
تتمة الحديث عن .. أساتذتي في الدراسات الجامعية
4 ـ الأستاذ الدكتور معروف الدواليبي ـ رحمه الله تعالى ـ
درست معه علوم السنة في كلية الشريعة، وعلم أصول الفقه والقانون الروماني في كلية الحقوق، ونظراً لمناصبه الحكومية والسياسية والحزبية، فكنت قلَّ أن أراه في محاضرة، وإنما ندرس كتبه المقررة جامعياً، ثم نُمتَحَن فيها.
زرته في بيته في شارع أبي رمانة بدمشق حين كان رئيساً للوزراء ، ضمن وفد من الإخوة مدرسي التربية الإسلامية لمطالبته بمعالجة بعض همومنا الإسلامية.
والأستاذ الدواليبي كان أحد أركان حزب الشعب، وكان رئيساً للمجلس النيابي السوري في فترة، ورئيساً للوزارة أكثر من مرة، ووزيراً للدفاع الوطني، ووزيراً للاقتصاد الوطني، ووزيراً للخارجية، ورئيس وفد سورية في مؤتمر باندونج الذي جمع ممثلي دول الحياد الإيجابي عام 1957 في مواجهة المعسكَرَيْن الكبيرين أمريكا والاتحاد السوفيتي. والحرب الباردة بينهما. وبتعبير آخر كان أحد شخصيات سورية الهامة، وكان العسكر لا يتحملون صرامته وحزمه وقوة شخصيته، خاصة حين تسلم وزارة الدفاع لذلك كان سبب انقلاب فوزي سلو وأديب شيشكلي... بل إن الدكتور الدواليبي كان تاريخاً حافلاً، شارك في أحداث سورية والمنطقة، ويعود له الفضل بعد فضل الله في تحرير سورية من الاستعمار الفرنسي، وفي نجاة الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، وتهريبه من فرنسا، وقد كان مطلوباً بقوة من قوات الحلفاء، متهِمين إياه بالتعاون مع هتلر، وحين كنا نزوره في قصر المؤتمرات بجدة بين فترة وأخرى ـ وقد كان مستشاراً في الديوان الملكي في السعودية ـ كان يحكي لنا بعض ذكرياته في هذا الخصوص. يقول عنه زميله الشيخ علي الطنطاوي ـ رحمه الله تعالى ـ: «ولكن هنا في المملكة من قدماء أصدقائنا، ومن رفاقنا في كلية الحقوق، رجلاً كان وراء الحُجُب( الكواليس) هذا الرجل الذي وَلِي رئاسة وزارة سورية، ورئاسة مجلسها النيابي، وكان أول مَن تجرأ على الكلام في كسر احتكار الدول الغربية للسلاح، وحَظْر استيراده إلا منهم، هو الدكتور معروف الدواليبي، وأنا أقترح على الجريدة أن تبعث إليه مَن يسمع منه هذا الحديث ـ ويكتبه، وكيف نجا على يديه مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني ـ رحمه الله تعالى ـ من براثن الحلفاء، وما صنع مما هو أقرب إلى الأساطير منه إلى الواقع،وإن شئتم ما هو خير من ذلك وأجدى على الجريدة وأنفع للتاريخ، فاستكتبوه مذكراته(1)، وستجدونها من أغنى الذكريات بالمعلومات(2).
حقاً ما قاله الأديب الكبير الشيخ الطنطاوي ـ رحمه الله تعالى ـ فقد كنا نزوره في قصر المؤتمرات في جدة الذي كان يقيم فيه خلال وجود الملك فهد ـ رحمه الله تعالى ـ في جدة، و كان الدواليبي مستشاراً له، وقبله لِلمَلِكين الراحِلَيْن فيصل وخالد ـ رحمهما الله تعالى ـ وقد كان للدواليبي أثر كبير في تحديث قوانين المملكة، ومواجهة المشايخ المعترضين المتشددين من خلال مناقشتهم ومحاورتهم بحججه الشرعية، وثقافته القانونية ـ مدعوماً من الملك ـ ولذلك لم يكن محبوباً ولا مُرحَّباً به من جهة هؤلاء المشايخ.
يتبع في الحلقة الثامنة عشرة، ونتحدث فيها عن الأستاذ الأديب الكبير والقاضي الممتاز الشيخ علي الطنطاوي ـ رحمه الله تعالى .
(1) أنصح بقراءة مذكراته التي صدرت في الرياض عام /1426ـ2005/ طبعة أولى، صادرة عن مكتبة العبيكان، إعداد د: عبد القدوس أب وصالح وتحرير د. علي الهاشمي.
(2) مذكرات الطنطاوي 5/113.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين