الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (18)

الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (18)

التصنيف: علماء دعاة مربون
الجمعة، ٢٦ جمادى الآخرة ١٤٤٦ هـ - ٢٧ كانون الأول ٢٠٢٤
133
محمد فاروق بطل
محمد فاروق بطل
الميلاد :1936 - 05 - 13- الوفاة :2024 - 07 - 24

تتمة الحديث عن .. أساتذتي في الدراسات الجامعية


5 ـ الأستاذ الأديب الكبير والقاضي الممتاز الشيخ علي الطنطاوي ـ رحمه الله تعالى ـ:
الأديب الكبير، وقاضي الشرع الممتاز الشيخ علي الطنطاوي، دُعِي لتدريسنا مادة فقه السيرة، ولم نكد نحضر بعض محاضراته القيِّمة، حتى اعتذر، بسبب أن الأخت السيدة نادرة شنن(1)(حلب) كانت قد تخصصت في الأدب العربي، وأرادت أن تدرس في كلية الشريعة، وهي فتاة ملتزمة محجبة قوية الشخصية، وأراد الأستاذ الطنطاوي إخراجها من قاعة الدراسة، رفضاً للاختلاط بين الطلاب والطالبات، رجته وحاورته أن لا يفعل ويسمح لها بالبقاء وحضور محاضراته، لكنه أبى إلا أن تغادر القاعة، فرفضت الخروج، علماً أنها جلست في الصف الخلفي من القاعة، ووراء الطلاب، لكن اجتهاد الشيخ أن حضورها يمثل مدخلاً خطيراً واختراقاً كبيراً لنشر الاختلاط في كلية الشريعة.


حاول أساتذتنا السباعي والزرقا والدواليبي ومَنْ له دالَّة على الشيخ الطنطاوي ثَنْيَه عن رفضه السماح لطالبة واحدة حضور محاضراته في فقه السيرة، لكنه أصر، وأصرت عمادة الكلية على أن ليس ثمة حرج شرعي من حضورها، خاصَّة وأن الكلية ناشئة، وتريد اجتذاب الطالبات إلى كلية الشريعة، لتقوم النهضة الإسلامية على دعامتيها الرجال والنساء، إذ لا يمكن أن تقوم نهضة إسلامية أو صحوة إسلامية واعية، إلا أن يسهم الرجال والنساء والشباب والشابات، المثقفون والمثقفات، في النهوض بأعباء الحركة الإسلامية والدعوة الإسلامية.


والشاهد على ذلك أحداث السيرة النبوية ذاتها التي لا نكاد نجد صفحة واحدة أو سطراً منها، إلا وللنساء فيها حضور، ومساهمة فاعلة، بدءاً من الأيام الأولى للرسالة، وانتهاء بآخر لحظة من حياة الرسول الكريم .


وللإنصاف أقول: إن شيخنا الطنطاوي لم يكن ضد تعليم البنات، لكن كان ضد الاختلاط(2)، حتى إنه عرض أن يتطوع مجاناً بإعطاء محاضرات خاصَّة للطالبات، وأخرى للطلاب، وقدَّرت عمادة كلية الشريعة أن هذا الأمر غير عملي وغير مبرر، طالما أن الطالبات ملتزمات، ويحضرن بكامل حجابهن وحشمتهن، ويجلسن وراء الطلاب.


وفوجئنا ذات يوم بشيخنا الطنطاوي، وفي موعد محاضرته، يعلن اعتذاره الكلي عن إعطاء محاضراته. وقال: (مات علي الطنطاوي)!! وكانت خسارة كبيرة أن نُحرَم من تدريسه وأفكاره وتحليلاته في مثل هذه المادة المهمة، ولي مع الأستاذ الطنطاوي ذكريات أخرى سأحكيها في مواقعها إن شاء الله .


الشيخ الطنطاوي أبرز القضاة في دمشق وقد وصل إلى أعلى منصب فيه، فكان قاضي الشرع الممتاز لفترة طويلة، حتى أصدر حافظ أسد قانوناً برفع الحصانة عن القضاة لمدة /24/ ساعة، سرَّح بموجبه عدداً كبيراً من أنزه القضاة بينهم الطنطاوي، وهذه مذبحة أخرى تضاف إلى مذبحة التعليم، تبعيثاً للجيش والإعلام والقضاء والتعليم... التي مارسها البعث ونفذها الطاغية...


من مواقف الطنطاوي المشهورة: أنه دعي لحفل تكريم القانوني الكبير الدكتور العلامة عبد الرزاق السنهوري ـ رحمه الله تعالى ـ فلما حضر الحفل، وجد زجاجات الخمر على موائد الحفل، فدفع بيده الطاولة وما فوقها، وتهشمت زجاجات الخمر، ثم انسحب بعد أن ألقى كلمة مرتجلة هاجم فيها مَن أحضر الخمر ومَن يشربه. وحادثة أخرى كان يخطب الجمعة، والخطبة تبث على الهواء من إذاعة دمشق، فهاجم رئيس الوزراء خالد العظم الذي رعى حفلة مختلطة في إحدى مدارس دمشق، وكان الأمر محرجاً للحكومة.


قدَّر الله لي أن أكون خطيب الجمعة ذات يوم في مسجد جامعة الملك عبد العزيز الكبير بجدة، وقد أوردتُ في خطبتي قصة لقاء الشيخ الطنطاوي مع الأستاذ محمد أسد ( ليوبولد فايس) وسؤاله له عن قصة إسلامه... وقد حكيت تفصيل هذا اللقاء في حديثي عن الأستاذ عمر الحكيم الآتي... لكن لم يرد بخَلَدي أن الأستاذ الطنطاوي كان بين المصلين ـ رحمه الله تعالى ـ، وأن أحكي على مسمعه مثل هذه القصة.


حين قابلت في زيارتي الأخيرة لبغداد،نائب الرئيس (طه ياسين رمضان) صحبة أخينا رياض شقفة (أبوحازم) اقترحت عليه إكرام الشيخ علي الطنطاوي، ومنحه جائزة تقديرية، وتخصيص شارع باسمه أو مثل ذلك... نظراً لأن الشيخ الطنطاوي درَّس في العراق، وأسهم في نهضتها الأدبية والعلمية، ثم إنه وقف موقفاً مشرفاً من الغزو الأمريكي للعراق، ورفض أن يكتب أي حرف في تأييد دخول القوات الأمريكية للمنطقة رغم الضغوط الكبيرة التي تعرض لها، والتي دفع ثمناً كبيراً لهذا الموقف... لكن المسؤول العراقي الكبير اكتفى بهزِّ رأسه، وما أظنه قد فعل شيئا،ً مما اقترحته عليه.


يتمتع الشيخ الطنطاوي بشخصية قوية، وجرأة نادرة، وثقافة متنوعة، وروح مرحة، ونكتة حاضرة، وقلم بليغ، وحديث جذاب، وأدب رفيع، كان أحد الكتاب الرئيسيين في مجلة الرسالة الرائدة التي كان يصدرها الأستاذ الأديب أحمد حسن الزيات، كان مُميَّزاً في أحاديثه الإذاعية في دمشق وفي أحاديثه الرمضانية في السعودية، ولم يستطع أحد أن يعوض عنه حين توقف عن هذه الأحاديث، زرُته ذات يوم في مكة المكرمة، وسمعته يعتذر عن عدم استقباله الضيوف أو إجابته على الهاتف: أنه لو فعل ذلك لَحُرِم قراءة مائة صفحة يومياً... هكذا كان حاله في دمشق ومكة، نادراً ما كان يستقبل أحداً أو يرد على هاتف، إلا في ساعات مخصصة للإفتاء، وبتكليف من جامعة أم القرى. لكن اختلف حاله حين سكن في جدة وعانى من الوحدة والغربة والملل والقلق والاكتئاب، كان يطلب من الناس أن يزوروه ويقول ـ رحمه الله تعالى ـ كأن الله يعاقبني عن أيام خلت، حين كنت أعتزل الناس، وأعتذر عن استقبالهم، وأتهرب من لقائهم، وجاء اليوم الذي أرجوهم زيارتي، وأذكر أنني كنت في سهرة عنده مع بعض الإخوة، وتأخر الوقت وأردنا الانصراف، فقال الشيخ الفاضل: لماذا تريدون الذهاب وتتركوني وحدي؟ إن كنتم جياعاً أتيتكم بطعام، وإن كنتم عطاشاً أتيتكم بماء، وإن كنتم نعاساً أتيتكم بفراش، لكن إن كنتم تريدون نساء، فوالله ما عندي شيء من ذلك، وضحك وضحكنا، ثم انصرفنا، وكان هذا آخر لقاء لي به ـ رحمه الله تعالى ـ.


يتبع في الحلقة التاسعة عشرة، ونتحدث فيها عن الأستاذ عمر الحكيم.


(1) تزوجت الأخت نادرة أخاً مصرياً حين كانت تختص بالأدب الألماني في ألمانيا إضافة إلى تخصصها في الأدب العربي والشريعة، درَّست في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ثم أقامت مع زوجها وأولادها في مصر.
(2) كان للشيخ مواقف جريئة ومشهورة في مواجهة المنكر المعلن أنصح بالرجوع إلى مذكراته للتعرف إلى هذه المواقف، بل للتعرف على تاريخ هذه الشخصية الإسلامية الفذة.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين