
1ـ تتمة الحديث عن الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ
أما عن قربي من السباعي، فقد كان في أكثر من ساحة، وأكثر من ميدان...
* كنتُ قريباً منه في الجامعة، وفي كلية الشريعة، وقد كنت تلميذاً له، درستُ عليه الفقه وفقه السيرة، والأحوال الشخصية وما أمتع دروسه ومحاضراته! يمزج دروسه بالعلم الواسع، والدعوة الحكيمة، والنكتة اللطيفة، والبسمة الجميلة، والتواضع الجم، فيزداد جمالاً على جمال، ونزداد له حباً على حب.
ولقد كانت متعة لي، وأي متعة!؟ كان يتوكأ على كتفي ـ أحياناً ـ وهو في طريقه إلى المحاضرة العامَّة الأسبوعية، في رحاب الجامعة، في المكتبة المركزية، متبرعاً بها، حريصاً على نشر الدعوة والمعرفة، وسبحان من أعطاه هذا العزم، ومنحه هذا الإخلاص، وأعطاه هذه القوة؛ مشلول نصفياً، يتوكأ من طرف على عصا، ومن طرف على كتفي، والآلام المبرحة تضنيه وترهقه، ومع ذلك يمضي قُدُماً إلى نشاطه الدعوي والعلمي بين طلاب الجامعة، رحمك الله أيها العالم الفذ، والمربي الحكيم، والداعية الرائد!
* وكنتُ قريباً منه في ساحة التدريب، حين هُدِّدت سورية بالعدوان مِن قِبل تركيا وإسرائيل عام /1958/ لقد كنا طلاباً شباباً... وإمامُنا وعميدنا وشيخنا السباعي يتقدمنا بلباسه العسكري، والضباط يدربوننا على استعمال السلاح وإطلاق النار، وإصابة الأهداف، ومواجهة العدوان، وحفر الخنادق، رحمك الله ايها القائد البطل، والقدوة المجاهد!
* وكنتُ قريباً منه في البيت أزوره، وأقضي له بعض حاجاته، فيستقبلني بتواضع عجيب، وخلق نبوي كريم، ويقدم لي الضيافة بنفسه، رغم عجزه الجسدي، ورغم آلامه المبرحة، بل رغم وجود خادمة، وأنا من جهتي كنت أتشرف بخدمته.
وأذكر أنني توددت له ببعض الكلمات، قصدت التخفيف عنه مما يعانيه، وإذا به ـ رحمه الله وطيب ثراه ـ يقول لي بكل الرضى عن الله، والسعادة بما هو عليه من ابتلاء، قال: إني لأحمد الله يا أخ فاروق على ما قدَّر لي، أَتَعْلم أنني أتمتع اليوم بما لم أتمتع به في حياتي؟! إنني أتمتع بسماع كلمة: بابا..بابا.. تنطلق بها أفواه أولادي!! حين كنت في تمام صحتي، نادراً ما كنت أراهم... من لقاء إلى لقاء، ومن سفر إل سفر... ومن محاضرة إلى محاضرة... ولا أكاد أعود إلى البيت إلا في ساعة متأخرة من الليل ـ وقد ناموا ـ بالأمس رآني أحدهم أحرك إبرة الراديو، أريد أن أستمع لنشرة الأخبار، فقال ببراءة الطفولة العذبة، وباستغراب كبير: بابا يفتح الراديو يا للعجب!! وحقَّ له ذلك! فإنه لم يرني قبلها أفعل ذلك، لكثرة أعبائي وكثرة مشاغلي، وطول غيابي عن البيت!!.
* كنتُ قريباً منه كذلك في مركز الإخوان في الروضة، وقد كان مراقباً عاماً للإخوان المسلمين، ورئيساً للمكتب التنفيذي، الذي يضم كافة قادة الإخوان المسلمين في البلاد العربية، أتحرك بين يديه، وأنفذ أوامره وتوجيهاته، بصفتي مديراً لمركز الإخوان في دمشق، أشارك في تنظيم اللقاءات، والمؤتمرات، والنشاطات، على مستوى مركز دمشق وعلى مستوى المكتب التنفيذي للإخوان في البلاد العربية.
* وكنتُ قريباً منه في فراش المرض، حيث كان طريحاً على هذا الفراش في مستشفى الجامعة في دمشق، وكنت طريحاً كذلك في نفس الوقت عام /1956/ على هذا الفراش في مستشفى حمص الكبير، إثر حادث السيارة الذي تعرضت له على طريق دمشق ـ حلب،والحمد لله على كل حال، والشكر له في كل آن، وقد كان للرسالة(1) الإيمانية الرقيقة التي أرسلها إليَّ حيث أرقد في مستشفى حمص، صحبة الأستاذ محي الدين الطباع، شقيق زوجته، وسكرتير عميد كلية الشريعة، أكبر الأثر في نفسي، فكنت أَرْضَى ما أكون عن الله، وأسعد ما أكون بقَدَر الله...
لقد كان ـ رحمه الله ـ مُعلِّماً في قالِهِ وحاله، في سلوكه وأخلاقه، في تواضعه للشباب وحدبه عليهم، فالآلام المبرحة التي كان يعانيها، والمرض العضال الذي يشكو منه، لم يجد في كل ذلك عذراً أو مبرراً في أن يحرم شاباً فقيراً مثلي من رسالة ود، وكلمة حب، وهدية تكريم، لم يفعلها أحد غيره، على كثرة الشيوخ والأساتذة والقادة والزملاء ـ إلا ما رحم ربي ـ.
حقاً لقد كان وَقْع هذه الرسالة كبيراً في نفسي(2)، وخاصة أن تأتي من داعية عظيم، وعالم كبير، وقائد فذ، وأستاذ جليل، ومِن مِثل السباعي العملاق في نظري، ونظر مَن عرفه.
* وأخيراً وليس آخراً، ومن قبل ذلك، ومن بعده، كنت قريباً منه بعقيدة التوحيد التي ربانا عليها، متجسِّدة بإيمانه القوي الذي لا يتزعزع، وبشجاعته الفذة، وبطولته الفائقة، ورجولته النادرة، ومصاولته للباطل، ومقارعته للملحدين، ومواجهته للظالمين، وجهاده الطويل مذ كان صغيراً، وإلى أن لقي وجه ربه الكريم، جهاداً بأوسع معانيه، وفي مختلف ميادينه، جهاداً دعوياً، وجهاداً علمياً، وجهاداً سياسياً، وجهاداً عسكرياً، وجهاداً اجتماعياً، وجهاداً إصلاحياً....ولا شك أن الإخوة القراء يعلمون أن الإسلام العظيم قد اصطلح كلمة الجهاد في سبيل الله بديلاً عن كلمات الغزو والحرب والقتال، ليدل ـ من جهة ـ على تميز الجهاد في الإسلام بغايته وهدفه، فالإسلام لا يقاتل من أجل أن يعلو قوم على قوم، أو جنس على جنس، أو دولة على دولة... ولا من أجل توسيع مناطق نفوذ، وتأمين أسواق، وسرقة مواد أولية... وإنما يقاتل لإعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه، وبسْط شريعته في الأرض، وتحرير عباده من الطغاة الظالمين المتألهين، وهذه حكمة الإسلام في تسميته جهاداً في سبيل الله، وحكمة ثانية: أن تشمل هذه التسمية كل جهد خالص صادق يُبذَل في هذا السبيل، سواء في مجال الدعوة، أو في مجال العلم، أو في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في مجال السياسة والإصلاح الاجتماعي، أو في مجال بذل المال، وبذل الروح في ميادين القتال وغيره، طالما أنه ملتزم بالغاية، وهي إعلاء كلمة الله، وقد نصَّت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على مختلف هذه الميادين بوصف الجهاد.
وليسمح لي الإخوة القراء أن أقول ـ وأنا لست مبالغاً إن شاء الله ـ أنني لم أسمع ولم أر ـ طيلة حياتي ـ رجلاً تحقق بهذه المعاني، وخاض مختلف هذه الميادين الجهادية كشيخنا السباعي ـ طيب الله ثراه ـ.
أمتع الله روح أستاذنا وقائدنا السباعي في جنات الخلود، وفي صحبة مَن أحب من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وعلى رأسهم سيدنا محمد ^ وجزاه الله عنا وعن المسلمين كل خير، فقد شوَّقنا إلى الجهاد والفداء، وحبَّب إلينا هذا الدين والدعوة إليه، وسلك بنا طريق حزب الله في عمل دعوي جماعي أخوي، ومِن خلال جماعة إسلامية منظمة راشدة، تجتهد في التحقق من صفات حزب الله كما جاءت في كتاب الله الكريم، أسلَمْنا إليه القيادة، وأعطيناه البيعة، وكان أهلاً للقيادة، جديراً بالمسؤولية، وفيأً للأمانة، أعطى من نفسه القدوة والأسوة لجنوده وتلاميذه وأنصار دعوته ـ رحمه الله تعالى ـ.
معشر الإخوة القراء لا تعجبوا من هذا الحب الكبير الذي نُكنُّه نحن تلامذة السباعي، ولا تظنوا أننا نبالغ فيما نقول، ويشهد الله أنني لم أقل فيه كلمة خلاف ما أيقنتُ، ورأيتُ، وسمعتُ، وشهدتُ، أنا لا أزكيه على الله، ولكني أقول بما شهِدتُّ عياناً، ورأيتُ حضوراً، وسألقى الله بهذه الشهادة، ولا أزعم أنه معصوم، فهو بشر يخطئ ويصيب، ويجتهد في طاعة مولاه، على هذا أحببناه، وبهذا التصور تعاملنا معه، من غير مبالغة ولا إفراط، ومن غير تعظيم ولا تقديس.
كنا نرى فيه رجلاً، لا أقول: في وقت عزَّ فيه الرجال، ولكني أضيف إلى ذلك: كنا نراه واحداً من رجال السلف الصالح! إيماناً واستقامة، وجهاداً وعطاء، بذلاً واعتزازاً... كانت الرجولة الحقة تتجسد في تحققه من هذه الصفات، وإذن فإنني لا أعني الرجولة بالمفهوم النوعي، ولا بالمفهوم الجنسي، وإنما أعني الرجولة بالمفهوم القرآني والمفهوم النبوي.
وقد أثنى الله على الصحابة بأنهم رجال فقال سبحانه:[مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب:23}.وقال عز من قائل:[ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا] {التوبة:108}.:[رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ] {النور:37}.كما أثنى سيدنا رسول الله ^ على الصحابة أنهم رجال، فقال عليه السلام:«نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة، نعم الرجل أسيد بن الحضير، نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس، نعم الرجل معاذ بن جبل، نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح»(3) رضي الله عنهم أجمعين.
وواضح أن القرآن الكريم والسنة المطهرة لم يقصدا بهذا الوصف رجولة النوع، ولا رجولة الجنس، وإنما قصدا رجولة العقيدة والإيمان، ورجولة الشجاعة والبذل، ورجولة الإيثار والفداء في سبيل الله.
وهكذا فهم سيدنا سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ معنى الرجولة بالمعنى القرآني والنبوي، فقال: ثلاثة أنا فيهن رجل، وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس،
ـ ما سمعت من رسول الله ^ حديثاً إلا علمت أنه حق من الله تعالى.
ـ ولا كنت في صلاة قط، فشغلت نفسي في غيرها.
ـ ولا كنت في جنازة قط، فحدثتني نفسي بغير ما تقول، وما يقال لها، حتى أنصرف عنها.
قال سعيد بن المسيب ـ رحمه الله تعالى ـ: هذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبيَّ»(4).
ولقد تمنَّى سيدنا عمر بن الخطاب بيتاً رحباً واسعاً، يمتلئ بهذا النوع من الرجال الأقوياء الأشداء، يستعين بهم في أمر الحكم والفتح والمهمات الصعبة، قال عمر يوماً لجلسائه: تَمنَّوا، فقال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم فأنفقها في سبيل الله، فقال عمر: تمنَّوا، فقال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهباً، فأنفقها في سبيل الله، قال عمر: تمنوا، قال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت جوهراً ـ أو نحوه ـ فأنفقه في سبيل الله، فقال عمر : تمنَّوا، فقالوا: ما تمنينا بعد هذا؟؟ قال عمر: لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان ـرضي الله عنهم أجمعين ـ فأستعملهم في طاعة الله (5)...
ويشترط الحكيم الترمذي تحقُّق الصدق في الرجل حتى يكون أهلاًُ لوصف الرجولة. يقول ـ رحمه الله تعالى ـ: حقيقة الرجولية الصدق، ومن لم يدخل في ميادين الصدق، فقد خرج من حد الرجولية(6).
أحسب أن شيخنا السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ كان رجلاً بهذا المعنى القرآني والنبوي،وكان أمة في رجل، بالمعنى القرآني والنبوي كذلك، وقد رُوي أن سيدنا عبد الله بن مسعود قال ـ ثناء على سيدنا معاذ بن جبل ـ: إن معاذ ابن جبل كان أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يك من المشركين، سأله فروة الأشجعي: إنما قال الله:[إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ] {النحل:120} ظناً منه أن ابن مسعود قد أخطأ...! فأعاد ابن مسعود قوله: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً..وكأن ابن مسعود أراد بهذا التأكيد أن ينفي لسائله أنه قد أخطأ، أو قد سهى، وأنه ذكر معاذاً مكان سيدنا إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ قاصداً، ثم علل قوله بتفسير الآية الكريمة، فقال: ما الأمة؟ وما القانت؟ قال فروة الأشجعي: الله ورسوله أعلم، قال ابن مسعود: الأمة الذي يُعلِّم الخير، ويؤتمُّ به، والقانت: المطيع لله عزّ وجل، وكذلك كان معاذ بن جبل معلماً للخير، مطيعاً لله عزّ وجل ولرسوله(7)^.
ويشهد كل من عرف السباعي، أو كان قريباً منه، أو تجنَّد في دعوته، أوتتلمذ على يديه، أنه كان أمة في رجل،ورجلاً في أمة ـ رحمه الله تعالى ـ ولعل الذين قرأوا العدد الخاص من مجلة(8) حضارة الإسلام الذي صدر إثر وفاة السباعي، يكاد يرى شبه إجماع على هذا الوصف من كل مَن شارك في تحرير هذا العدد، أو في غيره من الأعداد، أو في غير مجلة حضارة الإسلام.
وفي ختام هذه الكلمة أجدني ـ بحمد الله ـ قرير العين، سعيد النفس، مبتهج الفؤاد، إذ أسمع من ابن شيخنا وأصغر أولاده، محمد مصطفى السباعي(9)، أنه عازم ـ بحول الله وقوته ـ على أن يعيد طباعة كتب والده ـ رحمه الله تعالى ـ، وأن ينشر مالم يُنشَر، وأن يجمع آثاره ومقالاته، وما كتب عنه في مختلف الصحف والمجلات والدوريات، وهذا حلم ما زلت أحلم به، وأمل ما زلت أنتظره، منذ أن تُوفِّي شيخنا السباعي، ـ رحمه الله تعالى ـ وأذكر أنني ـ ولم أكد أرجع من تشييع جنازته إلى مثواه الأخير ـ رجوتُ أحد تلامذته المحبين المقربين ـ وقد كان يكبرني سناً (10)ـ أن يبادر إلى إعداد كتاب عن السباعي، وأن يجمع مادته... وتمضي السنون، ولا زلت أرجو منه ومن غيره... وأسعى هنا وهناك في جدة والرياض، في دمشق وبيروت، في عمان وقطر وبغداد، في طرابلس والجزائر، في كندا، وبريطانيا، وأمريكا، أسعى بنفسي وبإخواني بحثاًُ عن آثار شيخنا السباعي في الجامعات والمكتبات ومراكز المعلومات، وما يتيسر لي جمعه، أُرسله لمن أعتقد أنه أهل للكتابة عن السباعي، ووالله ما فعلت ذلك إلا وفاءً لشيخي السباعي، وبعض حقه في عنقي، وبعض دَيْنه في ذمتي.
وليسمح لي أساتذتي وشيوخي، وإخواني وأحبابي ممن عاصروا السباعي وعايشوه، وعرفوا فضله وجهاده، وشاركوه نشاطه ودعوته، وعلموا ـ عن قرب ـ خصائصه ومزاياه، وصدقه وإخلاصه، وشهدوا معاناته وآلامه، وعرفوا ضخامة الثمن الذي قدمه السباعي من أجل دينه ودعوته وأمته، أقول لهؤلاء الأحبة: لقد كان تقصيراً فادحاً أن لا تُكَتَبَ كتب تُعرِف شباب الأمة وأجيالها بعطاء هذا الرجل الفذ، الداعية القائد، المجاهد الرباني، العالم العامل، السياسي المصلح، المفكر الرائد.... رحمه الله تعالى.
وأعتقد أن ما كُتِب عنه ـ على أهميته ـ لا يفي هذا الرجل حقه، ولا يُلِم بالجوانب العظيمة الكثيرة في شخصيته، فالشكر لمن كتب، والرجاء ممن يجمع الوثائق والآثار، ومن سنين عديدة، أن ينجز مشروعه، ويقدمه للأمة وأجيالها وشبابها، فمصطفى السباعي ملك هؤلاء جميعاً، ومن حقهم أن يعرفوا سيرة القائد المؤسس والعالم المجدد.... ومصطفى السباعي تاريخ دعوة وجماعة،و تاريخ بلد وقضية، وتاريخ حركة وجهاد،وقد طال الانتظار حتى بلغ خمساً وثلاثين عاماً!!!.
وليغفر الله لشيخنا نصوح السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ الذي زرته في جدة عام /1416/، ورجوته أن يزودنا بما بقي لديه من وثائق وصور ومستندات وصحف عن شقيقه، فاعتذر، وكله ألم وحسرة، إذ أنه أتلف كثيراً منها بسبب الأوضاع التي مرت بها سورية عام /1980/،وما بقي محفوظاً في غرفته في الجامع الكبير بحمص، أعطاه لباحثة جاءته من بريطانيا، تعد رسالة دكتوراة، فأخذت كل ما بقي لديه على أن تعيده، لكنها لم تَعُد إليه،ولم ترد شيئاً مما أخذت، ونتمنى على إخوتنا في بريطانيا أن ينقبوا في جامعاتها ومكتباتها عن هذه الرسالة الجامعية وصاحبتها، عسى أن نعرف ما كتبت، وأن تُطالب برد ما أخذت من أصول.
من هنا تأتي أهمية عمل وجهد ابن شيخنا ولده البار الأستاذ: محمد مصطفى السباعي ـ أجزل الله مثوبته ـ.
فقد أدى واجب الوفاء لوالده، ولأمته، وبلده، والجماعة التي رباها والده.
أجد واجباً عليَّ أن أشكره، فقد وفَّى بما وعد، وقابل رئيس مجلس الشعب السوري قدورة، واستأذنه أن يأخذ ما يتعلق بوالده من الجريدة الرسمية المحفوظة لدى المجلس، والمتضمنة مشاركات السباعي في نقاشات البرلمان حين كان عضواً فيه، وخاصة مرحلة صياغة الدستور عام /1949/ فقد كان لنقاشاته ومشاركاته ومداخلاته الأثر الكبير في صياغة الدستور وإنشاء كلية الشريعة، وتوجهات البرلمان الإيجابية، وبقي لي في ذمته وعداً آخر، هو أن يجتهد في الحصول على الوثائق والمستندات والأسرار، والمواقف المتعلقة بوالده و التي تحتفظ بها وزارات الخارجية في الدول الكبرى والتي لا تفرج عنها إلا بعد مرور ثلاثين سنة، باستثناء مَن كان تأثيره مستمراً كالإمام الشهيد حسن البنا وأمثاله، فقد قالت وزارة الخارجية البريطانية لولده سيف الإسلام: لن نفرج عن الوثائق المتعلقة بوالدك إلا بعد مرور /75/ سنة، بسبب أن والدك لازالت أفكاره قائمة وتأثيره مستمراً!!
وأعتقد أن هذا الجهد ستكون له آثاره الطيبة ـ إن شاء الله ـ إذ سيمد الباحثين وأصحاب الرسائل الجامعية والجامعات ومراكز البحث العلمي بقدر كبير من المعلومات، تعينهم على البحث والكتابة والتأليف.
اللهم اجزِ عنا شيخنا السباعي أجزل الثواب، واحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين (11).
يتبع في الحلقة الخامسة عشرة، ونتحدث فيها عن الأستاذ العلامة الشيخ مصطفى الزرقا
(1) لا زلت أحتفظ بهذه الرسالة الودودة التي أعتز بها.
(2) أعتذر للقراء عن تسجيل هذه المشاعر الشخصية في هذا المقال اجتهاداً مني أن هذا وأمثاله يمثل دروساً بالغة للدعاة والعلماء والقادة.
(3) أخرجه الترمذي، وحسنه.
(4) الاستيعاب على هامش الإصابة، 32،33.
(5) رواه أحمد وابن سعد والبخاري في تاريخه الصغير ورواه أبو نعيم في الحلية.
(6)
(7) أسد الغابة 5/194ـ197.
(8) العدد الممتاز.
(9) صاحب دار الوراق في الرياض.
(10) كنت طالباً في كلية الحقوق.
(11) كتبت هذه المقالة بتاريخ 20/9/1999.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين