الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (3)

الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (3)

التصنيف: علماء دعاة مربون
الاثنين، ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٦ هـ - ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٤
159
محمد فاروق بطل
محمد فاروق بطل
الميلاد :1936 - 05 - 13- الوفاة :2024 - 07 - 24

طفولة قاسية ونقلة بعد نقلة:


حين غادر والدي الرستن، كان لي من العمر ست سنوات، وأذكر أن الحرب العالمية الثانية قد انتهت، وأن قوات انجليزية مع دباباتها ومصفحاتها، رأيتها تمر بالرستن في طريقها إلى دمشق، وأظن أنها كانت قاصدة طرد القوات الفرنسية، وأذكر أيضاً أنني أكلت الخبز المكون من الشعير، وما أكاد أسيغه، وأذكر جيداً أننا حين غادرنا الرستن مررنا بحماة، ومكثنا في ضيافة العم الأستاذ عز الدين العرواني (أبو نعسان)، وما أكرمَها من ضيافة! وما أكرمه من مضيف!! رحمه الله تعالى رحمة واسعة.


ثم وصلنا إلى إدلب وسكنَّا فيها، وافتتح الوالد دكاناً صغيرة في سوق المدينة الذي لم أعد أذكر اسمه، وفي هذا الدكان كان يبيع حاجات الزينة والخياطة للنساء، لكن الأمر لم يطل بالوالد، حيث لقي وظيفة في حلب في مديرية الأشغال العامَّة محاسباً.


ـ وإلى مدينة حلب انتقلت الأسرة بكاملها، ولكون راتب والدي كان ضعيفاً جداً، فقد سكنت العائلة أولاً في غرفة واحدة من (قناق) الجلبي المجاور لجامع البهرمية، والقريب من تكية آل الجلبي(1). الذي كان يؤمه الشيخ كامل السرميني ـ رحمه الله تعالى ـ .


وفي هذا (القناق)(2).أو النُزُل تسكن أسر كثيرة يغلب عليها الفقر، وقد كان يتألف من ساحة كبيرة، تظللها أشجار باسقة، وتتوسطها بقايا بركة ماء، وتحيط بها غرف كبيرة، ذات مرافق واحدة، كانت أقرب إلى الاختلاط منها إلى الستر، تُشغَل الساحة بالرجال والنساء، وخاصة بالليل حيث يهربون من حر الغرف إلى هذا الفضاء المفتوح.


ومن هذا (القناق) الذي يقع في حي الجلوم، المؤلف من الجلوم الكبرى، والجلوم الصغرى، والجلوم الجواني (الداخلي) انتقلنا إلى سَكَن يملكه شخص من آل المنصوري، يقع عند خراق الجلوم، المؤدي إلى حي الكلاسة، وقريباً من حَجَرة(3) البْرقة المؤدية إلى باب أنطاكية و(كُلَّة)(4) معروف.


هذا السكن كان مؤلفاً من ساحة وأربع غرف، أخَذَتْ أسرتنا غرفتين صغيرة وكبيرة، الصغيرة هي غرفة ضيوف، وغرفة نوم للوالدين، والغرفة الكبيرة كانت للأولاد، وأخذ أعمامي وعماتي مع والدتهم غرفتين كذلك، صغيرة وكبيرة، كان أعمامي عمَّالاً باستثناء عمي رضا فقد كان عاملاً مكافحاً، عاقلاً حصيفاً طموحاً، دخل سلك الشرطة، واجتهد في أن يعوض التقصير عن أبيه، فضغط على أخيه الصغير نزار ليتابع دراسته ويجدَّ فيها، وقد فعل حتى تخرج طبيباً، وتخصَّص في طب العيون، وكان عمي رضا هو الذي يتابع أخاه وينفق عليه، ويشجعه على التفوق... كان عمي نزار يسكن معي في غرفة صغيرة في جامع النقشبندي بحي السويقة في دمشق طيلة فترة دراسته في كلية الطب.


ومن هذا البيت القريب من حي الكلاسة، كنت أمشي على أقدامي صباح مساء، وصولاً إلى مدرسة الفتح القريبة من باب النصر، ثم مدرسة النجاة الواقعة في حي الفرافرة، وكان الدوام في المدرسة فترتين؛ ننطلق صباحاً إليها، ثم نعود ظهراً إلى البيت، لتناول طعام الغداء، ثم نذهب ثانية إلى المدرسة، ونعود بعد ساعتين دراستين إلى المنزل، أي أربع مرات في اليوم نغدو ونروح بين البيت والمدرسة سيراً على الأقدام، ومروراً بالأسواق، وأحياناً نحمل غداءنا معنا لنأكل في المدرسة.


كان مدير مدرسة النجاة هو الأستاذ فؤاد نقشبندي، كان إدارياً مربياً ناجحاً، دخلتها في الصف الثاني الابتدائي، وحصلت منها على الشهادة الابتدائية، ولشد ما كان سروري بالغاً حين سمعت اسمي ناجحاً من الراديو(5)، وقرأت اسمي منشوراً في الصحيفة الحلبية اليومية، بين أسماء الناجحين، وكانت المرحلة الابتدائية خمس سنوات، مما أتذكره في هذه المدرسة أنني كنت طالباً في الصف الثاني الابتدائي حين ضربني ورفاقي الأستاذ توفيق يموت ضرباً مبرحاً على يديَّ الغضتين من غير سبب معقول، أو ذنب، أو تقصير فادح، مما أثَّر على راحتيّ (كفتيَّ) ولم أعد أتمكن من الكتابة، وذهبت إلى البيت أبكي من شدة الألم، فغضب الوالد، وأخذني إلى الدكتور أنور دويدري، وحصل على تقرير طبي، وكاد أن يتطور الأمر، فتدخل المدير الأستاذ النقشبندي، واعتذر الأستاذ، وسحبنا الشكوى والتقرير.


من مدرستنا، ومن صفنا، انتقى أستاذ الموسيقا (جو خدار) فريق إنشاد، وأذيع نشيد وطني بصوته لأول مرة في تاريخ إذاعة حلب، التي شَرَعت في بث برامجها أواخر الأربعينات من القرن الماضي.


لا أدري لماذا رغب أحد أساتذتنا أن يقيس أطول شعر في رؤوس طلابه وتلاميذه وكانت النتيجة أنني فزت في هذه المسابقة، فكنت أطول زملائي شعراً، وقد بلغ طول شعري يومها /15/ سم، وشعري لم يتغير ترتيبه منذ ذلك اليوم.


كان أخي أمجد يعمل في شركة الغزل والنسيج بحلب، وكان عليه أن يمضي إلى عمله في الصباح الباكر، ولم تكن لدينا إلا غرفة واحدة، هي غرفة معيشة، وغرفة جلوس، وغرفة نوم، وأنا أريد الدراسة، فأين يمكن أن أدرس؟ لو أشعلت النور، لانزعج أخي، وصرَّخ عليَّ، فكنت أدرس وأكتب واجباتي تحت ضوء النواسة الضعيف، بل إني لأقف على مصطبة الشباك، لأكون الأقرب إلى ضوء النواسة، وحتى أستطيع رؤية صفحات الكتاب أو الدفتر، كنا عشرة إخوة ـ على الأقل ـ ننام في هذه الغرفة الواحدة مع مَن يمكن أن يأتينا من ضيوف!!.


ـ بعد حصولي على شهادة الدراسة الابتدائية، رغب والدي ـ رحمه الله تعالى ـ أن أنتسب إلى الثانوية الشرعيَّة القسم الليلي، بعيداً عن أهلي وإخوتي، وسبب هذه الرغبة هو التخفيف من أعبائه المالية، والحصول على راتب من المدرسة، ثم إن المدرسة تتكفَّل بطعامي وشرابي وكتبي ومبيتي، طبعاً إلى جانب رغبته الأهم، وهي الانتساب إلى مدرسة شرعية أملاً منه أن أكون عالماً، فقد كان يحب العلماء بصدق.
كنت أزور البيت في الأسبوع مرة واحدة فأرى والديَّ وإخوتي وأخواتي وأرحامي و...


ـ مما أذكره في هذه المرحلة؛ أنني حين كنت أستعد لامتحان الشهادة المتوسطة (الكفاءة) ورغبة في تأمين جو دراسي، بعيداً عن زحمة البيت، كنت أصلي الفجر في جامع البهرمية، ثم يقفل الآذن الباب عليَّ لأتفرغ للدراسة، وأبقى كذلك حتى الظهر، فيفتح الباب عليَّ... كان ذلك نتيجة الاتفاق بين والدي والشيخ كامل السرميني إمام المسجد ـ رحمه الله تعالى ـ .


ـ وأنا إذ أحمد الله على هذا الاختيار، أشعر في أعماقي أنني حُرِمت حياة الطفولة والفتوة، وما يرافقهما من لعب ولهو ومتعة، ذلك لأن الثانوية الشرعيَّة كانت تقبل الطلاب من مختلف الأعمار، ففي الوقت الذي كان عمري لا يتجاوز /12/ سنة كان لي رفاق في نفس الصف يقاربون الثلاثين(6)، وشيء آخر: كان كل طلاب القسم الليلي من الريف؛ من عفرين وإعزاز وعين العرب وجرابلس وإدلب وحارم وسلقين وأرمناز والباب ومنبج والمعرة والرقة، ودير الزور وحماة... وقد اكتسبت منهم وبهم أخلاقاً من التواضع والعفوية والبساطة والصفاء، لكن بقيت بينهم غريباً إلى حد ما، كذلك فإن معظم أساتذتي كانوا شيوخاً طاعنين في السن لهم هيبتهم ووقارهم... كما أن والدي ومنذ الصغر كان يصطحبني إلى لقاء الكبار ومجالسهم، هذه العوامل كلها جعلتني لا أشعر بطفولتي وفتوتي، ولا أتمتع بهما، ولا أحس بطعمهما، ولا أتذكر يوماً أنني لعبت كما يلعب الأطفال والفتيان، أو عبثت كما يعبث الأطفال والفتيان، أو لهوتُ كما يلهو الأطفال والفتيان... وهكذا فإنني ومنذ الصغر كانت تغلبني الجدية ومعايشة القضايا العامَّة، واحترام الكبار، والالتزام بالأخلاق المناسبة معهم، والتقيد بأصول التعامل الواجبة تجاههم.


وأضيف شيئاً آخر هو: أنه بسبب فقر الوالد وكثرة عياله، وضخامة أعبائه، كنت أعمل في الإجازات الصيفية، لقاء أجر أسبوعي بسيط، أقدمه لوالدي كي يقضي به حاجته، ويمده بشيء من العون...


ومن المِهن التي عملت فيها:


1ـ صناعة الأحذية بنوعيها المدني والريفي؛ أعني بالأحذية المدنية الأحذية التي يلبسها أهل المدن، وأعني بالأحذية الريفية تلك التي يلبسها أهل الريف والفقراء، والتي تُسمَّى (الصرامي) حمراء اللون غالباً، ولها سوق خاص قرب سوق الحبال، القريب من الجامع الأموي الكبير، كنت أشارك في صنعها؛ وكان المعلم رجلاً كبير السن، تقياً صالحاً، ودكانه قريبة من جامع البهرمية في سوق السقطية، وهو من بيت الأول السبسبي.


2ـ بائع خبز، كنت أساعد رجلاً شبه ضرير، قد افتتح محلاً لبيع الخبز قرب جامع البهرمية، كنت أُحضِر الخبز من فرن الصليبة في حي الجلوم الجواني، أحمله على راسي مبسوطاً على بسطة خشب إلى الدكان التي أشرت إليها، والمسافة بين الفرن وهذه الدكان لا بأس بها، وقد تزيد عن /200/ م.


3ـ أجير سمان في العزيزية(7): أوزِّع الخضار والفواكه، والحاجات المنزلية وطلبات البيوت عبر الهاتف.


4ـ أجير خياط: وقد قضيت في هذه المهنة فترة طويلة، وفي أكثر من إجازة صيفية، أنتقل من خياط إلى آخر، ومن معلم إلى آخر... والمقصود هنا الخياطة الرجالية.


5ـ لما كان والدي يعمل محاسباً لدى مديرية الأشغال العامَّة في حلب، وكان له صلات طيبة مع المدير رئيس المهندسين، فكان هذا المدير ينتدبني في كل صيف لعمل تابع لإدارته، فعملت في المجالات التالية:


أ ـ موزع مازوت:
انتُدِبتُ مرافقاً للسيارة التي توزع المازوت على ورشات تصليح الطرق، حيث تحتاج هذه المادة لخلطة الزفت، أو للمركبات التي تستعملها في عملية الإصلاح، وكانت مهمتي أن أسجل ما تأخذه كل ورشة من ألتار المازوت (جمع لتر) وآخذ توقيع رئيس الورشة، كنت أخرج كل صباح، وأركب الشاحنة (السيتير) ولا أعود إلى المنزل إلا بعد العصر بوقت متأخر، وفي كل يوم نختار طريق سفر خارجي، نطوف على هذه الورش... ويومها كانت إدلب تابعة لمحافظة حلب، بمعنى أنه كان عليَّ وعلى السائق أن يطوف على طرق خارجية طويلة تمتد إلى حدود الرقة شرقاً، وإلى حدود اللاذقية غرباً، وإلى حدود تركيا شمالاً، وإلى حدود حماة جنوباً، وكان الفصل صيفاً، والحر شديداً، ورائحة السيارة والسائق كريهة، والعمل خطيراً ـ فهي مادة محروقات ـ لكنها الطاعة للوالد، والرغبة في مساعدته ، وتخفيف العبء المالي عنه.


ب ـ مرافق مساح الأراضي:
وانتُدِبْتُ كذلك مرافقاً للمساعد الفني المختص بمسح الأراضي، أحمل له على كتفي ماكينة المسح، وأثبتها في المكان الذي يحدده لي، ثم أحمل الساطرة الطويلة، وأبتعد إلى المسافة المطلوبة، ليقوم الفني بعملية المسح والقياس، وهكذا نتحرَّك من أرض إلى أرض، في فصل الصيف القائظ، وفي العراء المشمس، وقد بلغنا ذات يوم حدود مدينة الرقة، وزرنا منطقة الجبوّل وأدركنا قصر الشيخ مجحم ابن مهيد في قرية خناصر، والشيخ مجحم كان شيخ عشائر سورية يلقَّب بسلطان البر، كما كان عضواً في البرلمان، بنى مسجداً متوسطاً في منطقة الأنصاري بحلب، وسكن قصراً إلى جانبه، وأذكر أنني زرته مع والدي، فكان رجلاً مهيباً، وشخصية بدوية فذة، رأى والدي يشرب السيكارة، فقال له بلهجة بدوية محببة، (لا أتقن كتابتها على النحو الذي لفظها)، ولكن أرويها للفائدة، وباللفظ العربي الفصيح:


الشيخ مجحم للوالد: لماذا تشرب السيكارة؟
الوالد: ننفخها (نتفتفها).
الشيخ مجحم: ألا تدري أنها تظرَّك؟
الوالد: وما ضررها؟
الشيخ مجحم : هل (تجتب) تكتب؟
الوالد: نعم
الشيخ مجحم: هات القلم والقرطاس (الورقة).
الوالد: أخرج ورقة، وأمسك بالقلم.
الشيخ مجحم: المظرَّة الأولى : تظرَّك ما تفيدك. هل جتبت(8)؟ قال الوالد : نعم.
الشيخ مجحم : المظرَّة الثانية: تجرعو مع وريدك (تتجرعه مع الدم) هل جتبت؟ قال الوالد: نعم.
الشيخ مجحم: المظرَّة الثالثة: تضيِّع دراهمك من ايدك (يدك) هل جتبت؟ قال الوالد: نعم.
الشيخ مجحم: المظرَّة الرابعة: مَرْتك (زوجتك) تكرهك ما تريدك هل جتبت؟ قال الوالد: نعم.
الشيخ مجحم: المظرَّة الخامسة: تصير باش قحَّاح مو بيدك (كثير القح والسعال) هل جتبت؟ قال الوالد: نعم.
الشيخ مجحم: المظرَّة السادسة: تقضب (تحمل) نارك بيدك) هل جتبت؟ قال الوالد : نعم.
الشيخ مجحم: المظرَّة السابعة: تحفر قبرك( بيدك) بإيدك هل جتبت؟ قال الوالد: نعم.


جـ ـ مراقب أشغال عامة:
وانتُدِبت مراقباً في مشروع تجفيف مستنقع الروج عام /1954/ في محافظة إدلب، لاستصلاح الأراضي الواسعة زراعياً، كنت يومها طالباً في الصف العاشر في الثانوية الشرعيَّة.
وكانت شركة فرنسية سورية اسمها (سانت برُيس والميداني) تتولَّى تنفيذ هذه العملية الفنية الضخمة، وقد حَفَرَت نفقاً طويلاً يصل ما بين مستنقع الروج ونهر العاصي، ليصب الماء فيه، وفي داخل النَفَق أقاموا سككاً لعربات نقل الحجارة والأتربة والإسمنت، كانت مهمتي كمندوب عن مديرية الأشغال العامَّة: أن أراقب التزام الشركة بالمواصفات الفنية، والكميات المحددة لخلطة الإسمنت التي ستُكْسَى فيها أرض النفق، وسقفه وجدرانه، فكنت أدقق خاصَّة في أكياس الإسمنت التي توضع في الخلطة، ولكنني لاحظت عدم الالتزام بعدد الأكياس المحددة في كل خلطة، أو في كل نقلة، وبقدر ما كانوا يزيدون في كمية البحص والنحاتة (الحجارة المطحونة البيضاء) بقدر ما كانوا يُقلِّلون من كمية الاسمنت، فاعترضتُ... ثم اعترضت... وأوشكت أن أوقف العمل في الفترة والنوبة التي أكون فيها، واعترضتُ أمام مسؤولي، فلم يبال، ورفعت تقريراً بذلك إلى مدير الأشغال العامَّة، وكانت النتيجة أن أُوقِفْتُ عن العمل، وإذا بالجميع يرتشون! وعلى حساب المصلحة العامَّة! وقد حاول مندوب الشركة أن يرشيني، فرفضت بإصرار وإباء، حمل معه ظرفاً من المال وقدَّمه لي، قلت: ما هذا؟ قال: هدية بسيطة تستعين بها في حاجاتك، فأنت طالب صغير، وتحتاج المال، رددتُ المبلغ إليه، وقلت له: الحمد لله أنا مكتفي، وما آخذه من راتب زيادة عليَّ، فأبدى اسفه لرفضي أخذ الرشوة ، واستمرَّت مراقبتي الحازمة لضبط الكميات المقررة في جبلة الأسمنت، مما أزعجهم، فاتصلوا بالمدير المرتشي كذلك، وسرَّحني من عملي، وأذكر أن العمل كان مستمراً أربعاً وعشرين ساعة، وكنا ثلاثة مراقبين، نتناوب كل واحد منا لثماني ساعات، وإذا كنت قد ضبطتُ المكاييل والمقادير في نوبتي ، فإن الزميلَيْن الآخَرَيْن قد تساهلا وقَبِلا الرشوة، وسكتا عن الغش والسرقة، وبسبب ذلك ما كاد يندفع الماء القوي من بحيرة الروج في نفق السيل المتجه إلى نهر العاصي حتى تهدَّم مدخله وجدرانه، وأعاق مسير الماء وعملية التجفيف، فاضطروا إلى إعادة إصلاحه، قاتل الله الغشاشين، والمرتشين، كم يسيئون للمال العام، وللصالح العام، وكم يلحقونه من أضرار في المباني العامَّة والمشاريع العامَّة ؟؟


وفي ختام عرض هذه الأشغال التي مارستها في سني طفولتي وفتوتي وقبل دخولي الجامعة أذكر ثلاثة أمور:


أ ـ كنت أسلِّم والدي ـ رحمه الله تعالى ـ كل ما أستلمه من أجور ورواتب ، وبكل الرضى والحب والاختيار، لا أحتفظ منه بشيء، إلا ما يقرره لي الوالد من خرجية (مصروف أسبوعي) وأنا بالأصل لم يكن لي مصروف شخصي، آكل مما تأكله أسرتي وتعده والدتي، وألبس ما تخيطه لي ـ رحمها الله تعالى ـ أو ما يشتريه لنا الوالد من البالة (الثياب الأوربية القديمة المستعملة) وقد كان سعرها خفيضاً.


ب ـ قد يعيب عليَّ البعض أن أذكر عملي في هذه المهن المتدنية في نظر المجتمع، ولكنني لا أعتاب منها، لأنها حقيقة وذكريات، لابدَّ أن تؤدَّى على وجهها بكل الصدق والشفافية، ثم إنني ومن خلال تربيتي الشرعيَّة والإخوانية أعتبر العمل شرف، مهما كان نوعه، طالما أن صاحبه يريد أن يعتمد على نفسه، ويعز نفسه، ويكف نفسه عن مسألة الناس، وإراقة ماء وجهه للآخرين، ثم هو البر بالوالد، والعون له... فلماذا أعتاب أو أتعيَّر؟!.


لقد تربينا على قول الله تعالى : [اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا] {سبأ:13}. وقوله : [وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ] {الأنبياء:80} .


كما تربينا على قول رسول الله ﷺ : «ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده» وقوله ﷺ : « إن الله يحب العبد المحترف». وقوله ﷺ : «ما من نبيَّ إلا ورعى الغنم سأله الصحابة: حتى أنت يا رسول الله ؟ قال : نعم كنت أرعاها بقراريط لأهل مكة» وأخبرنا المصطفى ﷺ أن نوحاً كان نجاراً، وداود كان حداداً وغيره كان خياطاً و....و...


والمعلم العظيم ﷺ صحح للصحابة مفهومهم الخاطئ عن العمل حين رأوا شاباً قد بكَّر بالغدو للعمل في أرضه، وهم في طريقهم للجهاد، فقالوا مستنكرين: ليته لو أنفق جهده في سبيل الله! فقال ﷺ : «لا تقولوا هذا... إنه إن كان خرج يسعى على نفسه ليكفَّها عن المسألة فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين ضعيفين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على ذرية ضِعاف فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى تكاثراً فهو في سبيل الشيطان».


ومن تربيته ﷺ : « لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي الجبل، فيحتطب، ويأتي السوق فيبيعه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه».


وبصفته ﷺ كان رئيس الدولة، فقد كان ينهى عن ذل السؤال، ويرشد الشباب القادرين إلى العمل الشريف، مهما كان مستواه، فحين جاء شاب يسأله، أنكر عليه ﷺ وقال له: «أليس عندك شيء تملكه؟ قال: بلى: أملك كذا وكذا، قال ﷺ ائتني به، فلما أحضر ما يملكه، وقف رسول الله ﷺ بنفسه، يبيعه بالمزاد العلني، فلما باعه قسم القيمة إلى مبلغين؛ مبلغ دفعه إليه لينفقه على عياله، والمبلغ الثاني اشترى له قدوماً وجهزه ﷺ بنفسه، وقال لهذا الشاب: امض فلا أريَنَّ وجهك إلا بعد خمسة عشر يوماً».... وقد فهم الصحابة عنه ﷺ قيمة العمل والمهنة والحرفة، لذلك قال عمر : كنت أرى الشباب فيعجبني فأقول : أله حرفة؟ فإن قيل لي : لا سقط من عيني....


في ضوء هذا التوجيه النبوي، وهذه الثقافة الشرعيَّة، أقول ورأسي مرفوعة: نعم... عملت في هذه الحِرف المتدنية، أو ما يسميها البعض بالمهن الوضيعة، عملت فيها، ونلت الأجور، وسلمتها للوالد، ليستعين بها في التخفيف من أعبائه المادية، ورضي عني، ولمست آثار رضائه، فأبدلني الله الفقر السابق بالغنى والعطاء والثراء، فضلاً منه سبحانه، ولي حديث مفصَّل في هذا الشأن في صفحات قادمة، حين أتحدث عن المحن المتتالية التي مرَّت بي، واستمرت نعم الله، وأدام فضله، وحفظ أسرتي وأولادي، فله الحمد والمنة والثناء الجزيل.


كان أساتذتنا يفتخرون بما أفتخر به، ويعلنون ذلك، ولا يتعيَّرون أو يعتابون، فالدكتور أحمد السمان مدير الجامعة ووزير الاقتصاد وعميد كلية الحقوق وأستاذنا في مادة الاقتصاد كان يفتخر أن والده كان فرَّاناً(9) ، وأستاذنا الدكتور معروف الدواليبي رئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء، ووزير الدفاع، ثم الخارجية، ثم الاقتصاد، كان والده صاحب حمام في باب الأحمر بحلب، وكان ولده (معروف) يلبس كيس الحمام، وينظف أجساد المستحِّمين ويخرج فتائل الوسخ منها... أو أنه كان يستعمل ليفة الصابون، لتنظيف أجساد المستحِّمين أعلى وأسفل، وأستاذنا الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ كان والده الشيخ حسني يصنع القباقيب، وكان ولده مصطفى يساعده في ذلك صناعة أو بيعاً، وقد زرت الشيخ حسني في دكان القباقيب هذه، وهي مجاورة للجامع الكبير في مدينة حمص، وقد كان الشيخ حسني وولده مصطفى ونصوح يخطبون فيه خطبة الجمعة.


وإذن فلماذا نتعيَّر من البيئة القروية، أو البيئة الفقيرة، أو المهنة المتدنية، أو العمل البسيط؟؟!!


وأنا إذ أحمد الله على ما يسَّر لي من أبوين كريمين مكافحين، وبيئة فقيرة، وطفولة قاسية وأعمال بسيطة، ومهن متواضعة، وأجر قليل، لكن كان نتاج ذلك: تربية عملية ميدانية اجتماعية أكسبتني حب العمل، وخلق التواضع، واحترام العمال، وتقدير الفقراء ، والاعتماد على النفس ، والسلوك الاجتماعي ، وحسن التعامل مع الآخرين، أياً كانوا أغنياء، أم فقراء، أبناء مدينة أم أبناء ريف...


حادثة طريفة:
وأختم هذا الفصل بحادثة طريفة مرت بي، وأنا طالب في المرحلة الابتدائية، الصف الثاني: حيث كنا نسكن في حي قريب من باب الفرج اسمه: (حي القِلَّة)، والمعروف عن هذا الحي أن أكثر سكانه من اليهود الحلبيين، لكن الوالد كان مضطراً لسكناه مع مستأجرين آخرين بسبب قلة أجره، فحين كنت في طريقي إلى المدرسة عند الصباح من يوم السبت، تقدمَتْ مني امرأة يهودية، ترجو أن أشعل لها عود الثقاب، لتشعل الوابور أو المصباح، فأجبتها لطلبها، ودخلتُ المنزل، فكان في نهاية الوساخة(10)، ولم أدر يومها، أو لم أسأل: لماذا طلبت مني هذا الطلب؟ عرفت بعد ذلك أن العمل يوم السبت حرام عند اليهود. حتى ولو كان إشعال عود ثقاب، أو إضاءة كهرباء، أو تشغيل سيارة أو ... أو ... وقد قرأت في الصحف أن تشرشل رئيس وزراء بريطانيا قد مات، وصادف تشييع جنازته في لندن يوم السبت، فما ركب (بن غوريون) رئيس وزراء إسرائيل وأمثاله من متديني يهود، لم يركبوا السيارات ومَشَوّا وراء الجنازة مسافة طويلة.


يتبع في الجزء الرابع، والذي سنبدأ الحديث فيه عن المسيرة الدراسية.




(1) وفي هذه التكية كنا نتردد على زيارة الشيخ أحمد زين العابدين( شقيق استاذنا أبي الخير رحمه الله تعالى وأذكر أنه كان مجذوباً، ولإخوة الشيخ أحوال عجيبة، وعندهم إمكانات عجيبة.
(2) أظنها كلمة تركية تعني قصراً كبيراً أو نزلاً كبيراً كانت تسكنه عائلة ثرية أو حاكم كبير.
(3) كان لدى العوام اعتقاد بأن من يجلس على هذه الحجرة يشفى من المرض، وخاصة مما يصيب عظامه من آلام.
(4) هي كرة حجرية معلقة في مدخل باب إنطاكية من الداخل ـ أحد أبواب حلب المشهورة
(5) كانت الراديو يومها حديثة الظهور، وقليل من يقتنيها، إذ كانت محل نقاش حلالاً أو حراماً؟ كما وكانت محل استغراب كيف يصدر عنها الأصوات؟ ولا زلت أذكر أن نشرة الأخبار كانت تُملَى منها إملاء على المحررين والصحفيين.
(6) كالأخ الشيخ عبد الحميد صلوح(أريحا)ـ رحمه الله تعالى ـ وقد كان رفيقي في المرحلة الاعدادية وعمره يقارب الثلاثين.
(7) حي في حلب أغلب سكانه من المسيحيين.
(8) جتبت باللهجة البدوية : أي : كتبت؟.
(9) صانع خبز
(10) قال  : « نظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود فإن الإسلام نظيف ».






تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين