
يتبع .. شيوخ كرام لقيتهم واستفدت منهم ولم أدرس بين أيديهم
5ـ الشيخ عبد الرحمن زين العابدين ـ رحمه الله تعالى ـ
لم يدرِّسني الشيخ، ولكني كنت أزوره في منزله ـ رحمه الله تعالى ـ مُعْجَباً به، لِما أسمع عنه، فقد كان يملك مواهب عجيبة، وقدرات فائقة:كان موسوعة في النحو العربي، عِلماً أنه كان يتكلم العربية بلهجة ممزوجة باللغة التركية، وكان في صناعة الساعات وتصليحها لا يتفوق عليه أحد، كما هو كذلك في صناعة الآلات عامة. وقد حدثنا الأستاذ الشيخ محمد الحكيم ـ رحمه الله تعالى ـ الذي كان رئيساً لشركة الغزل والنسيج بحلب، حدثنا أن إحدى آلات المصنع قد تعطلت في فترة الحرب العالمية الثانية، ولم يكن من الممكن إرسالها إلى أوروبا لتصليحها لدى الشركة المصنِّعة، بسبب ظروف الحرب، فبحثوا عن المَهَرة من الصناعيين في حلب، وجربوا فلم يفلحوا، وعندما يئسوا، ـ والمصنع قد أضحى مشلولاً بسبب عطالة هذه الآلة ـ قال الشيخ محمد الحكيم لأعضاء مجلس إدارة الشركة: فلنعرض هذه الآلة على الشيخ عبد الرحمن زين العابدين، أجابوه ساخرين: وماذا عسى هذا الشيخ أن يفهم في تصليح مثل هذه الآلة المعقَّدة؟! لقد جئنا بكبار الصناعيين والميكانيكيين فلم يتمكَّنوا من تصليحها. ردَّ عليهم الشيخ الحكيم: فلْنجرب. هل ثَمَّة خسارة لو عَرَضناها عليه؟ قالوا يائسين: جرِّب... قال الشيخ الحكيم: أرسلنا إليه، وقدم، ونظر في الآلة وتفحَّصها، ثم قال: إن شاء الله أصلحها، لكني أحتاج إلى ثلاثة أيام. قالوا: لك ما تريد... ولم تمض الأيام الثلاثة حتى صلَّح الآلة...
وكان لابد من دفع الأجر، وقدَّروا أنه لا بدَّ من دفع أجر كبير ـ وهم مستعدون لدفع أيِّ مبلغ مهما كبُر ـ، لأنه بتصليح هذه الآلة تمت عملية إنقاذ هذا المصنع، ولَشَدَّ ما كانت دهشتهم واستغرابهم أن الشيخ عبد الرحمن زين العابدين يطلب خمس عشرة ليرة سورية فقط. سألوه مستغرِبين مدهوشين: فقط خمس عشرة ليرة سورية؟!. قال: نعم. اشتغلتُ بتصليحها ثلاثة أيام. وأجري في اليوم خمس ليرات. سبحان الله ما هذا الزهد؟ وما هذه القناعة؟ ولا تعجب إن قلت: أن الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ مات، ولا يملك من حطام الدنيا شيئاً، وأخبرُ الناس به الأخ الكريم الأديب الأستاذ عبد الله الطنطاوي ـ حفظه الله تعالى ـ فقد كان حفيَّاًَ بالشيخ، ملازِماً له، مهتماً به في السفر والحضر، كما يهتمُّ الولد البار بأبيه ـ جزاه الله خيراً ـ.
وبالإضافة إلى ما تقدَّم فقد كان ماهراً إلى درجة العبقرية في إتقان الرمي بالمسدس والبندقية وغيرهما، يصيب الهدف، ولو وُضع في أخطر مكان. ولو سَمَحَ هذا العبقري لنفسه أن يشارك في المسابقات الدولية في مثل هذه الميادين لكان أحد المتفوقين القلائل هذا إن لم يظفر بالمرتبة الأولى عالمياً، ليكون بطل العالم في هذا الميدان، يحكي الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ـ رحمه الله تعالى ـ عن براعة الشيخ عبد الرحمن في إصابة الهدف وحذق الرماية أنه كان يوقف أخاه أبو الخير الصغير السن بعيداً عنه نحو أربعة أمتار ويضع على رأسه قطعة النقد السورية المسماة (الفرنك) على رأسه وهو في غاية الطمأنينة ، فيطلق الشيخ الرحمن ( الخردقة) من بندقيته فيطير الفرنك من فوق رأس أخيه، ولا يمس شعره بأي أثر من أثار الخردقة(1).
أقول وبكل المرارة: إن أمتنا لم تستفد من أمثال هذه العبقريات، ولم تشجِّعها، ولم تعمل على استثمارها وإبرازها،وأقول للإنصاف أيضاً: إن تواضع الرجل وزهده وعزلته كانت سبباً في عدم الاستفادة من هذه العبقرية، وباعتقادي أنه لو كان لديه الطموح الكافي، وكان قادراً على تجاوز هذه السلبية، ولو تهيأ له رجال دولة أو رجال أعمال، لكان الشيخ عبد الرحمن زين العابدين من كبار الصناعيين والميكانيكيين والحرفيين يداً وفكراً واختراعاً وإبداعا ـ رحمه الله تعالى ـ.
وحقاً ما قاله الشيخ أحمد تيسير كعيد : لم يعرف أهل حلب قدره ومكانته ولم ينزلوه منزلته لأنه كان يحب الخلوة والانزواء ولا يركض وراء الشهرة والأضواء كان قوياً صريحاً لم يمالي ولم يداهن ، ولم يتملق أحداً ، ما وقف في يوم من الأيام على باب حاكم أو مسؤول لأنه كان يعرف حقيقته ويدرك رسالته في الحياة (2).
بل حقاً ما قاله الأخ الكريم الدكتور عبد الجبار زيدي :" لا أنسى أستاذنا العلامة الصانع البارع المتفنِّن الشيخ عبد الرحمن زين العابدين الاسكندروني الحلبي... وما كان يتمتع به من التبحر في علوم العربية كالنحو والصرف والبلاغة وعلم الفقه، وعلم المنطق والفلسفة، إلى جانب مهاراته المبدعة الأخرى في الرمي والصيد وتصليح الساعات، وصناعة الإبر والمدافئ، وإتقان الصناعات الجلدية بأنواعها، والكتابة على الفولاذ، وغير ذلك... مما يحمل على الجزم بأن عينيَّ لم تقعا على مثله، فلا يُعلَم له نظير في عصره، حسبما أعلم ويعلم الكثيرون من طلابه ومعارفه ومعاصريه غيري. والله سبحانه أعلم" (3).
يتبع في الحلقة الثانية عشرة، ونبدأ فيه الحديث عن الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ
(1) علماء من حلب في القرن الرابع عشر للأستاذ محمد عدنان كاتبي.
(2) موسوعة الدعاة والأئمة والخطباء في حلب العصر الحديث (ج1 ص110).
(3) انظر كتاب : المهن والأعمال أخلاقيات وأحكام للأخ الزيدي ص168.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين