
ـ خاتمة فصل مسيرتي التعليمية ـ
وبعد... ففي نهاية حديثي عن ذكرياتي في مسيرتي التعليمية، لابدَّ أن أعتذر للإخوة القراء عن سرد مثل هذه التفاصيل، التي قد يكون كثير منها مُمِلَّاً، وقد أملاها عليَّ اعتقادي أن الذكريات يجب أن تكتب بصدق وشفافية واستيعاب ـ كما تقدَّم ـ ليتحقق الهدف من تدوين هذه المذكرات، وليتعرف الأخ القارئ على مختلف الجوانب التي أحاطت بالإنسان ـ صاحب الذكريات ـ وأسهمت في تكوينه، وصقلت شخصيته، ومن ثمَّ للحكم عليه إن كان قد نجح، أو فشل في تحقيق رسالته في هذه الحياة...
فهذه هي الغاية من التحدث بتفصيل عن مراحل دراستي، وما أردت ـ والله ـ فخراً ولا مباهاة ولا ادعاء، وإنما أردت أن أحكم على نفسي بنفسي، فأقول بكل صدق وشفافية، في ختام حديثي عن رحلتي العلمية ـ ودون أي تواضع ـ: ماذا كانت حصيلة هذه الدراسات والشهادات؟ هل أنا عالم شريعة؟ لا والله... هل أنا حقوقي استوعب القوانين، وتابع دراساته القانونية؟ لا.. والله.
صحيح أنني تخرجت من كليات جامعية، وحملت شهاداتها، وكنت بحمد الله متفوقاً في طلبي العلمي في سائر مراحل التعليم، لكن حالي وحال هذه الشهادات كحال المثل القائل: «كثير الكارات، قليل البارات»، أو «كثير الشهادات، ضعيف الثمرات» ومرد ذلك إلى أمور ثلاثة:
1ـ عدم المتابعة: فأنا لم أتابع ما دَرَسْتُه، وحصيلتي العلمية وقفت عند حدود ما اكتسبته من دراسات أكاديمية ثانوية أو جامعية، وقد مضى عليها زمن طويل...، والعِلم ـ كما هو معروف ـ إن لم تتابعه نسيتَه، والإنسان نسَّاء...، ومشاغل الحياة وهمومها تزيد من النسيان، ومراحل العمر تتقلَّب من قوة إلى ضعف، ومرحلة الشباب في التحصيل العلمي، تختلف عن المراحل التي بعدها، وشيء آخر أضيفه أنني لم أواكب الحلقات العلمية التخصصية عطاء أو تلقياً، ثم إنني لم أكن محل استفتاء أو فتوى حتى أراجع أو أبحث أو أجدد الصلة بالمراجع العلمية.
2ـ عدم التخصص: أعتقد بعد هذه الرحلة العلمية الطويلة أنني أخطأت بالطلب العلمي الأفقي، وكان عليَّ أن أعمق الاختصاص في علوم الشريعة أو علوم الحقوق، أو علوم التربية... صحيح أنني اكتسبت ثقافة متنوعة، وتكونت لديَّ خلفية علمية جيدة، لكن هذا لا يغني عن التخصص العام أو التخصص الدقيق من خلال الدراسة الأكاديمية عبر أقسام الدراسات العليا، تحت إشراف الجهابذة من العلماء، أو من خلال المتابعة الشخصية. خاصَّة في هذا العصر الذي تشعبت فيه العلوم، وتوسعت فيه المعارف... «لو استقبلت من أمري ما استدبرت»، لاخترت أحد الميادين العلمية وتخصصت فيه. وأحمد الله على كل حال.
3ـ عدم التفرغ: رحم الله الإمام الشافعي القائل: « لو كُلِفتُ شراء بصلة ما استطعت حل مسألة»،«والعلم إن لم تعطه كلك لا يعطيك بعضه». هذه حقيقة فالعلم يحتاج إلى تفرغ كامل، وطلب مستمر، ومذاكرة دائمة، ومعايشة يومية... وكل ذلك لم يتهيأ لي، فقد كان يتوزع وقتي وجهدي بين أمور كثيرة، منها:
أ ـ كد العيش: إذ كنت مدرساً أتنقل بين مدرسة وأخرى، على تباعد مسافاتها، وتعدد مراحلها، وكثرة ساعاتها التي تقرب من خمس وثلاثين ساعة أسبوعية، مؤلفة من النصاب الوظيفي، وساعات إضافية في المدارس الأهلية، ولم تكن لديَّ وسيلة مواصلات، إلا الباصات المكتظة، وما آتاني الله من نعمة المشي على الأقدام.
ب ـ درس مسجدي أو درسان: كانت لي دروس مسجدية في جامع زكي باشا في حي الإسماعيلية، ودرس في جامع الصديق في حي الجميلية، ودرس في جامع الشيط في حي الأنصاري سيف الدولة، ودرس في جامع السبيل، وهو الدرس الذي استمر حتى اعتقالي عام /1979/ أما الدروس الأخرى فقد توقف أحدها عند اعتقالي عام /1967/،والثاني توقف عند اعتقالي سنة /1973/، والثالث توقف عند اعتقالي عام /1979/, هذه الدروس ـ ولا شك ـ كانت تكلفني تحضيراً وإعداداً ووقتاً.
ج ـ النشاط الدعوي الإخواني: أقول ـ وبغير مبالغة ـ كان لديَّ في الأسبوع مالا يقل عن عشرة مواعيد تتعلق بالعمل العام ومسؤولياتي التربوية والتنظيمية، على تباعد الأماكن، وقلة المواصلات، وارتفاع الطوابق، وكثرة الدرج صعوداً أو نزولاً، وسبحان من بارك في الوقت والجهد.
د ـ واجبات الأسرة: كانت لديَّ أسرة مكونة من ستة أولاد إضافة إلى أمهم، ولا شك أن القيام على خدمة أسرة مكونة من ثمانية أنفار، تحتاج إلى توفير حاجات البيت، ومستلزمات العيش، ومواد التموين، إضافة إلى ضرورة تعليم الأولاد وتقويتهم في بعض الدروس، وإعدادهم للامتحانات، وخاصة إنني كنت أحرص على تفوقهم وحصولهم على المعدلات المرتفعة، وبالمناسبة فإنني أتذكر أنني كنت أقويهم حتى في المواد العلمية، وإلى الأول الثانوي في مواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء، فضلاً عن مادة اللغة العربية وغيرها من العلوم الإنسانية...
هـ ـ سجون أربعة وسنوات أربع: أربع سنوات من السجن المتقطع حرمنا فيه القلم والورق والكتاب، بل وحتى القرآن الكريم مع ما يصاحبه من تعذيب جسمي ونفسي، وخوف ورعب، وقلق على الأهل والأولاد، والإخوة والأحباب، والخوف الدائم من قدوم معتقل جديد، وإجراء تحقيق جديد، وما يتبعه من أسئلة وتعذيب.
أنَّى لمثل هذا العبد الضعيف أن يكتسب ما اكتسبه إخوانه من مكانة علمية، وقدرة على البحث والتحقيق والتأليف، وتبحر في العلوم، بارك الله في وقتهم وجهدهم وعطائهم؟!.
وختاماً فهل تراني نادماً على ما فات؟! لا والله... إني لأحمده على ما يسَّر لي من علم قليل، وما وفقني له من عطاء، وأُثني عليه سبحانه إذ استعملني في طاعته، وخدمة دعوته، وتبليغ رسالته، وتربية أنصاره، وقد أضحَوْا اليوم ملء السمع والبصر، نفع الله بهم وكتب على أيديهم عز الإسلام، وثبتني وإياهم على صراطه السوي وهديه المستقيم ودينه القويم.
وتحدثاً بنعمة الله تعالى، فقد كنتُ مدرساً ولمدة أربعين سنة، بضاعتي من العلم قليلة، صحيح... ولكني بفضل الله أُوتِيَتْ حباً لمادتي، وعشقاً لدعوتي، وإخلاصاً في رسالتي، وتفاعلاً مع أفكاري، ونشاطاً في أدائي، فكنت مدرساً ناجحاً بشهادة المفتشين المختصين، والموجهين التربويين، والطلاب المحبين، والحمد لله رب العالمين...
يتبع في الحلقة الرابعة والعشرين، ونتحدث فيها عن العمل والوظيفة وكد العيش..
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين