
تتمة الحديث عن .. أساتذتي في الدراسات الجامعية
3ـ الأستاذ محمد المبارك ـ رحمه الله تعالى ـ:
إنه ابن علامة العربية الشيخ عبد(1) القادر المبارك عضو المجمع العلمي العربي في دمشق، وتلميذ المحدث الشيخ بدر الدين الحسني ـ رحمه الله تعالى ـ وأستاذنا المبارك (أبو هاشم) هو الآخر مزج بين الدراسات الشرعيَّة والعربية والحقوقية، وجمع بين التلقي على أيدي كبار الشيوخ(2) والعلماء في دمشق، وبين التلقي على مقاعد الدراسة في جامعة دمشق، ثم في جامعة (السوربون) في باريس، حيث درس الحقوق وفقه اللغة، مارس المحاماة، ودرَّس اللغة العربية في ثانويات حلب ودمشق، ثم درَّس مادة فقه اللغة في كلية الآداب بجامعة دمشق، وحين أُنشِئت كلية الشريعة، درَّسنا مادة نظام الإسلام، وهي مادة مستحدَثَة كتب فيها المبارك مذكرة قيِّمة، تعرض خصائص الإسلام بشموله وتوازنه ووسطيته واستيعابه كافة مجالات الحياة بأسلوب جامعي حديث، ودرَّس الأستاذ المبارك كذلك مادة المجتمع الإسلامي، وكان العميد الثاني لكلية الشريعة بعد انتهاء مدة عمادة الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ، ولا ننسى أن الأستاذ المبارك ـ رحمه الله تعالى ـ كان من مؤسسي الحركة الإسلامية، ورواد الصحوة الإسلامية الأوائل في سورية، مثَّلها في البرلمان نائباً، وفي مجلس الوزراء وزيراً للأشغال العامة، وقد سمعت شيخنا الطنطاوي ذات يوم يتحسَّر على حرمان الأمة من فكر وذكاء الأستاذ المبارك الذي شغلته السياسة، وصرفته عن العطاء العلمي، وفعلاً كان الذكاء يلمع في عينيه ـ رحمه الله تعالى ـ على شدة أدب، وسمو خلق، وإخلاص عالم، وصدق داعية، والتزام رسالة، وتواضع رائد... ومع هذه الذكريات العلمية، فإن لي معه الذكريات الشخصية التالية:
1ـ كان الأستاذ المبارك ـ رحمه الله تعالى ـ أميناً عاماً لأسبوع الجزائر التي كانت ترزح تحت الاستعمار الفرنسي، والأستاذ المبارك بحكم أن أصله مغربي، ولكونه أحد قادة العمل الإسلامي في سورية، فإنه كان يولي اهتماماً كبيراً لتحرير دول المغرب العربي المستعمرة، التقيتُه في مركز الإخوان بالشهداء في دمشق، وأظن أن اللقاء كان موعد محاضرة للأستاذ الطنطاوي، يتحدث عن رحلته لأندونيسيا، فطلب إليَّ الأستاذ المبارك ـ أو رشحني له الأستاذ عصام عطار رئيس مركز دمشق ـ لأتولى إدارة مكتب أسبوع الجزائر الكائن في المرجة، وكنت لا زلت في السنة الأولى من كلية الشريعة سنة /1955ـ1956/، وكان يساعدني في إدارة المكتب سكرتير ضارب على الآلة الكاتبة. إلى جانب شرطي لتوزيع البريد.
كان يساعد الأمين العام الأستاذ المبارك ـ رحمه الله تعالى ـ ثلة من الشخصيات الإسلامية والقانونية والسياسية ـ كمجلس للأمانة العامَّة ـ منهم الدكتور سعيد رمضان الأمين العام للمؤتمر الإسلامي (القدس)، والأستاذ عصام العطار رئيس مركز الإخوان في دمشق يومها، والأستاذ المحامي رياض العابد مستشار الرئيس شكري القوتلي، والأستاذ عبد الرحمن طباع الأمين العام لوزارة الأوقاف، وشخصيات أخرى لم أعد أذكر أسماءها، ولا زلت أذكر ما حكاه لنا الأستاذ رياض العابد المستشار في القصر الجمهوري، كيف حُبِكَتْ قصة جول جمال عام /1956/ أثناء العدوان الثلاثي على مصر، وكيف صُنِعت مسرحية بطولته، وما سُمِي استشهاده، كمحاولة لمعالجة آثار ما نشأ بين المسلمين والمسيحيين في حلب من خلاف وعدوان وحرق مؤسسات، وهكذا حُبِكت هذه المسرحية، كإعادة اعتبار للمسيحيين في سورية.
خلال أحداث العدوان الثلاثي على مصر، وما خلَّفه من آثار على سورية، استأذنت الأستاذ المبارك في السفر إلى حلب لزيارة أهلي بعد غياب، وحاول الأستاذ المبارك إقناعي بتأجيل السفر، وألححت في الاستئذان، ليقع ما قدره الله لي من حادث تدهور الباص قرب حمص، مما سأحكي تفصيله في موضع آخر ـ إن شاء الله تعالى ـ.
2ـ أديت العمرة سنة /1976/ وحرصت على زيارة الأستاذ المبارك المستشار لمدير جامعة الملك عبد العزيز الدكتور عبد الله عمر نصيف، والأستاذ في كلية الشريعة في مكة المكرمة، رأيته مبتهِجاً بصدور كتاب تربية الأولاد في الإسلام للأخ الشيخ عبد الله علوان ـ رحمه الله تعالى ـ وأنه كتاب منهجي، جمع مادة غزيرة، تساعد كل من يريد أن يكتب في النظرية التربوية الإسلامية، لكنه في العام التالي، وفي زيارة أخرى لمكة المكرمة، رأيتُه مستغرباً من صدور كتاب «خطوة على طريق الجهاد» للأخ الشيخ سعيد حوى ـ رحمه الله تعالى ـ ولم يكن اعتراضه على موضوع الكتاب ومادته، وإنما على توقيت صدوره في وقت أَعلَنتْ فيه الثورة الإسلامية في سورية منهجها، وأصدرت ميثاق الجبهة الإسلامية.
3 ـ وكان للأستاذ المبارك ـ رحمه الله تعالى ـ فضل عليَّ مستمر بعد فضل الله سبحانه، فقد كان سبب تعاقدي مع جامعة الملك عبد العزيز، وتدريسي في هذه الجامعة عشرين سنة، مما سأتحدث عنه تفصيلاً في فصل آخر إن شاء الله.
4 ـ وشاء الله أن يكرمني بشرف آخر، هو أنني أضحيت زميلاً للأستاذ المبارك في كلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز، كان ـ رحمه الله تعالى ـ يغدو من مكة إلى جدة، ليلقي محاضراته على طلابه في قسم الاجتماع، وكنت أشفق على شيخوخته، خاصَّة وأنه كان يقود سيارته بسرعة، ويقول: الطريق بين مكة وجدة يستغرق معي 25 دقيقة، قلت له ذات يوم: حدثَتني أن لديك مشاريع علمية، وبعضها بتكليف من منظمة اليونيسكو، فمتى تتفرغ لإنجاز هذه المشاريع التي تحتاجها الأمة وأجيال الصحوة الإسلامية؟؟ أجابني ـ رحمه الله تعالى ـ كلامك حق، أُمنِّي نفسي بالتفرغ الكامل، بعد أن أفرغ من بناء سكني في عمان، قطعت فيه شوطاً، وأرجو أن أكمل الباقي، وبعد أسبوع من هذا الكلام توفي ـ رحمه الله تعالى ـ في المدينة المنورة، وهو آخر لقاء لي به، أسكنه الله فسيح جناته، وجزاه الله عني وعن طلابي والمسلمين كل خير.
يتبع في الحلقة السابعة عشرة، ونتحدث فيها عن الأستاذ الدكتور معروف الدواليبي ـ رحمه الله تعالى ـ
(1) كان مما يحكى عنه: أنه لم يكن يدخل بيتاً في دمشق إلا إذا اطمأن بوجود قاموس للعربية.
(2) منهم محدث بلاد الشام الشيخ بدر الدين الحسني ـ رحمه الله تعالى ـ.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين