
تتمة الحديث عن .. أساتذتي في الدراسات الجامعية
2ـ الأستاذ العلامة الشيخ مصطفى الزرقا
درست معه في كليتي الحقوق والشريعة أروع كتاب في الفقه المعاصر وهو من تأليفه المبدِع المبتكَر، بعنوان« المدخل الفقهي العام»وهو الإصدار الأول من سلسلة:«الفقه الإسلامي في ثوب جديد» والذي بلغت صفحاته قرابة /1200/صفحة(1) بمجلدين ضخمين، وبعبارة سهلة ميسرة، وبترتيب مدهش، وبهوامش معبرة، كانت تطبعه مطبعة جامعة دمشق، جزءاً بعد جزء، ونتلقاه كراسة بعد كراسة، أرجو أن لا يظن الأخ القارئ أنني مندفع عاطفياً فيما أكتب. ولكنها مشاعر طالب قرأ كتب الفقه القديمة التي كُتِبت في عصر المتون والشروح، والمختصرات والحواشي، والألفاظ الصعبة والاختزالات المبهمة في دور الانحطاط الذي مر به الفقه الإسلامي، فجاء هذا الكتاب الرائع واضحاً، سهلا ًميسراً، بلغة علمية وأدبيه حديثة، وبلسان القرن العشرين، سألت شيخنا الزرقا حين شرَّفني بزيارة بيتي في جدة في أمسية مع الإخوة السوريين، لتكريم شيخهم العلامة الزرقا بمناسبة زيارته جدة، قادماً من الرياض، سألته: كيف تيسَّر لك أن تؤلف هذا الكتاب القيِّم بمثل هذه السلاسة؟ وبمثل هذا الأسلوب؟ حتى أضحى طلاب الثانوية العامَّة المنتسبون لكليتي الشريعة والحقوق يفهمونه، ويدرسونه، علماً أنه يعرض لأمهات المسائل الفقهية والقواعد الفقهية، والنظريات الفقهية، وقواعد السياسة الشرعيَّة، والأصول التي قام عليها الفقه... أجاب ـ رحمه الله تعالى ـ بعفوية عجيبة، وبلهجة حلبية مميزة ـ: زوجتي تحمل الشهادة الثانوية العامة، كنت أكتب الصفحة والصفحتين، ثم أعرضها عليها، فإن فهِمَتْها ثَبَّتُّ ما كتبْتُه، وإن لم تفهمه عدَّلت النص، ثم عدَّلته إلى أن تفهمه، أي جعلتُها هي المقياس لكل من سيدخل كلية الحقوق من حملة شهادة الدراسة الثانوية العامَّة، وهكذا جاء الكتاب ميسراً مبسَّطاً بحمد الله تعالى.
ثم قال ـ رحمه الله تعالى ـ: رجوت أن يكون هذا الكتاب حجة على المحامين والقضاة والسياسيين الذين يعتذرون عن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بأن كتبها الصفراء غير مفهومة لديهم، وأنها صعبة التطبيق، عسيرة الاستيعاب، وقد ذكر أستاذنا الزرقا في مقدمة كتابه هذا؛ أن مما حمله على تأليف هذا الكتاب هو: أنه حضر مؤتمراً دولياً حقوقياً في باريس، تحت اسم: «أسبوع الفقه الإسلامي» عام /1957/وحين عرض الأستاذ الزرقا وغيره من علماء المسلمين على المؤتمِرين بعض نظريات الفقه الإسلامي، عجب المؤتمرون لعظمة الفقه الإسلامي وسَبْقَه وريادته بالنسبة للقانون الدولي، وأصدروا قراراً باعتبار الفقه الإسلامي أحد أهم مصادر القانون الدولي، وناشدوا فقهاء المسلمين أن يعرضوا كنوز الفقه الإسلامي بشكل حديث، وبأسلوب معاصر، حتى يمكِّنوا القضاة والمحامين والقانونيين والباحثين من الرجوع إلى هذا التراث القانوني الضخم الرائد، والإفادة منه(2).
وليسمح لي الإخوة القراء أن أعرض بعض الذكريات الشخصية مع الشيخ الجليل الذي أحببته إلى جانب تقديري العلمي لفضله وريادته.
أ ـ دعانا الأخ الدكتور عمر حافظ مدير مركز الاقتصاد الإسلامي العالمي إلى لقاء في منزله العامر بحي الجامعة أو حي السليمانية، ودَعَى أساتذة الاقتصاد ومدراء البنوك في جدة إلى لقاء علمي مع العلامة الزرقا، ولقد كنت أعجب كيف كان شيخنا الجليل ـ وقد تقدمت سنه ـ كيف كان يستوعب أسئلة هؤلاء الاقتصاديين والماليين الذين كانوا يعرضون عليه المعاملات المالية الحديثة بصيغها المعقدة، وتنوعاتها المختلفة، وأشكالها المتباينة، كان ـ رحمه الله تعالى ـ يستوعبها، ويفتيهم فيها، يصحح ما حلَّ منها، ويستبعد ما هو حرام، بما أعطاه الله من مَلَكَة فقهية ناضجة، وفهم عميق، واجتهادٍ جمع بين الأصالة والمعاصرة، خاصَّة وأنه ابن فقيهين عظيمين الأول: جده الشيخ ـ محمد الزرقا فقيه حلب وشيخ علمائهاـ ووالده الشيخ أحمد الزرقا ـ أمين الفتوى في مدينة حلب ـ وحُكِي لي أن جده كان يشهد لحفيده مصطفى بتفوقه الفقهي، وبنضج ملكته الفقهية، حتى إنه كان يقدمه على ولده! كان الجَد يقدر أن لحفيده مستقبلاً فقهياً عظيماً، وإذا كان الشيخان الأبوان قد تفوقا في الفقه القديم، فإن الشيخ مصطفى الزرقا تفوق على والديه(3) بدراسة الفقه الدولي الحديث من خلال دراسته في كلية الحقوق السورية، ودراسته في فرنسا، مما هيأ الله له أن يجمع بين الخَيْرين: الفقه الإسلامي الأصيل، والفقه الأوروبي الحديث، وكان نتاج ذلك؛ هذا السفر الفقهي الضخم الذي سماه: المدخل الفقهي العام.
ب ـ الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا إضافة إلى تدريسه في كليتي الشريعة والحقوق، فإنه كان رئيساً لقسم القانون المدني في جامعة دمشق، ورئيساً للجنة توحيد القانوني المدني ـ التابعة لجامعة الدول العربية ـ تطويراً لمجلة الأحكام العدلية التي وُضِعت أيام الخلافة العثمانية، والتي ألغاها وزير العدل أسعد الكوراني، مستغِلاً عهد الانقلاب العسكري الأول، والديكتاتور العسكري الأول في سورية حسني الزعيم.
جـ ـ شغل أستاذنا الزرقا منصب وزير العدل والأوقاف أكثر من مرة في العهود الديموقراطية، أراد زملاؤنا بعض مدرسي مادة التربية الإسلامية، والقادمون من مصر، يحملون الشهادات العالية من الأزهر، أرادوا إحداث نقلة إصلاحية في المساجد والمنابر، خاصَّة وأن بعض الأئمة والخطباء على غير علم، وعلى غير أهلية، بل وعلى غير إخلاص!! الوظيفة بالنسبة إليهم مصدر عيش وارتزاق، أكثر من كونها منطلق دعوة، ورسالة، وخلافة عن سيدنا رسول الله ^.
لقد شكل هؤلاء الإخوة وفداً، وذهبوا إلى دمشق للقاء الشيخ الزرقا وزير الأوقاف، وكلموه في ضرورة إسناد الخطابة في المساجد إلى أهل العلم والدعوة والإخلاص، وإبعاد الجهلة المرتزقة والمنافقين عن منبر رسول الله ^... الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ كان مؤمناً بضرورة تحقيق هذه الخطوة، لكنه كان حريصاً أن لا تعطي هذه الخطوة أي أبعاد سياسية أو حزبية، أولا تعطي أي لون، أو لا تكون محل إثارة إعلامية، فكان كلما اقُترح عليه اسم كان يقول: هذا فاقع اللون!!وهذا ظاهر الانتماء! وهكذا فشل المسعى... والشيخ كان حريصاً أن يكون حيادياً أكثر من اللازم، عكس الوزراء الحزبيين، فكانوا يستثمرون الفترة التي يستلمون فيها الوزارة، لتنفيذ أسوأ القرارات... فميشيل عفلق، وأكرم الحوراني حين استلم الأول وزارة التربية، واستلم الثاني وزارة الدفاع، ظلت البلاد تحصد من آثار قراراتهما سنوات طويلة، ولا تزال....
دـ ذهبت لزيارة أستاذنا وشاعرنا السفير عمر بهاء الدين الأميري في التسعينات من القرن الماضي، وكان مقيماً في مركز الخوجة بجدة، ومن حسن الحظ أنني وجدت في زيارته أستاذنا العلامة الشيخ الزرقا، فقال الأستاذ أبو براء الأميري للشيخ الزرقا: رجاء احكِ للأخ البطل قصة هذه المسبحة التي تحملها، فاعتذر الشيخ، وأصر عليه الأستاذ أبو براء، قائلاً: أبا نوفل! بالله عليك احك للأخ البطل قصتها، فهو حبيبنا وليس غريباً، وبعد إلحاح اقتنع الشيخ أن يحكي قصة المسبحة، فقال: هذه المسبحة واحدة من ثلاثة، اشتريتها من مكة المكرمة، أثناء حجي في الأربعينات، لم يبق عندي منها غير هذه المسبحة التي تراها، لكن واحدة منها لطشها مني وزير الأشغال العامة مجد الدين بك الجابري، فقد كنا في اجتماع مجلس الوزراء، وبعد انفضاض الجلسة، اقترب مني مجد الدين بك، وأمسك بالمسبحة التي أحملها، مبدِياً إعجابه بها، واستحييتُ أن أطلبها منه، وقلت في نفسي: لعله في جلسة قادمة يردها عليَّ، وجاءت الجلسة الثانية، ثم الجلسة الثالثة، لكن مجد الدين بك لم يردَّ عليَّ شيئاً، فقلت له: مجد الدين بك أين المسبحة فهي غالية عليَّ، وأنا حريص عليها؟! أجابني مجد الدين بك: لَهْ يا شيخ مصطفى! ألا تعرف قانون المسابح المشهور، والمتعارَف عليه؛ مَن حازها فقد ملكها. يقول الشيخ الزرقا: جادلته ورجوته، لكنه أصرَّ على الاحتفاظ بها، وما دريت أنه (لطَّاش) مسابح مشهور!! وفي منزله غرفة كبيرة خاصَّة لعرض المسابح التي (يلطشها)، وضحكنا طويلاً لهذه القصة، وعجبنا لاحتفاظ شيخنا الزرقا هذه المدة الطويلة بهذه المسبحة التي تداعبها أنامله على الدوام ـ رحمه الله تعالى ـ.
هـ ـ كنت كلما زرت الرياض، أحرص على زيارة أستاذي الجليل في بيته أو في مكتبه، حيث كان يعمل مستشاراً فقهياً للراجحي، أذهب صحبة أحد الأخوين الكريمين الدكتور الشيخ محمود ميرة، والمحامي د. عدنان سعيد (أبو بدر)، وفي زيارتي الأخيرة له، وقبل أسبوع من وفاته، دخلت عليه مع الأخ أبي بدر ـ وقد كان منهمكاً مع الدكتور معروف الدواليبي في تحقيق مسألة ـ وقد تجاوز كل منهما التسعين من العمرـ فلما رآني الشيخ الزرقا، قال للدكتور الدواليبي ـ مُرحِّباً بي ومشيراً إليَّ ـ: إنه الأخ محمد فاروق البطل أحد زعماء الإخوان المسلمين وأحد مسؤوليهم، قال د. الدواليبي: أعرفه، إنه يزورني في جدة... ومما يجدر ذكره وينبغي معرفته؛ أن الشيخ الزرقا ظل يحتفظ بمَلَكته الفقهية، وذاكرته العلمية حتى آخر لحظة من عمره الطويل المبارك، فقد كان قبل ثلث ساعة من وفاته، يراجع مع ولده د. أنس ـ حفظه الله ـ مسألة فقهية، ويطالب ولده ـ كما حكى لي ـ: هات كتاب كذا.... وكتاب كذا... وافتح صفحة كذا... ـ رحمه الله تعالى ـ وأجزل مثوبته.
وـ قال لي الأخ يحيى ـ وهو شاب من المغرب ـ ومن أبرز الناشطين في مقر اتحاد المنظمات الإسلامية في باريس، وممن يُعَنْون باستقبال ضيوف الاتحاد قال لي: سعدتُ باستضافة الشيخين الجليلين الزرقا وأبي غدة في بيتي، حين كانا في باريس، وتشرفتُ بخدمتهما، لكن ما أثار استغرابي ودهشتي، أنني كنت أسمع بالشيخ أبي غدة كثيراً، فقيهاً، عالماً محققاً برلمانياً، مراقباً عاماً للإخوان في سورية، لكني لم أكن أتوقع أبداً أن أرى أبا غدة يُقبِّل يدي الشيخ الزرقا، ويطعمه بيده، ويلبسه حذاءه، ويقوم على خدمته ـ بكل حب وأدب ـ قلت له: الشيخ الزرقا أستاذ أبي غدة، وهكذا كان الرجال، وهكذا يكون الوفاء، ومنهم ينبغي أن نتعلم، ولقد قيل ( حال رجل في ألف رجل، خير من قال ألف رجل في رجل). ولقد عشت هذا المعنى حقيقة واقعية حين رأيت أستاذنا الأميري الأديب الكبير، والشاعر الكبير، والسفير، وعضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين، ورفيق الإمام الشهيد حسن البنا، رأيته بأم عيني يرتِّب (يصُفُّ) أحذية ضيوفه على باب شقته، وكنت أحاول أن أثنيه عن ذلك، فيأبى، فأقول له: لله دركم أيها الرواد!! تبقَون معلمين بِقالِكم وحالِكم ـ ونفس الأمر، حدث معي مع شيخنا السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ حينَ زرته في بيته في المهاجرين ـ وهو مريض مشلول ـ فيأبى إلا أن يقدم الضيافة لي بنفسه، فأقف إجلالاً له وتهيباً واحتراماً، ويأبى إلا أن أجلس، وأتناول الضيافة من يده الكريمة ـ رحمه الله تعالى ـ.
يتبع في الحلقة السادسة عشرة، ونتحدث فيها عن الأستاذ محمد المبارك ـ رحمه الله تعالى.
(1) حسب الطبعة النهائية التي كانت عام 1416هـ 1996م، صادرة عن دار القلم، وقد أضيفت إلى هذه الطبعة مقدمتان هامتان واحدة للشهيد الأستاذ عبد القادر عودة ـ رحمه الله تعالى ـ والثانية للدكتور منير عجلاني، كما أن الأخ الحبيب الشيخ مجد مكي قام بتخريج الأحاديث التي وردت في الكتاب.
(2) أقترح على القارئ الكريم الرجوع إلى المدخل الفقهي العام ج 1 ص23ـ 25ـ طبعة دار القلم وهي آخر طبعة بإخراج جديد، تحدث المؤلف في هذه الصفحات تفصيلاًَ عن هذا المؤتمر الدولي وما دار فيه من نقاشات وحوارات وما اتخذ فيه من قرارات. وكان للأخ الحبيب الأستاذ مجد مكي ـ حفظه الله ـ دور هام في تصحيح الكتاب، وإخراجه متعاوناً مع نجل العلامة الزرقا الدكتور أنس ـ حفظه الله تعالى ـ.
(3) أعني الأب والجد.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين