكر حفل توزيع الهدايا على المتفوقين، وكان حفلاً بهيجاً، اجتمع له الأبناء والآباء والأمهات ـ علماً أنها مرحلة ابتدائية ـ لكن كان لهذا الحفل أثر كبير في توليد الرغبة عندي بالتفوق.
2 ـ بقية سنوات المرحلة الابتدائية /1947 ـ 1950/، قضيتها في مدرسة النجاة، بمنطقة الفرافرة في حلب، وكان مديرها الأستاذ فؤاد النقشبندي ـ رحمه الله تعالى ـ كان هو الآخر مديراً إدارياً ناجحاً، ومربياً فاضلاً، وشخصية حازمة، قَتَلت إسرائيل ولده المتخصص في علوم الذرة حين كان في بريطانيا.
[يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]
2 ـ في المرحلة المتوسطة والثانوية 1951ـ1955
هاتان المرحلتان كانت تجمعهما الثانوية الشرعية بحلب أو (الخسروية)(1) وكان مجموع سنوات الدراسة فيها خمس سنوات ـ منها ثلاث سنوات مرحلة متوسطة، يحصل الطالب على شهادة: كفاءة شرعية، وسنتان مرحلة ثانوية، يحصل الطالب على شهادة ثانوية شرعية، خلاف الثانويات العامة التي كانت ست سنوات، وأظن أن المدة قد أضحت اليوم واحدة، ست سنوات للمرحلة الابتدائية، وثلاث سنوات للمرحلة الإعدادية المتوسطة، وثلاث سنوات للمرحلة الثانوية.
خمس سنوات قضيتها في القسم الليلي من هذه الثانوية، مجاوِراً لمسجدها التاريخي الكبير (جامع الخسروية)، ولقلعة حلب الشهيرة، أراها عياناً صباح مساء، بسبب ارتفاعها الشاهق، ومدخلها المرتفع، بينما كانت ثانويتنا في منخفص من الأرض، تنزل إليها قرابة عشرين درجة.
انتسبت إلى السنة الأولى من الثانوية الشرعية عام /1950/ القسم الليلي.
وضمَّني القسم الليلي مع مالا يقل عن مائة طالب قادمين من الريف والمحافظات الأخرى... نأكل، ونشرب، وننام سوياً إلى جانب الدراسة...
وسبب اختيار القسم الليلي من قبل والدي ـ رحمه الله تعالى ـ أنه كان صاحب عيال؛ ثلاثة عشر أخاً وأختاً ـ وكان بيتنا المستأجر صغيراً، وليته كان كذلك، فقد كنا نسكن مع جيران، ولنا من هذا المنزل غرفتان فقط.؛ غرفة للوالدين، وغرفة للأولاد.
ثُم إن اختيار والدي للثانوية الشرعية كان سببه كذلك حبه للعلم والعلماء، فكان متعلِقاً من أيام إدلب(2) بالشيخ طاهر ملا الكيالي وولده الشيخ حسن كيالي، والشيخ نافع شامية والشيخ حكمت معلم وغيرهم. فأراد أن يرى فيَّ ما يُحبه ويتمنَّاه، علماً أنه لم يكن لهذه الثانوية أي مستقبل وظيفي، فهي تابعة للأوقاف، وليس للدولة، وبالتالي غير معتَرف بشهادتها!!... من أجل هذا فإن كثيراً من أقربائي وجهاء العائلة اعترضوا على والدي بسبب هذا الاختيار؛ قائلين له: حرام عليك أن تدخل هذا الصغير إلى مثل هذه المدرسة التي لا مستقبَل لها، إلا أن تخرج أئمة مساجد، أو مؤذنين، أو مغسِّلي موتى... وبخاصة أنه لم يكن هناك فرع في الجامعة يقبل شهادتها(3)، ومن ثمَّ فإذا ما أردتُ متابعة الدراسة، فلابد أن أذهب إلى مصر للدراسة في الجامعة الأزهرية، ولكن هذا ليس في طوق والدي، ولا في قدرته.
وإني لأحمد الله جل شأنه، وأشكر لوالدي حسن اختياره، وأدعو الله له من أعماق قلبي، إذ كان سبباً في أن أسلك هذا المسلك العلمي الشرعي الدعوي. وقد كنتُ فَخْرَه ومحل رضائه واعتزازه ـ بحمد الله سبحانه ـ.
ولقد كان من نتائج دراستي في الثانوية الشرعية ـ القسم الليلي ـ أن صحِبْتُ الفقراء وأبناء الريف، عايشتهم طيلة خمس سنوات ـ بليلها ونهارها ـ فكان لي منهم أحباب كثيرون، على مستوى القطر( حلب، إدلب، حماة، دير الزور، الجزيرة، القامشلي) عرب وأكراد، جركس وتركمان... أبناء مدن وأرياف، أغنياء وفقراء، حيث لم تكن يومها ثانويات شرعية على مستوى سورية إلا في حلب ودمشق ومتوسطتان شرعيتان في حمص وحماة .
كان عليَّ أن ألبس الطربوشَ الأحمر إلزاماً ككل طلاب المرحلة المتوسطة، أما طلاب المرحلة الثانوية الكبار، فكان عليهم أن يلبسوا العمَّة. ولَكَم كان مضحكاً أن أرى الطلاب الكبار ـ طلاب المرحلة الثانوية ـ يضعون عمتهم في الحقيبة المدرسية، لدى مغادرتهم المدرسة... ذلك ما كنت أراه مع الأخ الدكتور بكري الشيخ أمين ـ حفظه الله تعالى ـ ويفعل هذا غيره، لكن لم أعد أذكر أسماءهم.
تحدثاً بنعمة الله فقد كنت متفوقاً طيلة الدراسة في هذه الثانوية ـ بحمد الله تعالى ـ رغم وجود الطلاب الكبار، وكان ترتيبي بين زملائي في النجاح: الدرجة الأولى، أو الدرجة الثانية.
مرَّت بي طرفة... تحكي براءة الأطفال. ومن المناسب أن أرويها للإخوة القراء، هي أنني في السنة الأولى من الثانوية الشرعية أخذت جلائي (تقرير نهاية العام الدراسي) وإذا بي أجد العبارة التالية: يُسجَّل اسمه في لوحة الشرف لتفوقه وأدبه، وحسن سلوكه. ولمَّا كان عليَّ أن أعيد هذا الجلاء إلى إدارة الثانوية، تردَّدت في ذلك؛ إذ كيف أُحرَم شرف الاحتفاظ بهذه الشهادة التي أعتز بها، ويعتز بها والدي؟! ذهبت والوالد إلى الأستاذ مصطفى طلس المدير المنتدب(4) للثانوية، فرجوناه أن يسمح لنا بالاحتفاظ بهذا الجلاء من أجل هذه العبارة،فاعتذر الأستاذ طلس بالنظام الذي يقضي بضرورة إعادة الجلاءات إلى الإدارة، وكم كانت براءتي وسذاجتي حين طلبتُ منه الإذن بطباعة(5) هذا الجلاء!! ولم يكن في تصوري تكاليف هذه الطباعة، لكنها براءة الأطفال وعذوبة الطفولة!!.
ومرت بي حادثة لها دلالتها وامتدادها، لتشمل خريجي المدارس الأجنبية التنصيرية، والتي تُسمَّى كذباً: (المدارس التبشيرية)...والحقيقة أنها مدارس تنصيرية .
فحين كنت على أبواب التخرج من الثانوية الشرعية ، لقيت شاباً في مثل سني، كان يعمل معي في الإجازة الصيفية، لكنه كان طالباً في مدرسة أجنبية خاصَّة، والشباب دائماً يتبادلون طموحاتهم. سألني هذا الشاب: أين ستدرس بعد حصولك على الثانوية؟ أجبتُه: آمل أن أنتسب إلى الكلية العسكرية، قال لماذا؟ قلت: لأنني أحب الجندية والسلك العسكري. قال : أما زلت تفكر بمثل هذه الخرافة، وبمثل هذه الضحالة؟ قلت عجيب! خرافة أن أطمح للانتساب إلى الكلية العسكرية، لأشارك بعد تخرجي منها ـ ضابطاً ـ في الدفاع عن بلدي، وأحُرر مقدساتي؟! قال: نعم... هذا بلد لا يُخدَم، وجيش لا يُحتَرم؟ قلت: لماذا أنت تحقد على بلدك وتتنكَّر لوطنك؟!! هذا الوطن الذي ربَّاك، وعلَّمك، وأكلتَ من خيره، وعشتَ على أرضه... أهكذا تتنكَّر له؟! قال: أنا أعجب لمثقف مثلك، تفكر بمثل هذا التفكير السخيف؟ قلت: مرة أخرى أستغرب منك مثل هذا الكلام البذيء!!. قال اسمع: حكى لنا أبونا (أي : القس المدرِّس في المدرسة الخاصَّة التنصيرية والذي كان يدرسهم مادة التاريخ): إن بريطانيا حين استعمرت الأردن، وأرادت أن تحضِّرها، وتدخلها عصر المدنية، وتشكل لها جيشاً، وتصنع منها دولة... جمع القائد البريطاني بعض بدو الأردن، وأراد أن يعلمهم النظام المنضم، فصفَّهم صفوفاً، ثم قال لهم: استارح... استاعد... وراء دُر... يمين دُر... يسار دُر... لم يفهموا ما يقول، رغم أنه كرر الطلب، فاستبدل ذلك بكلمة: إذا قلت لكم: بَقَرة... ارجعوا إلى الوراء، وإذا قلت لكم جَمَل... فامشوا إلى الأمام... وهكذا حتى فهموا !!! ثم قال لي هذا الطالب: أمة هذا مستواها، أيليق بك أن تنتسب إليها!! وجيش لا يفهم إلا لغة الحيوانات أيشرفنا أن نكون جنداً فيه!!!.
ثم قال: أما أنا فحين أُطلَب إلى الخدمة العسكرية في الجيش السوري فسأهرب إلى بيروت، ثم أغادرها إلى فرنسا، فأخدم في الجيش الفرنسي، ولا أخدم في الجيش السوري!! استغربت منه هذا الكلام! وقلت له: يؤسفني أنك على استعداد لتخدم في جيش استعماري صليبي ظالم!!، وترفض أن تخدم في جيش بلدك الذي يدافع عن شرف الأمة، وشرف الوطن، وشرف كل فرد فيه!!
2- في المرحلة المتوسطة والثانوية
سعدت بثلاث مجموعات من الشيوخ والأساتذة في الثانوية الشرعية:
أ ـ شيوخي وأساتذتي الأجلاء في العلوم الشرعية.
ب ـ أساتذتي الكرام في العلوم العربية والكونية والفنية.
ج ـ شيوخ آخرون تشرفت بلقائهم والإفادة منهم ولم أدرس عليهم.
أ ـ المجموعة الأولى من شيوخي وأساتذتي الأجلاء في العلوم الشرعيَّة:
أحمد الله أنني كنت محظوظاً فيمن تولَّى تدريسي في هذه الثانوية العريقة، أذكر منهم:
1 ـ العلامة المحدث المؤرخ الأستاذ الشيخ محمد راغب الطباخ ـ رحمه الله تعالى ـ 1293ـ1370هـ 1877ـ1951م
الشيخ العلامة محمد راغب الطباخ هو شيخ شيوخي، وأستاذ أساتذتي،وأحبُّهم إلى نفسي وقلبي وروحي، كان على تقدمه في السن ووقاره وعلمه، أليفاً ودوداً، لطيفاً رقيقاً، متواضعاً أنيساً، كان بيته قريباً من الثانوية الشرعية، فإذا ما أذَّن العصر وصلًّى جماعة، جلس على كرسي خشبي، تحت مئذنة الخسروية، يحدثنا بكل تواضع، ويشوقنا للمعرفة بكل حرص، ويُعلمنا من أخلاقه بكل حب، وينمِّي طموحنا العلمي بكل اهتمام، كان يذكر لنا تلامذته المتفوقين،ويفتخر بهم، يذكر الدكتور محمد معروف الدواليبي رئيس البرلمان، ورئيس الوزراء في سورية، ويذكر لنا العلامة الشيخ مصطفى الزرقا، الذي شغل منصب وزارة العدل والأوقاف أكثر من مرة، ويذكر لنا القاضي الصباغ، والشيخ محمد الحكيم وغيرهم ممن بلغوا شأناً علمياً وسياسياً كبيراً، وكان ـ رحمه الله تعالى ـ يشجعني أن أسلك مسلكهم، وأتفوق تفوقهم، ويؤمِّلني بمستقبل زاهر.
كان أستاذنا الطباخ قد عُيِّن عام /1356/هـ(6) مديراً للمدارس الدينية التي كان من بينها (الخسروية) والتي سُمِّيت فيما بعد : (الثانوية الشرعية) وقد أخذ على عاتقه إصلاح هذه المدارس وتطوير مناهجها لتخريج طلاب متمكنين من العلوم الشرعية ، منفتحين على العلوم العصرية ليعيشوا عصرهم، ويُحدِّثوا معرفتهم ، وهكذا أُدخِلت المواد العلمية الحديثة ، كالفيزياء والكيمياء ، والرياضيات ، والفلك ، وأذكر أنني درست علم الذرة في السنة الأولى الثانوي ، أي السنة العاشرة في هذه الثانوية.
وجزى الله خيراً المصلح الكبير والعالم الجليل العلامة الطباخ الذي كان له الفضل بعد الله تعالى في أن نتمتع بهذا المزج المعرفي ، وهذا التنوع العلمي... وتلك كان سيرة علماءنا الأقدمين الذين صاغوا حضارتنا الإسلامية العظيمة ، فلم تكن تلك الازدواجية ، ولم يكن هذا الفصل المعرفي ، بل حين تدرس تاريخ حضارتنا، وترجمة علمائنا نجد أن كثيراً من العلوم الكونية كان الدافع لتأسيسها والخوض فيها، هو خدمة العلوم الشرعية، كالفقه وعلم الفلك. وكعلم الفرائض وعلم الجبر، وغيرها كثير...
وبالتأكيد كان شيخنا الطباخ أحد أهم أركان النهضة العلمية في مدينة حلب ، وأحد روادها الكبار ، ومعظم علماء حلب ومفكريها كانوا من تلامذته.
كان ـ رحمه الله تعالى ـ من أوائل مَن انتُخِب لعضوية المجمع العلمي العربي في دمشق ، تم ذلك عام /1923/ وكان عضواً في جمعية الآثار القديمة عام /1930/ وعضواً في جمعية المعارف العثمانية بحيدر آباد عام /1935/.
وكان رئيساً لرابطة العلماء في حلب ، وشارك في أعمال المؤتمر الأول لعلماء سورية عام /1937/.
تكاد تكون المطبعة العلمية التي أنشأها العلامة الطباخ من أوائل المطابع في مدينة حلب ، وهي التي طبع فيها كتبه وخاصة كتابه الشهير : إعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء(7)، وكتابه الرائد : الثقافة الإسلامية، وغيرها.
درَّسنا مادتي: مصطلح الحديث والسيرة النبويَّة ومواد أخرى لا أذكرها.
يؤسفني أن أقول: إنه في أواخر حياته وقد تقدَّمت به السن ولحاجته المعيشية كذلك، كنا نذهب إلى بيته القريب من الثانوية ، حي باب قنسرين، لنأخذ دروسنا النظامية بسبب مرضه الذي يحول بينه وبين المجيء إلى الثانوية، وبسبب أن النظام الاستعماري الفرنسي وخلفاءه العلمانيين مِن بعده، طبَّقوا نظام التقاعد على كل الموظفين والمستخدمين، واستَثْنوا منه موظفي الأوقاف، ومنهم أساتذتنا وشيوخنا، يطعنون في السن، وينزل بهم المرض، وتجدهم مضطرين حتى آخر رمق من حياتهم إلى هذا الراتب الهزيل الذي لا يُسمِن ولا يُغني من جوع، علماً أن رواتبهم من ميزانية الأوقاف التي هي أغنى من ميزانية الدولة، لكنها المؤامرة التي تستهدف العلماء ليعيشوا في أسوأ حال، وأقسى معيشة، أو لِيساوموا على دينهم وأمانتهم، نفاقاً وتزلفاً ومداهنة، للحكام ـ إلا من رحم ربي ـ.
بُعَيْد وفاته أمر الرئيس السوري حسني الزعيم بمنح الشيخ العلامة الطباخ وسام الاستحقاق السوري لمكانته العلمية ومؤلفاته التاريخية الحضارية، وأُقيم حفل تكريم له في دار الكتب الوطنية ـ رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ـ.
2ـ مفتي السادة الشافعية الشيخ محمد أسعد عبه جي ـ رحمه الله تعالى ـ
كان هو الآخر شيخ شيوخي وأستاذ أساتذتي كان فقيهاً عالماً جليلاً، درَّسنا الفقه الشافعي، وكان صاحب خلق وتواضع، وكان صاحب دعابة ومرح، يستغل بعض الطلاب هذه الناحية، فيذكرون أمامه الإمامين محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، فيغضب لذكرهما، ويدعو على مَن يذكرهما بأن يُحشر معهما أو تحت خصيتيهما هكذا كان معظم الشيوخ التقليديين يومئذ، كانوا يعتبرون هؤلاء المجدِّدين مبتدعين.
3 ـ مفتي السادة الحنفية الشيخ محمد الحكيم ـ رحمه الله تعالى ـ أو مفتي حلب الأول
كان الشيخ الحكيم شرعياً معمماً حليقاً، ويمشي حاسر الرأي أحياناً وخاصة إذا كان في سفر، إذا جانب ذلك كان حقوقياً يحمل إجازة في الحقوق، مارس المحاماة لبعض الوقت، وتولى القضاء في حلب وفي غيرها، تولى إدارة الثانوية الشرعيَّة، مثقفاً يتقن الفرنسية، له مكانة كبيرة في المجتمع، تولى رئاسة شركة الغزل والنسيج أيام الحرب العالمية الثانية، خطيباً مفوهاً، تولى خطبة الجامع الأموي الكبير في حلب، لفترة طويلة كان ينتمي للحزب الوطني، وترشَّح للانتخابات فلم ينجح، واختاره حافظ أسد عضواً في مجلس الشعب المعيَّن عام 1973.
درَّسنا البلاغة والأدب... ولشيد ما كان يستطرد في أحاديث عامة سياسية واجتماعية، وفي أحد الدروس وفي مقر إدارة الثانوية حيث كان الأستاذ الحكيم مديراً للثانوية الشرعية ؛ حكى لنا قصة عجيبة عن الشيخ عبد الرحمن زين العابدين ، سأوردها لدى حديثي عن الشيخ عبد الرحمن في الصفحات التالية.
4ـ الفقيه الشافعي الشيخ عبد الله حماد ـ رحمه الله تعالى ـ
درستُ معه الفقه الشافعي في المرحلة المتوسطة، كان شيخاً مَهيباً صالحاً متواضعاً، حازماً جدياً، يحمل بعض الصفات العسكرية، وقد التحق بالجيش العثماني مجاهداً في سبيل الله في الحرب العالمية الأولى، ولمدة أربع سنوات، ثم تعرض للأسر لمدة سنتين في روسيا وغيرها(8)، وأذكر أنه لما مرض مرض الوفاة، كنا نقصده في بيته لنتلقى عنه الدروس، وسبب ذلك حاجته ـ رحمه الله تعالى ـ إلى المال كي ينفق على نفسه وعلى عياله، لأن مديرية الأوقاف التي تتبع لها الثانوية الشرعية لا تدفع رواتب تقاعدية لمن تقدَّمت به السن، كما هو حال مُدرِّسي وزارة التربية، وسائر موظَّفي الدولة ومستخدميها، تصون كرامتهم في شيخوختهم،إلا وزارة الأوقاف التي هي أغنى من الدولة بما تركه أغنياء المسلمين من قبلُ وقفاً يُنفَق منه على مصالح المسلمين ومرافقهم، وقد ذكر شيخنا السباعي(9) ـ رحمه الله تعالى ـ خمسين مصرفاً من مصارف الأوقاف الخيرية لتغطِّي كل أوجه التكافل الاجتماعي والعلمي...
معظم شيوخنا إن لم يكونوا كلهم، كانوا فقراء، رواتبهم زهيدة، أجرة ساعة التدريس ليرتان ونصف، بينما كان مُدرِّسو اللغة الانجليزية والرياضيات والفيزياء والكيمياء، يتقاضون ثلاثة أضعاف هذا الأجر.
أعتقد أنَّ هذا الأمر ليس مصادفة، وإنما هو مقصود، ليبقى العلماء محل استهداف ومساومة في أرزاقهم وكراماتهم، وإلا فليس ثمة مبرِّر لأن تستثنيهم الدولة من سُلَّم الرواتب المقرَّر لديها، والذي يشمل كافَّة الموظفين والمستخدمين، وليس ثمة مُبرِّر لأن تحرمهم من حقِّ التقاعد بعد بلوغهم الستين، ثم إنَّ الدولة لا منَّة لها في هذا، وإنما هي أوقاف أغنياء المسلمين التي حبسوها للصالح العام والخير العام، وأول هذا الخير أن يُعطى العلماء وخطباء المساجد ومدِّرسو الثانويات الشرعيَّة ما يحفظ كرامتهم وماء وجوههم، وما يضمن لهم العيش الكريم اللائق بهم... والعلماء العاملون هم وَرَثة الأنبياء، وأَمَنَة الأمة من عذاب الاستئصال ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ المجادلة: ١١ ، ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ فاطر: ٢٨.
5 ـ المقرئ الفَرَضي الرباني الشيخ محمد نجيب خياطة شيخ قراء سورية 1321ـ1387 ، 1905ـ1976.
كان يرحمه الله تعالى ـ مدير مدرسة الحفاظ في حلب منذ عام 1929، وحتى لقي وجه ربه الجليل، كان منوَّر الوجه، جميل الطلعة، حلوَ البسمة، تلاَّء، دائم الذكر لله تعالى، لا يفْتُر عن تلاوة كتاب الله تعالى، وذكر مولاه أنَّى لقيتَه، وحيث وجدَته، قائماً وقاعداً وماشياً، خاصَّة بعد صلاة الفجر، حيث كان يطوف حول القلعة. كان مرجعاً في القراءات، ومرجعاً في الفرائض (علم التركات) وله عدة كتب في علم التجويد والفرائض. درَّسنا القرآن الكريم تلاوة وحفظاً وتجويداً. ولسوء حظي فقد بدأت معه حفظ القرآن الكريم، ولكني لم أكمل ـ بسبب العمل العام ـ كما درَّسني ـ رحمه الله تعالى ـ علم الفرائض والتركات. جزاه الله عني كل خير وأوفاه. كل إخوته كانوا حفظة لكتاب الله متقنين لتلاوته ، أعرف منهم الدكتور: عمر خياطة ، وأخ آخر لا أذكر اسمه ، كان تاجراً في جادة الخندق ، رحمهم الله أجمعين ، ويجمعني بولديه أبي اليمن ، والأستاذ صلاح مودة وزمالة.
6 ـ المحامي الأستاذ عبد القادر كرمان ـ رحمه الله تعالى ـ
كذلك كان الأستاذ الكرمان شرعياً حقوقياً، حليقاً معمماً، مارس المحاماة غير متفرغ للتدريس، خطيباً مفوهاً، أديباً بليغاً، درَّسنا الخطابة والأدب والأحوال الشخصية، ودرستُ معه مع بعض الإخوة وفي مكتبه بشارع خان الحرير كتاب شذور الذهب في النحو ، أذكر أنني وبعض الإخوة الطلاب قد تأثرنا به فتواصينا أن نتكلم العربية الفصحى، وأن نهجر العامية، مما كان له أكبر الأثر في أن يصبح حديثنا بالعربية الفصحى سليقة والحمد لله رب العالمين.
يتبع في الجزء الخامس، ونبدأ الحديث فيه عن الداعية الكبير الشيخ محمد أبو الخير زين العابدين ـ رحمه الله تعالى
(1) نسبة إلى خسرو باشا والي حلب الذي بُنى المسجد المُسَمَّى باسمه، والواقع أمام باب قلعة حلب والقريب من دار الحكومة تخرج منها معظم علماء حلب ، وحماة، وإدلب ، ودير الزور ، والجزيرة ، والقامشلي ، واللاذقية.
(2) كانت مدينة إدلب أيام الشيخ طاهر ملا الكيالي تُسمَّى الأزهر الصغير لكثرة طلاب العلم الشرعي فيها.
(3) كلية الشريعة: أُسست عام /1955/ على يد شيخنا وأستاذنا الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ.
(4) أي : منتدب من قبل مديرية التربية في حلب ومهمته الإشراف الإداري على المدرسة.
(5) إذ لم يكن وقتها أجهزة تصوير.
(6) موسوعة الدعاة والأئمة والخطباء في حلب 2/1021.
(7) طبعته ثانية وزارة الثقافة السورية.
(8) علماء من حلب في القرن الرابع عشر.
(9) أنظر كتاب اشتراكية الإسلام، وقد طبع مجدداً في دار الوراق بعنوان: " التكافل الاجتماعي في الإسلام".
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين