الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (19)

الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (19)

التصنيف: علماء دعاة مربون
الاثنين، ٢٨ رجب ١٤٤٦ هـ - ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٥
170
محمد فاروق بطل
محمد فاروق بطل
الميلاد :1936 - 05 - 13- الوفاة :2024 - 07 - 24

تتمة الحديث عن .. أساتذتي في الدراسات الجامعية


6ـ الأستاذ عمر الحكيم
كان يدرسنا مادة حاضر العالم الإسلامي، وهي مادة جديدة ومستحدَثة في كليات الشريعة والجامعات الإسلامية، وبحكم أن الأستاذ الحكيم كان يدرس الجغرافيا في كلية الآداب، فقد أُسنِدت إليه هذه المادة، وشخصية الأستاذ الحكيم على فضله، كانت شخصية عسكرية بطريقةِ حديِثهِ وقوة شخصيته،وعدم تساهله في تنفيذ أوامره... وقد بقي في ذاكرتي: أنه شارك في الحرب العالمية الثانية.


وزَّع علينا بحوثاً جامعية للكتابة فيها، وكان من حظي العاثر، أنه كلفني بكتابة بحث عن الأحزاب الإسلامية في أندونيسيا، وكان ذلك عام /1956/، وكان قلَّ من يعرف شيئاً عن أندونيسيا، فضلاً عن الأحزاب الإسلامية فيها، وذهبت أبحث في المكتبات عن كتاب أو مرجع فلم أعثر على شيء، ورحت أبحث في المكتبة الظاهرية(1)، فلم أهتد إلى مصدر أو كتاب، وعدت إلى الأستاذ الحكيم أشكو إليه عدم عثوري على مرجع للبحث، قال بلهجة عسكرية: اذهب إلى الملحق الثقافي في السفارة الاندونيسية!! وسألت عن عنوان السفارة في دمشق فقيل لي: لا توجد في دمشق سفارة لأندونيسيا، وهي في بيروت، لكن كيف لي أن أذهب إلى بيروت وأنا لا أملك من المال إلا القليل؟! أسكن في غرفة بئيسة في جامع النقشبندي في حي السويقة، يشاركني فيها عمي ـ نزار الذي يدرس الطب ـ وخالي حسن الذي يدرس الحقوق، ثم إنني كنت أعيش على خمس عشرة ليرة سورية في الشهر، هو ما يرسله لي الوالد ـ رحمه الله تعالى ـ الذي كان لا يتجاوز راتبه يومئذ/150/ل.س.


وهكذا عدت إلى الأستاذ الحكيم أستأذنه في تغيير موضوع البحث، وشرحت له الصعوبات التي واجَهْتُها، لكنه لم يقتنع بها فقال: استعن بالشيخ علي الطنطاوي فقد زار أندونيسيا، وألقى محاضرة عنها في مركز الإخوان في الشهداء في دمشق، وسألت كيف يمكن أن أزور الشيخ الطنطاوي قاضي الشرع الممتاز؟ فقيل: إنه لا يستقبل أحداً في بيته، قلت: أتصل بهاتفه، فقيل لي: إنه لا يرد على هاتف، بل إنه لا يسمح لمصلحة الهاتف أن تورد اسمه في الدليل، ولا للاستعلامات أن تعطي رقمه لأي مستعلم، ثم قيل لي: إذا كنت تريد لقاء الأستاذ الطنطاوي فما عليك إلا أن تصلي الفجر، وتركب الباص المتجه إلى المهاجرين، وفي آخر محطة تنزل، فتراه يجلس يومياً في المكان المطل على غوطة دمشق، حيث توجد أمام القهوة كراسي للعموم، فتجده هناك، وفعلاً... كان الأمر كذلك، رأيته ـ رحمه الله تعالى ـ يجلس لوحده في مثل هذه الساعة المباركة، وفي مثل هذا الوقت الجميل، ومن هذه الإطلالة الرائعة، ترى أحياء دمشق وقبابها ومساجدها وساحاتها، ومن ورائها بساتين الغوطة وأشجارها الباسقة، منظر جميل خلاب مدهش، يحرك قريحة الأدباء والشعراء والرسامين،ومن أجل هذا يجلس الأديب الكبير علي الطنطاوي هنا يومياً يتأمل عظمة الله، ويتفكر في آلائه، ويستوحي جمال ما أبدع الله...


اقتربت من الأستاذ الطنطاوي بأدب، وحييته باحترام، وجلست إلى جانبه على استحياء، ثم عرَّفته بنفسي: تلميذكم محمد فاروق بطل طالب في السنة الأولى كلية الشريعة، قال باقتضاب: أهلاً وسهلاً. ثم حكيتُ له قصتي مع الأستاذ عمر الحكيم، والبحث الذي كلفني به، والصعوبات التي تواجهني في إعداده، ثم رجوته؛ أن يساعدني في إرشادي إلى بعض المصادر والمراجع، رجوته أن يأذن لي بالاطلاع على ما كتبه في محاضرته التي ألقاها بُعيْدَ عودته من أندونيسيا، فقال لي ـ مستغرِباً ومستنكِراً ـ: هل هذا معقول ؟! محاضرة أجهزها لتكون كتاباً كيف أعطيك إياها؟ قلت له مؤكداً: أردها لك بمجرد الاطلاع عليها، ولا أسرق منها شيئاً، قال: أنت مجنون! مستحيل أن أعطيك شيئاً، قلت له: كيف أستطيع كتابة مثل هذا البحث؟! قال: هذه ليست مشكلتي، اذهب... (وتكلم كلمة مسيئة بحق الأستاذ الحكيم، لا أريد أن أذكرها) ـ غفر الله للاثنين، ورحمهما رحمة واسعة ـ.. وهكذا خاب أملي، ولكن:[إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا].فألهمني الله زيارة الأخ الدكتور سعيد رمضان المصري، صهر الإمام الشهيد البنا، والداعية المعروف، ومؤسس مجلة المسلمون، والأمين العام للمؤتمر الإسلامي الذي تأسس في القدس، وكان مقره في دمشق، زرت الأخ أبا أيمن د. سعيد، وعرضت عليه قضيتي، فرحب بي أجمل ترحيب، ووعدني بالمساعدة، وأعارني بعض الكتب، وطلب إليَّ الرجوع إلى مجلة (المسلمون)، وخاصة الصفحات الأخيرة من أعدادها، حيث تذكر أبرز أحداث العالم الإسلامي، قال: اجمع منها ما يهمك ويفيدك، واقرأ ما أعطيتك من كتب، واستخلص مادة بحثك، ثم اعرضه عليَّ فأراجعه، ونستكمل نقصه، وفعلاً قد تم الأمر كذلك، فلما فرغت منه، ذهبت إلى منزله، لأعرض عليه بحثي، ومن حسن حظي، أنني وجدت في ضيافته: الأستاذ الطنطاوي، والأستاذ محمد أسد المسلم النمساوي الذي كان اسمه(ليوبولد فايس) صاحب الكتاب المشهور(الطريق إلى مكة)(2). الذي طبع كذلك باسم الطريق إلى الإسلام.


وأخيراً فإنني قد عرضت ما أعددته من بحث على أستاذنا الداعية الكبير أبي أيمن فوافق عليه، ثم قدمته للأستاذ الحكيم، فوافق عليه، والحمد لله رب العالمين.


ملاحظة: وللعلم فإن العلماء الأجلاء أساتذتنا الكبار الزرقا والدواليبي والمبارك والحكيم، وكذا أبو غدة وشكري فيصل وأحمد قلاش، تُوفوا خارج الوطن في السعودية، ودُفنوا فيها بعيداً عن بلدانهم وأهليهم، أمضوا في المنفى أكثر من عشرين سنة، قاتل الله الطغاة الظالمين ورحمه الله علماءنا الأبرار المخلصين.

يتبع في الحلقة العشرين، ونتحدث فيها عن الأستاذ الدكتور الموسوعي عبد الكريم اليافي ـ حفظه الله تعالى ـ.


(1) في هذه المكتبه، وفي هذا الوقت، كنت أرى الشيخ ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ وبين يديه المراجع والمصادر، كما كنتُ أرى الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير ـ رحمه الله تعالى ـ يقرأ ويبحث، وإن أنس لا أنسى التكية السليمانية في دمشق، والشيخ النبهاني قد نشر الصحف بين يديه وعلى سجاد المسجد يقرأ ويقص المختارات من الأخبار ليحللها سياسياً.
(2) سأحكي تفاصيل هذا اللقاء حين أتحدث عن الأستاذ محمد أسد ـ رحمه الله تعالى ـ.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين