الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (10)

الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (10)

التصنيف: علماء دعاة مربون
الجمعة، ٢٨ جمادى الأولى ١٤٤٦ هـ - ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٤
140
محمد فاروق بطل
محمد فاروق بطل
الميلاد :1936 - 05 - 13- الوفاة :2024 - 07 - 24

يتبع .. شيوخ كرام لقيتهم واستفدت منهم ولم أدرس بين أيديهم


4ـ الشيخ طاهر خير الله ـ رحمه الله تعالى ـ 1341ـ1409هـ =1922ـ1989م
لم يدرسني الشيخ، لكنه كان مديراً للثانوية الشرعية فترة من الوقت، حاول أن يطوِّر الثانوية، وأن يُدخل بعض الإصلاحات، لكن عناصر الشَّغَب في داخل الثانوية وخارجها، حالوا بينه وبين ذلك،كان مربياً جذاباً ، كما كان إدارياً حازماً.


كان من حسن حظي أنني اعتقلت معه عام /1967/ في قبو المخابرات ـ شارع إسكندرون ـ ثم في سجن الثكنة العسكرية، ثم في السجن المدني ثلاثة سجون في حلب تنقلنا فيها خلال خمسة وثلاثين يوماً، لقد قَضَيْتُ مع الشيخ أياماً ماتعة على ما في السجن من كدورات وآلام وحرمان.


وأذكر أنني زرته في دار الأيتام التي كان يرأسها، ويرأس الجمعية الخيرية التابعة لها. وفي مدخل الدار رأيت لوحة جدارية كُتِب عليها قوله تعالى:[إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا] {النساء:10}.وقد تأثرتُ بها أيما تأثر وكأنني أقرؤها لأول مرة، والسر في هذا التأثر أنها تُلِيَتْ في مكانها، والدار دار أيتام...


والمال المرصود لهم تبرعاً، هو أمانة في أعناق الذين يرعَوْن هؤلاء الأيتام... هذه الحالة من التأثر رافقَتْني في كل مرة تقع عيني على آية كريمة في موضعها ومناسبتها، وسيأتي الحديث عن ذلك إن شاء الله .


كان الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ منور الوجه بهي الطلعة ، حلو البسمة ، طويل القامة ، شديد التواضع ، أنيق اللباس بعمة وجبة ، ينتمي لأسرة ذات حسب ونسب وعلم. وكان وفياً لهذه الأسرة الحلبية العريقة.


كان الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ متنوع الجوانب والمواهب، إن شئته خطيباً فهو ذلك الخطيب المفوَّه، كان يغصُّ مسجده ـ جامع الروضة ـ في حلب بحيث لا تستطيع أن تجد مكاناً على سَعَة المسجد وسَعَة ساحاته... وإن شئته واعظاً، كان ذلك الواعظ الذي يُحرِّك القلوب ويهيج المشاعر ويُرقِّق النفوس... وإن شئته تالياً للقرآن كان ذلك المقرئ الحافظ المجوِّد الذي يمتِّعك بجمال صوته، وعذوبة تلاوته، وفصاحة مخارجه، والصَّدى الرائع لخشوعه... وإن شئته قصَّاصاً آنسك بأروع القصص وأجمل الحكايا، يمزج ذلك بجمال البسمة، وحلاوة الكلمة، والحركات المعبرة، وشدَّة التواضع... وإن شئته منشداً أنشد لك أعذب الألحان وأمتع الأغاني... وإن شئته صاحب نكتة وطرافة، حكى لك من ألوان النكات والمزاح ما أضحكك من الأعماق، وأنساك همَّك وحزنك، وفرَّج عن أساريرك... ـ رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل قبره روضة من رياض الجنةـ.


لقد كان سجنه معنا عام 1967م من رحمة الله بنا ـ كما كنت أقول له ـ أنسانا السجن وظلماته، والهمَّ وكدوراته، وأراح منا الأعصاب وما كانت تكابد، وملأ علينا الوقت بالعلم والعبادة والتلاوة، والنشيد والقصص الهادف، والنكات الظريفة.


وأقدِّر أن حياة الشيخ كانت سعيدة وهانئة، سواء أكانت في بيته، فقد رُزق زوجة صالحة وأولاداً بررة... أو في مسجده فقد كان له تلاميذه المحُّبون، ومريدوه المقرَّبون، وقصَّاد خطبته المُعْجبون، وعشَّاق تلاوته الذين يَفِدُون إليه من كلِّ حَدَب وصوْب على سعة مدينة حلب خاصة أيام رمضان وصلاة التراويح والتهجد... أو في وسطه العلمي، فقد كانت له مكانته وتقديره واحترامه... أو في وسطه الاجتماعي فقد كان له جمهوره وأنصاره، أوفي وسطه الشخصي فقد كان له أصحاب أوِدَّاء من تجار وأغنياء خُلَّص يأنس بهم ويأنسون به، يصحبهم في سهراته وجلساته ورحلاته، ويمضون ساعات وأياماً لطيفة ضاحكة بهيجة، تجمع بين النزهة والعلم والنشيد والسمر... ـ كما كان يحدثني ـ رحمه الله تعالى ـ.


كان الشيخ أحد مسؤولي حزب الشعب في مدينة حلب، وأذكر أنه دُعي للتحقيق في السجن العسكري عام 1967، فلما عاد إلينا، قال متبرماً: أَأُدعى للسؤال والجواب، وأنا من حزب الشعب؟؟ ومحمد فاروق بطل من الإخوان المسلمين ومسؤول فيهم ولا يُدعى!!. يقول هذا ممازحاً على شدة حبه للإخوان وحرصه على سداد أمرهم، وصلاح حالهم، وقد كانت بعض دروس دورة الموجهين التي كنت أشرف عليها، وينهض بها علماء متخصصون، كانت تتم بإشراف الشيخ طاهر ـ رحمه الله تعالى ـ .


في نهاية السبعينات، وحين اشتد ظلم البعث وتسلطه، كان لخطبه الناقدة والجريئة والصريحة أكبر الأثر في إثارة مشاعر الشعب المسلم في مدينة حلب، وخاصَّة الشباب،وفي توليد النقمة على هذا الحكم العلماني الطائفي الظالم الجائر، وفي حفز الشباب للغيرة على دينهم وقيمهم، والغضبة لربهم ولإسلامهم.. كان في مقدمة هؤلاء الشباب صهراه وزوجا ابنتيه الشهيد الأخ حسني عابو، والشهيد الأخ المهندس عدنان عقلة (1)ـ رحمهما الله تعالى ـ وقد قاد الأول مجموعة الشباب المنتمين لما يسمى تنظيم: المهندس مروان حديد ـ رحمه الله تعالى ـ حتى إذا اعتُقِل، بينما تولى الأخ الثاني المهندس عدنان عقلة قيادة ما يُسمَّى: تنظيم الطليعة المقاتلة لجماعة الإخوان المسلمين.


باستشهاد صِهرْيه وزوجَي ابنَتَيْه وما خلَّفاه من ذرية وحزن وأسى. تحمَّل الشيخ طاهر من الهمَّ والألم ما لا يحتمله بشر، وقد كان الشيخ عاطفياً جداً، فاجتمَعَت عليه الهموم من كل طرف؛ همُّ ابنتيه وأولادهما، وهمُّ أولاده الذين لوحقوا من قبل أجهزة الأمن وتشرَّدوا في الآفاق،وكذا هموم كثيرة لحقته، وهو يرى الفتنة قد عمَّت وطمَّت، والدولة بما تملك من جيش، وقوى أمن، وبوليس وأسلحة... في مواجهة شباب عُزَّل مندفع عاطفياً، دون إعداد ولا تدريب، إلا الحمية لدينهم، والغَيْرة على إسلامهم، والخوف على أعراضهم، لا يملكون من العدة إلا شجاعة قلوبهم، وشدة إخلاصهم، وقطعة المسدس الذي لا يتقنون الرماية به ـ إلا من رحم ربي ـ.


وقد حاول الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ دفع الفتنة، وتجنيب حلب المجزرة، وبَذَل مع إخوانه العلماء جهداً كبيراً في هذا، لكن السلطة الطاغية وبعض الشباب المندفع، أفشلوا الجهد وَوَأدوا المسعى، واعتُقِل الشيخ، وتحرَّكت حلب مُسْتَنكرةً، واضطرت السلطة للإفراج عنه أمام غضبة الشعب، واضطر الشيخ أن يُهاجر.


واستقرَّت هجرته على أرض المدينة المنورة مع عائلته وأولاده، وأسرتي صهريه الشهيدين حسني عابو وعدنان عقلة. في المدينة المنورة درَّس في جامعتها وشارك في لقاءات الجبهة الإسلامية المعارضة للنظام في سورية وقد كان عاطفياً جداً وذا إحساس مرهف توفي ـ رحمه الله تعالى ـ عام 1989اشتد به المرض ـ رحمه الله تعالى ـ وكأني بالحزن قد فَتَّت كبد الشيخ فأجهده المرض ـ رحمه الله تعالى ـ ودُفِن في البقيع إلى جوار مسجد سيدنا رسول الله e ـ رحمه الله تعالى ـ ورزقه شفاعة حبيبنا المصطفى e.


كان آخر لقاء لي به حين زارني في منزلي في مكة المكرمة عام 1988لتناول طعام الغداء صحبة الشيخ ناجي أبو صالح ـ رحمه الله تعالى ـ وبعض أولاده وذلك قبيل وفاته بوقت قصير.


وإذا كنت قد توسعت في الحديث عن أستاذي أبي هاشم، فلِما كان له من مكانة في نفسي، وذكريات جميلة تجاوزت حدود المدرسة والثانوية الشرعية لتتواكب مع سجننا المشترك والأحداث التي عشناها معاً، وقلقنا لها معاً، وحاولنا علاجها معاً ـ رحمه الله تعالى ـ.

يتبع في الحلقة الحادية عشرة، ونبدأ فيه الحديث عن الشيخ عبد الرحمن زين العابدين ـ رحمه الله تعالى ـ



(1) كنت وسيط المصاهرة بينه وبين الشيخ أبي هاشم بطلب من الأخ حسني عابو رحمهم الله تعالى .

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين